الجمعة، 17 مايو، 2013

الفتنة الطائفية.. بين الحقيقة والمؤامرة


لواء/ عبد الحميد خيرت
شهدت الساحة المصرية خلال الفترة الماضية، ومنذ اندلاع ثوره 25 يناير -على غير المتوقع- أحداثًا مؤسفة بين جناحي الأمة من مسلميها ومسيحييها. وقد امتدت هذه الأحداث لتشمل العديد من المناطق والمحافظات المصرية، حيث بدأت بحرق كنيسة «مارمينا» بإمبابة وكنسية «صول» بأطفيح، وتهجير بعض العائلات القبطية من العامرية بالإسكندرية، وأحداث ماسبيرو بالقاهرة، وصولاً إلى أحداث الخصوص بالقليوبية، والتي أعادت إلى الأذهان أحداث الخانكة الشهيرة في 11 نوفمبر 1972.
وقد تراوح رد الفعل على هذه الأحداث المتكررة، من مظاهرات، وقطع طرق، واحتشاد الآلاف من المسيحيين أمام السفارة الأمريكية لطلب الحماية والتدخل من أجل حماية الأقليات المسيحية في مصر، إلى اعتكاف قداسه البابا تواضروس الثاني بضع أيام في دير وادي النطرون، كما فعل البابا المتنيح شنودة في أواخر عهد السادات.
وما يجب التأكيد عليه أولاً هو أن العلاقة بين الكنيسة وأنظمة الحكم تتأرجح بين الوفاق والصدام، طالما صارت المعايير الحاكمة لهذه العلاقة معايير سياسية. وقد وصلت في مطلع الثمانينيات إلى أعلى نقاط الصدام فيما عرف بأحداث سبتمبر 1981، والتي انتهت باعتقال بابا الكنيسة واغتيال رأس الدولة، ولم تعد إلى وضعها الطبيعي فيما بعد. وتولد عن هذا وضع محير؛ إذ ارتأت الدولة اعتبار البابا ممثلاً للأقباط لديها، فاستراحت من عبء التعامل المباشر معهم في أطيافهم السياسية المتعددة، وهو أمر وجد قبولاً لدى القيادة الكنسية.
الأمر الثاني أن العلاقة بين الكنيسة والسلطة قد تأثرت بالاتجاه نحو الدولة الدينية؛ حيث ترتب على هذا الاتجاه عدة قرارات فيما يخص الأقباط، أخرجتهم من خانة المواطنة، وأعادتهم إلى خانة الأقلية، ثم حملت مسئوليتهم إلى الكنيسة التي لجأوا إليها عندما شعروا بانفصالهم عن المجموع. ومع تنامي مظاهر الدولة الدينية، تنامى دور الكنيسة في حياة القبطي، وتنامى تحميل الدولة مسئولية الأقباط للكنيسة، وصارت علاقة الأقباط بالدولة تمر عبر كنيستهم، وتخضع للعلاقة بين البابا ورئيس الدولة إن كانت ودية أو كانت تصادمية.
§     أخطاء ما بعد الثورة
وبعد ثورة 25 يناير، استغلت قوى الإسلام السياسي الأحداث في ظل حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ للتأكيد على عدم الاعتراف بوجود مشكلة طائفية من الأساس داخل الوطن، وتوجيه الاتهام لفلول النظام السابق وأنصار الثورة المضادة بأنهم وراء تلك الأحداث، وأن على السلطة الحاكمة سرعة التحرك لكشف أبعاد المؤامرة التي تتعرض لها البلاد لضرب الوحدة الوطنية والدفع بالبلاد إلى منزلق حرب أهلية.
 الغريب في الأمر أن رئيس الحكومة، ومجلسَ الشعب، الذي كان يسيطر عليه قوى الإسلام السياسي في ذلك الوقت، تعاملوا مع الأحداث بشكل يتسم بالسطحية وعدم الفطنة والكياسة. فليس من الحنكة السياسية إرسال مشايخ السلفية والإخوان، أمثال محمد حسان وعمرو خالد وصفوت حجازي، لحل مشاكل أحداث أطفيح وقنا وغيرها وتعظيم الدور الذي قاموا به. وكان السؤال الذي يطرح نفسه عقب هذا الإجراء: أين الدولة بمؤسساتها؟ هل تنازلت عن دورها ومسئوليتها حتى توكل هؤلاء عنها؟ لقد تولد شعور لدى الأقباط بسلبية الدولة في مواجهة الأحداث ذات الصبغة الطائفية، وإعطاء مساحة للتيارات الإسلامية في بسط نفوذها لحل المشاكل بين المسلمين والمسيحين.
إن وزارة تسيير الأعمال -التي شكلت في ذلك الوقت- كانت تخشى من الاعتراف بوجود احتقان طائفي بالبلاد؛ خشية أن تُتهم بأنها امتداد للنظام السابق، الذي رُوج بأنه كان يستغل فزاعة الطائفية لتحقيق مصالحه وأهدافه السياسية. فليس من المعقول لشركاء الثورة، ممن أقاموا قداس التحرير، وحموا المسلمين أثناء صلاتهم، وما تم الترويج له في هذا الشأن، أن ينتهي بهم الأمر للمطالبة بالحماية الأجنبية.
 كان لا بد على القيادة السياسية من الاعتراف بأن هناك احتقانًا في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، وتوترًا سيؤدي إلى مزيد من الصدام في حالة عدم الإسراع في تقديم العلاج. كان لا بد من الاعتراف بأن الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي واستقرار الجبهة الداخلية في خطر. كان لا بد من الاعتراف بالدور الذي يلعبه الخارج في تذكية هذا المناخ لإحداث حالة من عدم الاستقرار الداخلي، واستقطاب الأقليات الدينية والعرقية لتكون أداة ضغط على الدولة. كان لا بد من الاعتراف بأن المشكلة أكبر من فلول النظام السابق وأنصار الثورة المضادة. فقانون دور العبادة الموحد، الذي اتُّهم النظام السابق بتعطيله، والكنائس التي اتُّهم أيضًا بغلقها بدون وجه حق، لم يتمكن النظام الحالي من إزالة أسباب التعطيل أو الغلق. كما أن أحداث الخانكة والزاوية الحمراء، وخلافها، لم يكن وراءها فلول النظام، بل كان وراءها ثقافة عدم قبول الآخر، التي بدأت تظهر في أوائل السبعينيات، وتنتشر في أوساط المناطق الريفية والشعبية نتيجة الغزو الفكري الوهابي، الذي غزا مصر في منتصف السبعينيات.

§     البابا تواضروس وأزمة التعامل مع الأحداث الطائفية
ومع بدء ظهور مؤشرات صعود التيار الإسلامي وتسيده المشهد السياسي والإعلامي، وتبنيه خطابًا متشددًا تارة، ومنذرًا تارة أخرى، ومحتويًا لهم أحيانًا، خاصة في أوقات الانتخابات، وإصدار عفو رئاسي للإفراج عن بعض عناصر تنظيمات طالما استهدفت الأقباط وممتلكاتهم وكنائسهم؛ كل هذا أوجد لدى الأقباط الرغبة في الانزواء والتقوقع داخل الكنيسة مرة أخرى. إلا أن هذه الحالة من الانكفاء لم تدم طويلاً، ففي يوم 8 نوفمبر 2012 تم تنصيب البابا تواضروس الثاني؛ الأمر الذي زاد من أزمة النظام الحالي؛ للاعتبارات الآتية:
أولاً: الأقباط أكبر الأقليات عددًا ولا حدود جغرافية لهم.
ثانيًا: لهم حضور دولي لا تحظى به أي أقلية أو إثنية في مصر.
ثالثًا: تأكيد القوى الغربية على حمايتهم ورعايتهم؛ كوسيلة ضغط على النظام الحالي.
رابعًا: لهم كيان قائم متحدث باسمهم، وهو الكنيسة.
وأخيرًا: دستور وقانون واتفاقيات دولية تعطيهم حقوقًا على قدم المساواة مع إخوانهم المسلمين.
لقد أعادت أزمة الخصوص، التي اندلعت بتاريخ 5 إبريل 2013، وانتهت بمصرع أربعة مسيحيين ومسلم، وإصابة آخرين من الطرفين، وإحراق عدد من ممتلكات الأقباط، المشهد السياسي للفتنة الطائفية من جديد. هذا المشهد المكتظ فعليًّا بالعديد من الملفات الشائكة، وما شهده محيط الكاتدرائية بالعباسية من مصادمات واكبت تشييع الجثامين؛ أدى إلى اتهام الكنيسة للدولة بالتقاعس عن حماية المقر البابوي.
ما يثير الانتباه أن تعامل الكنيسة مع الأحداث في ظل قيادة بابوية جديدة هو مشهد متكرر خلال العقود الأربعة السابقة، حيث تعاملت بذات أسلوب البابا شنودة في الحالات المماثلة على النحو التالي:
-         الترويج إعلاميًّا للحدث بأن الاعتداء على الأقباط بدوافع دينيه؛ لاكتساب التعاطف.
-         إظهار الاستياء والاحتجاج من خلال تصريحات الكنيسة واعتكاف البابا.
-         العودة إلى الكنيسة واستقبال وفود الدولة والمجتمع من مفكرين وسياسيين وغيرهم.
-         المطالبة بسرعة ضبط الجناة وتقديمهم للعدالة.
إلا أن المشهد الحالي، وما طرأ على الساحة السياسية من مستجدات، يشير إلى أن تعامل الكنيسة مع الأحداث لا يتفق مع تلك المستجدات؛ من حيث صعود جماعة الإخوان لسدة الحكم، وتحرر الخطاب السلفي المتشدد من قيود الماضي، ووجود أزمة حقيقية تواجه النظام الحالي داخليًّا وخارجيًّا تجعله شبه محاصر إقليميًّا ودوليًّا، بالإضافة إلى توتر العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي. ناهيك عن الداخل، حيث أزمات متتابعة مع القوى السياسية، وما يطلق عليها قوى الثورة، مرورًا بصراعات مع مؤسسات الدولة (الجيش – الأزهر – القضاء – الإعلام).
يضاف إلى كل ما سبق الشعور القبطي بالتجاهل من قبل النظام؛ من خلال عدم اكتراثه بانسحاب الكنيسة من الجمعية التأسيسية للدستور، وتخفيض التمثيل القبطي بمجلس الوزراء لحقيبة واحدة، على عكس حكومات ما قبل الثورة، والتي كانت تضم ثلاث حقائب، وعدم وجود أي تمثيل لهم بالمحافظين، بالإضافة إلى وجود شعور قبطي بفقدهم وضعًا مميزًا تمتعوا به خلال النظام السابق؛ مما دفع بالعديد منهم إلى الهجرة خارج البلاد.
وفى ذات الوقت تولدت لدى الأقباط حالة من الشعور بخيبة الأمل الشديد؛ جراء الدعم الأمريكي المطلق الذي حظي به الإخوان للوصول للسلطة. وهو الأمر الذي إن استمر -من وجهه نظرهم- فقد يؤدي إلى تغافل الولايات المتحدة الأمريكية عن انتهاكات قد يتعرضون لها في المستقبل.
كل ما سبق دعا عددًا من التيارات داخل الكنيسة وخارجها لتوجيه النقد لسياسات الكنيسة السابقة المتمثلة في مهادنة النظام والاستقواء بالخارج؛ الأمر الذي أدى بالأقباط إلى الانعزال عن المجتمع، وقد ساعد على ذلك رفض البابا شنودة مشاركة الأقباط في الثورة، والذي أرجعه البعض إلى الفوائد التي حصدتها الكنيسة في عهد الرئيس السابق.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه مع مرحلة البابا تواضروس يجب عدم تدخل الكنيسة في أمور السياسة، وأن تترك هذه الأمور للعلمانيين من المسيحيين. إلا أن المؤشرات الحالية تؤكد عدم نيتها التخلي عن هذا الدور؛ ترقبًا لما ستسفر عنه حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها البلاد. كما نفى البابا وجود حوار جدي قد تم بينه وبين الرئيس مرسي؛ لأنه لا يريد أن يسمع لمشاكل الأقباط. بالإضافة لعدم لجم الرئاسة للألسنة التي تهاجم العقيدة المسيحية وتتهم الكنيسة بالتواطؤ ضد النظام، خاصة تلك الصادرة من قيادات إخوانية أو محسوبة على الإخوان (راجع تصريحات صفوت حجازي إبان أحداث الاتحادية يوم الثلاثاء 5 ديسمبر 2012، وكذا تصريحات البلتاجي والعريان وحازم أبو أسماعيل وصبحي صالح).

§        عوامل انتشار الحوادث الطائفية بعد الثورة
هناك الكثير من العوامل التي أدت إلى انتشار الحوادث الطائفية في مصر بعد الثورة. وهي عوامل لا بد من تدارسها وطرحها بشفافية، والوقوف أمامها قبل النظر في الحلول والمقترحات؛ فلا يمكن إعطاء الدواء قبل تحديد الداء.
إن أهم العوامل التي أدت إلى تفاقم المشكلة يمكن حصرها في الآتي:
1)    عوامل كنسية بالأساس:
تتلخص هذه العوامل في سعي الكنيسة (خاصة الطائفة الأرثوذكسية) الدائم خلال السنوات الماضية إلى إقامة كنائس، ومباني خدمات، وإجراء توسعات بالمباني القائمة، وشراء أراضٍ تمهيدًا لإقامة المنشآت عليها، وحث أبنائها في القرى على توفير الأماكن المناسبة دون استطلاع رأي الجهات المعنية (فرض سياسة الأمر الواقع)، ودون الأخذ في الاعتبار المناخ المحيط، في ظل ثقافة عدم قبول الآخر، التي يجب الاعتراف بوجودها في القرى والمناطق الشعبية؛ لضعف الثقافة وانتشار التدين الإسلامي والمسيحي المستمد من عناصر متشددة الأفكار؛ نتيجة غياب رجال الدين المعتدلين من الأزهر والأوقاف والكنيسة.
2)    عوامل مرتبطة بالممارسات الشعبية:
نظرًا للطبيعة القروية والشعبية بالمناطق التي تشهد أحداثًا طائفية، واتسامها بالجمود وتغلغل الأفكار المتشددة، التي تجد في ميل القرويين للتدين تربة خصبة لبث أفكارها المتعصبة، وفي وجود خطاب سلفي أصولي رافض للآخر ومكفر له، يبث أفكاره عبر كافة وسائل الإعلام، خاصة الفضائيات؛ فقد أدى ذلك إلى رفضه لقيام الآخر بممارسة حقه الدستوري في بناء المنشآت الكنسية وأداء شعائره؛ مما ولد شعورًا بالاضطهاد لدى أبناء الطائفة.
3)    عوامل دينية إسلامية:
منذ السبعينيات وحتى الآن غزت البلاد أفكار سلفية (اسم مرادف للوهابية) يعتنقها العديد من التيارات الدينية. البعض منها يميل إلى التشدد؛ حيث له نظرة رافضة لكل ما هو آخر، حتى ولو كان مسلمًا سنيًّا.
وهؤلاء تناثرت من أفواه دعاتهم ومردديها أحاديث ضعيفة توصي بالعداء والجفاء في النظر لأبناء الطائفة المسيحية، بل وصل الأمر إلى حد التكفير والاعتداء عليهم؛ مما ولد حالة من الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين (من ذوي الثقافات الضحلة)، وخلق جراحًا عميقة، زاد من عمقها اختفاء الخطاب الديني الذي يدعو إلى التسامح والتعايش، واستبداله بخطاب معادٍ وكاره لكل ما هو آخر.
وقد أدى ذلك إلى تشويه صورة وشخصية المسلم الدينية، وباتت مظهرية، ويؤكد ذلك أن 90% من العناصر التي تشارك في الأحداث الطائفية من غير المتدينين، لكنهم متأثرون بالخطاب الديني المتشدد.
4)    عوامل أمنية:
إن لجوء الأجهزة الأمنية للجلسات العرفية في حل المشاكل الناجمة من أحداث طائفية هو أمر خاطئ؛ فهو يسهل للمعتدي الإفلات بجريمته، ويضيع حقوق المعتدَى عليه (الطرف المسيحي)؛ مما يدفعه إلى اللجوء للكنيسة لمساعدته وحمايته، ومن هنا تحل الكنيسة محل الدولة في حل مشاكل أبنائها بقوانين الكنيسة وليس بقوانين الدولة؛ مما يعطي صورة ذهنية لدى المسلمين بأن الكنيسة فوق القانون، وأن الكنيسة تمثل الدولة الموازية في تعاملها مع أبنائها.
إن اللجوء للجلسات العرفية أضعف هيبة الدولة، وصادر دورها لصالح من يطلق عليهم رءوس العائلات، كأننا في ظل منظومة قبلية وليس مؤسسات داخل دولة عمرها أكثر من 7000 سنة.
5)    عوامل تشريعية:
هناك العديد من القضايا التي تتطلب تدخلاً تشريعيًّا، أهمها القضايا المتعلقة بخانة الديانة، والتي كانت سببًا في إذكاء روح الفتنة والاحتقان الطائفي، مثل: قضية العائدين للمسيحية، وقضية معتنقي المسيحية، وقضية إثبات البهائية.
وهنا يجب لفت الانتباه إلى أنه منذ دخول الإسلام مصر وتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود بها لم يكن أي من أتباع تلك الديانات يحمل بطاقة شخصية. إن مصر هي الدولة الوحيدة المثبت بهوية مواطنيها خانة الديانة على مستوى جميع دول العالم!!
6)    عوامل إعلامية:
لا شك في أن الطفرة التي شهدها الإعلام، سواء المقروء أم المسموع أم المرئي، من خلال انتشار القنوات الفضائية، إضافة إلى الانتشار الواسع لاستخدام شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، ساهم إلى حد كبير في شحن الأجواء على الساحة الداخلية، في ظل غياب الرؤية الإعلامية الثابتة للدولة.
إن غياب المعالجة الإعلامية السريعة لبعض الأحداث الطائفية، سواء لعدم وضوح الرؤية أو لغياب المعلومات، أو التردد في طرح القضية؛ أفسح المجال أمام الإعلام الخاص لتناولها بشكل موسع وغير مدروس؛ مما قد يساهم في تعقيد المشكلة وتفاقمها.
7)       عوامل التدخل الخارجي:
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بقيادة العالم، في ظل نظام أحادي القطبية، اتخذت الولايات المتحدة عدة إجراءات للسيطرة على دول العالم، كان من أهمها استقطاب الأقليات الدينية والعرقية؛ لاتخاذهم أداة ضغط، ومبرر تدخل إذا لزم الأمر.
وفي هذا الإطار بدأت الحملة لحماية المضطهدين دينيًّا، خاصة المسيحيين، وعقدت الولايات المتحدة مؤتمرًا لـــ "بيت الحرية" (freedom house)، بتاريخ 23/1/1996، تحت عنوان «الاضطهاد العالمي للمسيحيين»، اتخذت فيه التوجيهات الآتية:
1.    إعلام الرأي العام بما يحدث للمسيحيين من اضطهاد، من خلال الإجراءات الآتية:
-         سياسة دبلوماسية جديدة لإدانة الاضطهاد.
-         إصدار توجيهات للسفراء؛ لعقد لقاءات دورية بالتيارات الكنسية في البلاد التي بها اضطهاد.
-         تعيين مستشار خاص للرئيس للحرية الدينية.
-         تقديم المساعدات الدبلوماسية ومنح حق اللجوء للمضطهدين.
-         ربط التجارة والمفاوضات الدولية بأوضاع الاضطهاد الديني.
2.    إصدار تقارير دقيقة وموثقة من قبل مكتب حقوق الإنسان بوزارة الخارجية حول الاضطهاد الديني، وقد اقترح لذلك الآتي:
-         تطوير دور السفارات.
-         التمييز في التقرير بين المجموعات المسيحية المتنوعة، وأوضاع الحرية لكل منها.
وقد أسفر ذلك عن استماع عدد من الدوائر الحكومية لشهادات عدة أشخاص من الملمين بهذه القضية، وكان معظمهم من اليهود، وكان تركيزهم على أثر الأسلمة في انقراض المسيحيين الشرقيين في ظل الحكم الإسلامي. وبناء على تلك الشهادات كلف آنذاك الرئيس كلينتون وزير خارجيته، وارين كريستوفر، بتشكيل لجنة لمتابعة ومناقشة الموضوع، أطلق عليها «لجنة الشريط الأزرق».
في ضوء ذلك صدر تقرير الخارجية الأمريكية، عام 1997، حول الحرية الدينية في العالم، مع التركيز على وضع المسيحيين. ولقد أثمرت الحملة عن صدور قانون التحرير من الاضطهاد الديني عام 1997.
عقب صدور هذا القانون شعرت الأقليات من الأقباط على مستوى العالم بأنهم في حالة استقواء بالخارج. واستمرت تلك الحالة في مصر لمدة عام واحد فقط، أنهتها حادثة الكشح، التي أكدت للأقباط بأن الولايات المتحدة تسير وراء مصالحها فقط.
إن الأحداث الطائفية التي شهدتها البلاد عقب ثورة 25 يناير، وحتى وقتنا هذا، يجعلنا نتوقف عند مجموعة من الحقائق المهمة على النحو التالي:
-         التأكيد على وجود مشكلة طائفية في مصر، وأن طبيعة العلاقة بين النظام الحالي والكنيسة علاقة متوترة ويسودها الكثير من الشك والريبة.
-         اختفاء الخطاب الديني الذي يدعو إلى التسامح والتعايش، وظهور خطاب ديني متشدد بين الطرفين. بالإضافة إلى غياب رجال الدين المعتدلين من الأزهر والأوقاف والكنيسة، وترك الساحة الدعوية لعناصر متشددة ومتطرفة في أفكارها.
-         حماية دولية للأقلية المسيحية في مصر، تستخدم في الضغط على النظام القائم، وقد تستغل في تنفيذ أجندة أجنبية داخل البلاد.
-         صراع بين الرغبة والقدرة في التعامل مع هذا الملف الشائك. فقد تكون لدى القيادة السياسية الرغبة في معالجة المشاكل الطائفية بالبلاد، بحكم كونها في المطبخ السياسي، ولكنها تفتقد إلى القدرة على تنفيذ ذلك؛ لاصطدامها ببعض التيارات المتشددة من قوى الإسلام السياسي، والتي يعتمد عليها النظام في حركته السياسية، والتي كثيرًا ما تضع القيادة السياسية في موقف محرج مع الكنيسة.
-         ربما يكون لدى لكنيسة العديد من الأوراق للعب مع النظام الحالي، إلا أنها مؤجلة. وقد يكون الهدف من هذا التأجيل هو تفويت الفرصة على قوى الإسلام السياسي في حشد العواطف الدينية حال قيام الكنيسة بمواجهة مكشوفة مع النظام، تحت دعاوى أن المسيحيين يحاربون التجربة الإسلامية.
-         مسايرة القيادة السياسية الجديدة ومكتب الإرشاد لفتاوى أنصار الاتجاه المتشدد من قوى الإسلام السياسي، في موقفهم من تهنئة الكنيسة في أعيادها. وهو ما يتعارض مع سلوك جماعة الإخوان قبل وصولهم لسدة الحكم؛ فهناك من الصور لقيادات الجماعة داخل الكاتدرائية يهنئون الأقباط بأعيادهم. فلو واكبت أعياد الكنيسة انتخابات تشريعية فسيكون للقيادة السياسية ومكتب الإرشاد موقف آخر.
-         عدم وجود رؤية واضحة من القيادة السياسية في تعاملها مع هذا الملف الشائك؛ حيث هناك تعارض في المواقف بين الرؤية السياسية والرؤية الشرعية، من وجهه نظرهم. فما يجوز تطبيقه سياسيًّا تحت مفهوم المواطنة، مثلاً، قد يتعارض مع الرؤية الشرعية، سواء للنظام أو لقوى الإسلام السياسي الضاغطة على النظام، فعلى سبيل المثال عندما يتولى مسيحي منصب محافظ مثلاً، فهو سياسيًّا أمر طبيعي، ولكن شرعيًّا قد يتعارض مع عدم جواز أن يولى مسيحي على مسلم، من وجهه نظرهم.
-         ساهم الإعلام إلى حد كبير في شحن الأجواء على الساحة الداخلية بين المسلمين والأقباط، في ظل غياب رؤية إعلامية ثابتة للدولة. فما شهدته الساحة الإعلامية في الفترة السابقة من استضافة عناصر متشددة، من قوى الإسلام السياسي والأقباط، ساهم في تأجيج مشاعر الغضب بين الطرفين.
-         الآثار السلبية المترتبة على حل الخلافات الطائفية من خلال الجلسات العرفية أكبر بكثير من إيجابياتها؛ فهي تسيء للدولة، وتضعف من هيبتها، وتخرجها من دولة القانون.

§     حلول مقترحة لمعالجة الحوداث الطائفية
باستقراء الأسباب السابقة، التي تؤدي إلى الحوادث الطائفية، يمكن وضع العديد من الحلول المقترحة لمعالجتها، كما يلي:
-      المحور الأول: إعلامي أمني:
يقوم على التنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة الإعلام في عقد لقاءات موسعة مع القائمين على الصحف والفضائيات؛ لإطلاعهم على التأثيرات السلبية للتناول الإعلامي العشوائي على الأمن القومي المصري، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الطائفية، والنظر نحو وضع ضوابط لتناول تلك القضايا تعتمد على المعلومات الموثقة؛ حتى لا يؤدي النشر غير المسئول إلى تفاقم الأحداث. وهو ما يفرض على وزارة الداخلية عرض المعلومات المتعلقة بأي أحداث طائفية بصورة حقيقية، وبدون تهويل أو تهوين، وشرح أسبابها وخلفياتها؛ حتى لا يؤدي التأخير في نشر المعلومات إلى تزايد الشائعات وانتشارها، وبالتالي يؤدي إلى توسع الحدث.
 كما يشمل التنسيق مع كافة روافد الإعلام الرسمي والخاص إلى تقليص ظهور بعض العناصر المتشددة، سواء الإسلامية أو المسيحية، بوسائل الإعلام؛ حيث يسهم هؤلاء بصورة أو بأخرى في تصعيد الأحداث وليس تهدئتها. بالإضافة إلى التنسيق لإعداد برنامج موجه، تحت إشراف مجموعة منتقاة من الباحثين في الشئون الدينية، يقدمه شخصية إعلامية أو صحفية مقبولة لدى الرأي العام، تكون فكرته الرئيسية التأكيد على أهمية الابتعاد عن المفهوم الطائفي الضيق، والتركيز على الأمن القومي المصري.
-                المحور الثاني: الأحوال الشخصية والعبادات:
حيث يجب فتح كافة الملفات التي أدت وساهمت في وجود التوتر والاحتقان الطائفي، مثل: قانون دور العبادة الموحد، قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، حرية العبادة وبناء الكنائس، العائدون للمسيحية، معتنقو المسيحية... إلخ.
-    المحور الثالث: تطبيق القانون:
فلا شيء يعلو فوق القانون؛ حيث يستمد المواطن شرعيته من القانون والدستور، مع الابتعاد عن بعض المصطلحات التي ظهرت في الآونة الأخيرة والتي كانت سببًا فيما يحدث الآن من تسيب وبلطجة، فكم من الآثام ترتكب تحت مفهوم شرعية الشارع، وكم من ردود أفعال لأفعال سترتكب تحت مفهوم الشرعية الثورية؛ مما سيؤدي في النهاية إلى الفوضى غير الخلاقة.
-   المحور الرابع:
إعطاء مساحه لأصحاب القوى المعتدلة داخل الكنيسة والمؤسسات الإسلامية في التحرك نحو نشر مفاهيم الاعتدال في أوساط القطاعات الجماهيرية، وخاصة في الريف والمناطق الشعبية.
 فأنصار الاتجاه المعتدل داخل الكنيسة يرون ضرورة طرح المشاكل القبطية في إطار الجماعة الوطنية، وأن الأقباط جزء من نسيج هذا المجتمع، ولا يجب اللجوء إلى الخارج والاستقواء به، وأن ما يتعرضون له هو جزء من معتقدهم الديني، والذي ورد في الإنجيل "عن مرورهم بمضايقات واضطهاد"، ولا يجب المتاجرة والمزايدة بذلك، وأن ما تمر به مصر الآن من احتقان طائفي هو حالة عارضة، يمكن تجاوزها بالقضاء على مسبباتها.
 هذا التيار يقظ جيدًا للدور الخبيث الذي تقوم به القوى الغربية، والتي تسعى إلى تفتيت المنطقة من خلال إحداث الشقاق والخلاف وتقسيم الدول إلى دويلات عرقية ودينية. وفي المقابل الآخر من الاعتدال هناك الأزهر الشريف (منارة العلم)؛ وهو ما دفع العديد من المسيحيين العقلاء بمناشدة المسيحيين على أرض مصر بالوقوف خلف الأزهر؛ حتى لا تتزعزع مكانته، باعتباره الحصن الأخير لهم، وهو ما يعني اعتدال هذا الصرح العملاق، وثقة الكنيسة في قدراته على نشر تعاليم الإسلام السمح، ونبذ العنف، والقضاء على الأفكار المتطرفة وأنصارها ومروجيها، والتي أصبحت تسعى في الأرض فسادًا.
 وعلى النقيض ضرورة فضح التيار المتشدد داخل الكنيسة، الذي يرى أنه يجب اتخاذ موقف معادٍ للدولة؛ لكونها تمثل نظامًا إسلاميًّا محتلاً، واستخدام كل قوى الأقباط وإمكانياتهم في خلق تعاطف دولي مع قضيتهم المفتعلة للضغط على الدولة. ويتهم هذا التيار الكنيسة بالخنوع ضد الدولة، ويحرضها لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا.
وعلى الطرف الآخر فضح التيارات الأصولية التي اعتنقت أفكارًا متشددة تم استيرادها من الخارج (غزو فكري)، ترفض كل ما هو آخر، وتكفره، وتدين بالعداء لأبناء الطائفة من المسيحيين. لقد أخطأ العقلاء من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، في الأزهر والكنيسة، حينما تركوا الساحة للمتشددين منهم ليدفعوا بالخطاب الديني إلى منزلق الفتنة الطائفية.
 والخلاصة، أن كل ما سبق الإشارة إليه يوضح حجم المشكلة وخطورة هذا الملف، والدور الذى يلعبه الخارج في تزكية هذا المناخ لإحداث حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الداخلي، والدفع بالبلاد للتدخل الأجنبي وتنفيذ المخطط بتقسيم مصر.
 إن اختزال الدولة للمشكلة في ممارسات الرئيس السابق، وسياسته التي أدت إلى هذا الاحتقان؛ أمر فيه تشويه وتغييب لحقائق الأمور. لقد أخطأت الدولة في عدم الاعتراف بوجود احتقان طائفي، وأن هناك مطالب لأبنائها المسيحيين وملفات لا بد من فتحها؛ لأنها تمثل قنابل موقوتة، وأن غض البصر عنها سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وشعورهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية لا يتمتعون بحقهم الذي كفله الدستور.
 وأخيرًا، على النظام الجديد أن يبتعد عن تسطيح الأمور وإرجاع أسباب الفتنة إلى النظام السابق وفلوله.. إن الوضع جد خطير؛ فالأمور أصبحت تتعدى إسقاط النظام إلى إسقاط الدولة المصرية.

ليست هناك تعليقات: