الجمعة، 10 مايو، 2013

حنحارب - بهيجة حسين


)
انجرحت طفولتي بصوت عبد الناصر في خطاب التنحي، أو خطاب إعلان الهزيمة أو النكسة، أو أيًّا كان المسمى، وأيًّا كان وجع الجرح في وعي الطفلة التي كانت، كان وجعًا، ولكنه لم يكسر الروح ولا الظهر، ولم تهتز الأرض تحت قدمي، ولم يسكن بدني الصغير ولا سنوات عمري رجفةُ الرعب من القادم المجهول.
لم يكن في الأفق مجهول، ولم يكن في الغيب إلا ما قرره شعب مصر: "حنحارب".. ونقطة ومن أول السطر.
ومن أول السطر كتبنا صفحات التاريخ: صفحة الكرامة، صفحة القوة، صفحة العزيمة، صفحة الأمل، صفحة استرداد الأرض والثأر لشهداء الوطن، صفحات تاريخ شعب وجيش ورجل.. أدركت طفولتي أن الرجل وشعب مصر وجيشها لن يفرطوا في كرامتنا ولا عرضنا، والعرض في عرف الفلاحين هو الأرض.
كان حوارًا مع سنوات العمر، سنوات وصلت إلى ضفاف شاطئ بحر ثورة العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
وتأتي الأيام، وماذا كنا ننتظر بعد ثورة شعب قدمنا فيها أغلى ما نملك من أرواح ونور عيون شبابها؟
فهل سيكون أول سطر كتبه التاريخ بعد الثورة أن جماعة الإخوان سرقت دماء الشهداء وثورة شعب؟. وفي صفحات الجماعة السرية -كما سجل التاريخ- أن حكم مصر خطوتها الأولى في طريق التمكين، وجعل مصر مجرد إمارة في دولة الخلافة. 
وهل سيسجل التاريخ أن هذه الجماعة واصلت مخططها بالاستيلاء على مفاصل الدولة؟
وأنه في هذا السعار الإخواني لم يسمع رئيس مصر صرخات المصريين في ليبيا، ولم يشعر بانكسار الكرامة ولا سحق الروح لموطن مصري وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة ويموت تحت التعذيب، لم تهتز في رأسه شعرة، ولم يطرف له رمش ومواطنون مصريون يعذبون لأنهم مسيحيون، من عذبهم إرهابيون دمويون.
ولنقولها بوضوح؛ فمرسي وجماعته هم الجذر الذي منه نبت كل الإرهاب والعنف، وهم لا ولن يستنكروا تعذيب مسيحي؛  فالمسيحي في عقيدتهم كافر، ألم يقل مرشدهم العام السابق "إن المسلم الماليزي أقرب إليه من جاره المسيحي"؟، قالها عقب قولته الأشهر "طظ في مصر واللي في مصر".
لم أشعر في سنوات طفولتي -رغم الهزيمة واحتلال سيناء- بالمهانة ولا سحق الكرامة، ولم أشعر بالضياع، ولا بأن مصر تفلت من بين يدي كما أشعر الآن؛ فمصر تعيش أسوأ فترات تاريخها كما لم تعش سوادًا من قبل، ولا فوضى وانهيار كالذي تعيشه الآن.
ومرسي وجماعته يتغولون في كسر إرادة وكرامة المصريين كهدف يسعون لتحقيقه.
وبينما يهان المصريون ويعذبون في ليبيا تحت أكاذيب يعلم مرسي جيدًا أنها أكاذيب، وبينما الميليشيات التابعة له ولجماعته تفتك بالمتظاهرين أمام مقر "المحفل الإخواني" المعروف بمكتب الإرشاد؛ يسافر هو ليضع على رأسه سلطانية باكستانية.
وعندما صفع البلطجي الإخواني امرأة كانت تتظاهر أمام "المحفل الإخواني" في المقطم؛ كان يرسل البلطجي، ومن رباه، رسالة أراد بها أن يكسر كرامتنا؛ ففي عرف الفلاحين الإهانة الكبرى تحط على العائلة التي تهان نساؤها. 
وعندما يقتل جنودنا في سيناء ساعة أذان المغرب، ويتعامل مع ما رأيناه باستهانة بدمائهم؛ فهو يهين كرامة الجندية المصرية. قتلوا جنودنا، سواء من قتلهم حماس أو جهاديون؛ فالمنبع الدموي واحد، هو نبع الدم الإخواني.
ولكن لا مرسي ولا جماعته يمكن أن يصلوا لمستوى معرفة أن الشعب المصري الذي لم يكسره المستعمر، وأن ما فات كانت جروحًا لم تكسر الروح ولم تنحنِ أمامها ولن تنحني الهامات، وحتمًا سيدرك المرسي ساكن قصر الرئاسة، وجماعته ساكنة مقر المحفل الإخوانى في المقطم، أن صرخة "حنحارب" كانت قرارًا لشعب وجيش مصر، ولرجل قاد معركة الكرامة. ولن يدركوا أن أحفادهم ما زالت الروح فيهم، والقدرة عفية، والأيام ودماء الشهداء وكرامة المصريين ثأر بيننا وبينهم.

ليست هناك تعليقات: