الجمعة، 17 مايو، 2013

الحوار الوطني حَمَلَ جنينًا مشوهًا


الدكتور أحمد كمال أبو المجد
الفقيه الدستوري الدكتور أحمد كمال أبو المجد لـ"البوابة نيوز":
جلسات الحوار بين المعارضة والرئاسة "حملت" جنينًا مشوهًا اسمه "الفشل"
§       فوجئت باسمي ضمن أعضاء جبهة الضمير دون علمي ودون إطلاعي على الأهداف والتوجهات.
§       "مرسي" يخسر شعبيته في الشارع لأنه يتجاهل حق الآخرين في مصر.
§       الإسلاميون خوّفوا المسلمين من الإسلام وعليهم أن يعلموا أن فقه مصر يختلف عن فقه أهل الجزيرة.
§       80% من شعب مصر يمارسون مهنة الفتوى الدينية والقانونية والقضائية والسياسية.
§  بعض الإسلاميين يعتقدون أن خلف اللحية "شريعة إسلامية".. والإمام الغزالي تعجب من التقوى التي يزيلها "موس" الحلاق.
§  وجود التيار السلفي داخل التأسيسية خطأ فادح؛ لأنهم لا يعرفون شيئًا عن الدساتير ولا عن الإسلام.. وأكبر أمانيهم سن قانون لتزويج الأطفال في سن 9 سنوات.
§       مبدأ تكفير الآخر ممنوع شرعًا، ومن يدعو له يحتاج "الضرب بالكرباج".. ومفتاح السحر أن أطبق الشريعة وفقًا لاحتياجات المجتمع.
§       الدولة الدينية مرفوضة في الشريعة الإسلامية، ومن يرفضون الأحكام يتجاهلون فقه التشريع.

حوار: محمد عبد السلام
أكد الفقيه الدستوري، الدكتور أحمد كمال أبو المجد، أن جلسات الحوار الوطني بين المعارضة ومؤسسة الرئاسة حملت في أحشائها جنينًا مشوهًا اسمه "الفشل"، موضحًا أن الجميع وضع شروطًا مجحفة في طريق الحوار الوطني رغم أن الخلاف لم يخرج عن نطاق 15% فقط من المبادئ العامة، مبينًا في الوقت نفسه أن حالة العناد التي اتسم بها "محمد مرسي" وتجاهله لرغبات الشارع جعلتشعبيته تتراجع.
وقال أبو المجد -في حواره مع "البوابة نيوز"- إن الإسلاميين نجحوا فيما فشل فيه خصومهم، واستطاعوا أن يخوّفوا المسلمين من الإسلام، وإنه ينصحهم بضرورة الاقتداء بالإمام الشافعي، وأن يعلموا جيدًا أن فقه مصر يختلف عن فقه أهل الجزيرة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه فوجئ باسمه ضمن أعضاء جبهة الضمير دون علمه، ودون إطلاعه على الأهداف والتوجهات التي ستسير عليها.

نص الحوار

§       في البداية... بصفتك أحد أعضاء جبهة الضمير الوطني كيف...؟
-      مقاطعًا: لم يتحدث معي أي شخص في مسألة انضمامي من عدمه في جبهة الضمير، ولا أعلم من هم أعضاؤها ولا لأي جبهة ينتمون؛ فقد كنت في الكويت في ذلك الوقت، ووضعوا اسمي فيها، وبعد ذلك علمت أن اسمي في جبهة تسمى الضمير الوطني، وأنا حاليًّا أنتظر أول يوم عمل للجبهة حتى أعلم ماذا يجمع هؤلاء الأعضاء، وما هي توجهاتهم ومواقفهم من قضايا الساحة، وقتها يمكنني أن أقول بكل وضوح رأيي في انضمامي للجبهة، سواء بالقبول أو بالرفض.
§    كيف ترى الهجوم الحاد على الجبهة منذ تشكيلها دون أن تخرج بعمل حتى الآن؟
-    في الحقيقة هذا يكشف عن فساد العقلية المصرية؛ لأن القاعدة المنطقية تقول إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فعندما يسألني أحد عن رأيي في دولة مثل أستراليا يجب أن أزورها حتى يمكنني أن أقول رأيي وتصوري المنطقي المبني على المعرفة الحقيقية، إلا أن العقلية المصرية تستحل لنفسها أن يجعل كل شخص نفسه مفتيًا للديار المصرية في كل شيء، سواء في السياحة أو في السياسة أو في الدين، دون الاستعانة بالعقل، رغم أن رب الكون أمر الملائكة بالسجود لآدم فقط بعد أن أعطى له العقل للتمييز بين الأمور والإرادة التي يختار فيها بين البدائل، وهذه المسألة يكفر بها 80% من المصريين ويمارسون مهنة الفتوى دون علم.
§    وهل تختلف هذه العقلية مع الوضع السياسي؟
-       بالتأكيد.. فعلى سبيل المثال عندما ترشحَ عمر سليمان، التقيت بحارس بسيط على منزلي، وأخبرني أن الانسان المصري الآن أصبح "مرتاح البال" لترشح عمر سليمان، رغم أن كل ما يعرفه عن عمر سليمان أنه سمع من أحد المصريين يقول إن عمر سليمان "راجل جدع"، ومع ذلك تراجع عن موقفه بمجرد أن سألته إذا كان من الممكن أن يقوم عمر سليمان بوضع الجميع في السجن.. فما أحب أن أقوله إننا وصلنا إلى هذا الحد من "الفتْي" والتأثر من "الفتي"، وعدم احترام دولة القانون.
§    ألا ترى أن النظام نفسه لم يحترم دولة القانون؟ فكيف سندعو الشعب لاحترام دولة القانون؟
-      علينا التفريق بين نوعين من الجرائم، وهما جرائم الأموال التي يمكن تبريرها، وجرائم قتل المتظاهرين التي لا يوجد شيء يبررها، علمًا بأنه لا يوجد قانون للإدانة لمجرد الانتماء، فعلى سبيل المثال ماذا استفادت مصر من سجن إبراهيم سيد لمدة خمس سنوات سوى ضياع الأموال على البلد؟
§       في رأيك.. هل تعتقد أن ساحة الجدل الواسعة بين جميع الأطراف خلقت مساحة من التناقض السياسي؟
-      بالطبع.. وأنا كتبت مقالاً عن أدب الحوار وأمانة الكلمة، أهاجم فيه التيار السلفي؛ لأنهم لم يتوقفوا عند إثارة خوف الناس من الإسلاميين فقط، وإنما أثاروا خوف المسلمين أنفسهم من الإسلام، فدائمًا ما يتحدثون عن سن الزواج للفتاة عن عمر 9 سنوات؛ هذا الأمر جعل المصريين يتحدثون عن خوفهم من الإسلام والدستور الإسلامي.. فمثلاً لحظة الأذان الذي أقامه العضو السلفي في البرلمان لم تمر عليّ بسهولة كأي مواطن مصري، فهذا لم يحدث في التاريخ المصري منذ العصر العباسي عندما فعلها بشار بن برد، فيومًا كان مخمورًا وصعد على أحد المساجد وأذن بين الظهر والعصر، وعوقب بالجلد لأنه أضل الناس وأذّن وهو سكران، أما مسألة الخلاف في الفقه، فالإمام الشافعي نفسه كان له فقه في مصر يختلف عن فقهه في العراق، فالفقه الذي يناسب سماحة المصريين لا يصلح مع أهل الجزيرة، لأنهم يختلفون.
§       هل تعتقد أن جبهة الحوار الوطني بتشكيلها الذي يضم أكثر من 70% مؤيدين للتيار الإسلامي يمكن أن يخرج بقرارات محايدة؟
-      هذا من سوء التقدير، فكان يجب على الرئيس المنتخب، الذي كان رئيس حزب الحرية والعدالة، والذي عانى من السجن هو والكثير من أعضاء حزبه، كان يجب عليه عندما خرج من السجن وأصبح رئيسًا لمصر أن يكون رئيسًا لكل المصريين ويطمئن الناس بعمل وزارة ثلثا أعضائها من أحزاب أخرى غير حزبه، لكنه فعل عكس ذلك فقلت شعبيته، وكل يوم يصر فيه على تجاهل المعارضة والشارع ستقل شعبيته.
§       وماذا عن جلسات الحوار التي دائمًا ما كان يدعو إليها؟
-      الحقيقة أنني اكتشفت في جلسات الحوار الوطني التي حدثت حتى الآن أن جميع الأطراف رغبوا من أول يوم في إفشال الحوار؛ لذلك جميع جلسات الحوار الوطني حملت في أحشائها جنينًا مشوها اسمه "الفشل"؛ فالعيوب التي سجلتها على تيارات بعينها وجدتها في كل التيارات الأخرى؛ فالجميع يرغب في الاستئثار بالحوار، والكل يسير في اتجاه مختلف، وفي النهاية ظهر أننا جميعًا على ما يبدو نذهب إلى منطقة سيئة، رغم أن الاختلاف يدور حول 15%، ولا أجد منطقًا يجعلنا نتقاتل من أجل 15%، فمثلاً ساركوزي لم يطعن عندما خسر الانتخابات رغم أنه خسر بفارق 1.5%، هذه هي الديمقراطية التي تحميها سيادة القانون، وهذا عندما يعلم الناس أن سيادة القانون تعمل بحرية أم لا، ويجب أن يتم التوافق بين الطرفين.
§       وما هو الشيء الذي غاب عن جلسات الحوار الوطني؟
-      الحوار لن ينجح سوى عندما يتوافر فيه المصارحة واقتناع كل الأطراف بأنه لا مجال لاحتلال جميع الكراسي.
§    في رأيك ما هي الخطورة الحقيقية التي حدثت نتيجة عدم تمثيل كل طوائف   الشعب في الجمعية التأسيسية التي أخرجت الدستور الجديد؟
-       ما تراه الآن هو الأخطر؛ لأن الشارع لم يهتد إلى الرشد، والحوار لم يكن حوار علماء، إنما أصبح مجرد كلام ليس له معنى، والحوارات التي استمعنا إليها لا تليق، وترتقي إلى درجة "الهبل والعبط"، وإن كنت على استعداد أن أتقبل العوار الموجود في الجمعية التأسيسية خوفًا من المخاطر الحقيقية، والتي تتمثل في هجوم عسكري إسرائيلي أو في انقلاب عسكري.
§    لكننا شاهدنا جمعية تأسيسية لا يتحكم فيها سوى الإخوان المسلمين والسلفيين، والآخرون موجودون كالشراذم الصغيرة!
-      للأسف الشديد إبراز هذا التنوع داخل التأسيسية كان خطأً بشكل كبير جدًّا، فعلى سبيل المثال: ماذا سيفعل السلفيون داخل الجمعية التأسيسية؟ فهم لا يعرفون شيئًا عن الدساتير، ولا يعرفون شيئًا في الإسلام، إلا عددًا قليلاً يعد من العلماء، فعندما يخرج أحد السلفيين ويقول إن الفتاة تتزوج في سن 9 سنوات، فهذا الرجل يعد مختلاًّ عقليًّا وجاهلاً بفقه الإسلام، ولا يعرف أن هناك شيئًا اسمه "تقليد المباح فن وسياسة"، وللأسف الشديد بعض الإسلاميين لا يعلمون شيئًا سوى أنه ولد "بذقن" ويتخيل أن خلف "الذقن" شريعة إسلامية، ويستحق قول الغزالي: "عجبت لهذه التقوى التي يزيلها موسى الحلاق".
§    هل تعتقد أن المحكمة الدستورية العليا ستقضي بحل الجمعية التأسيسية في مارس القادم؟
-      الحقيقة أننى غير سعيد بالتذبذب بين الإدارات الإدارية والأحكام القضائية، فكل شيء نختلف فيه نقوم بتحويله إلى المحكمة، ولكن في النهاية من الوارد جدًّا أن تحكم المحكمة الدستورية العليا بحل الجمعية التأسيسية، وهو بالفعل خطر قائم.
§       محامي الأخوان قال إن معنى تحويل القضية من المحكمة الإدارية إلى الدستورية العليا يؤكد أن الجمعية لم يكن بها أي عوار؟
-      هذا كلام لا يقال، وعيب أن يخرج من رجل قانون، فلكي تقوم المحكمة الإدارية بتحويل القضية إلى المحكمة الدستورية العليا فمعناه أنها وجدت شبهة دستورية، والمحكمة الدستورية وحدها هي التي تحكم بأن هذه الشبهة حقيقية فتحل الجمعية التأسيسية، أو تحكم بأنها شبهة غير حقيقية فلا تحل الجمعية التأسيسية، والحالان واردتان.
§       وما هو مصير الدستور الجديد إذا حكمت الدستورية العليا بحل الجمعية التأسيسية؟
-      في هذه الحالة يوجد لدينا قولان، خاصة أننا لدينا سوابق في حل مجلس الشعب، وقتها أقرت المحكمة الدستورية العليا بأن حل المجلس لا يترتب عليه بطلان الأعمال التي قام بها، وإلا يتبعه بالضرورة بطلان للقوانين التي خرجت من المجلس، والضرائب التي تحصلت، والمكافآت والجوائز والحوافز التي صرفت، والتعيينات وكل الأمور الأخرى التي قام بها المجلس تصبح باطلة، وهذا ما حدث في التسعينيات في أمر مشابه عندما انتظرنا حتى تستقر الأوضاع وتنتهي الدورة حتى تكون أعمال المجلس واجبة النفاذ، فليس من الضروري أن تكون كل أعمال الجمعية باطلة إذا حكم بحل الجمعية التأسيسية، فعلينا احترام الوضع الواقعي الذي حدث.
§       معني هذا أنه في حال تشكيل جمعية جديدة يمكنها أن تكمل الأعمال؟
-      بالتأكيد.. فهي ستقوم بإكمال العمل بعد تنقيته، ولكنها لن تبدأ من جديد أو من المربع رقم واحد، وهذا يؤكد على أننا سنعاني كثيرًا؛ لأننا لم نتمسك بمبدأ الدستور أولاً قبل الانتخابات الرئاسية؛ لأنها قدمت لنا رئيسًا لا يعلم حقوقه وواجباته.
§       ورأيك أنت كمتخصص وكفقيه دستوري كلفت بدراسة وتقييم المسودة النهائية للدستور الجديد هل تعتقد أنه يحمل بذور فشله؟
-      في الحقيقة الدستور في مجملة ليس سيئًا.. لكنه يحمل بعض الثغرات التي يمكن إصلاحها إذا كنا نريد الإصلاح ومصلحة الشعب المصري بكل طوائفه وتياراته الفكرية والدينية، وهذا ما نحاول أن نقوم به الآن، ولكني أريد القول إن الدكتور محمد مرسي أخطأ عندما قال في تصريحه إنه قادر على تحقيق وعوده في 100 يوم؛ لأنه لا يعرف أي شيء، ومشاكل مصر كبيرة جدًّا.. منذ 10 سنوات جمعتني الظروف مع محمد مهدي عاكف، الذي كان المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، وسألته عن تجربته الشخصية كعضو في مجلس الشعب، فكانت إجابته لي أن مشاكل مصر فاجأته بأنها أكبر مما يعتقدون، فكلما قام بحل مشكلة تخرج عشرون مشكلة أخرى، وهذه هي المفاجأة التي تواجه "مرسي" الآن، خاصة وأنه جاء في مرحلة تاريخية سيئة، فالمصريون كلهم يحتجون في الميادين، والمطالب الفئوية ليس لها حل سريع.
§       ومن يمكنه أن يشكل الجمعية الجديدة؟ وكيف يشكلها؟ وهل يمكن أن يعيد رئيس الجمهورية تشكيلها بمفرده أم بالاعتماد على جهة معينة؟ وما هي معايير التشكيل الجديد؟
-      كل هذه الأسئلة تحمل إجابات كثيرًا ما حذرنا منها منذ منتصف العام الماضي، أي قبل تشكيل الجمعية التأسيسية، وعلينا أن نتلافى الأخطاء التي حدثت، ونقوم بوضع معايير أولاً حتى يتم تشكيل لجنة تأسيسية، محدد فيها نسبة التمثيل للفئات المختلفة، فيتواجد بها أساتذة جامعات، ورجال قضاء، ومحامون ورجال علوم سياسية، وممثلو الأحزاب، بحيث تحقق في النهاية صورة مصغرة من المجتمع، وليس بالضرورة أن تكون صورة طبق الأصل، إنما تعكس التنوع والتعددية الموجودة في المجتمع، بالإضافة إلى تواجد الخبراء بشكل أكبر من الجمعية الحالية، وفي الحقيقة هذا كان متوفرًا في كل دساتير مصر منذ دستور 1882.
§       خبراء الدستور يؤكدون أنه لا ينبغي أن ينتخب الإخوان أنفسهم باعتبارهم يستحوذون على الرئاسة والحكومة لتشكيل اللجنة التأسيسية؟
-      وهذا يؤكد على أننا أمة تحسن الحروب الأهلية، وتحسن الكذب، ولا تحسن قتال العدو الحقيقي، وهو الجهل، وأعتقد أن قضية سعي الإخوان لتشكيل اللجنة التأسيسية قضية سياسية في المقام الأول، فهناك جماعات حصلت على الأغلبية في البرلمان السابق، وحصلت على الحكم بالشكل الذي يمكنها من السيطرة على الأمور في مصر ومعها حق في ذلك، أما الأقلية التي تدعي عكس ذلك فهي أقلية لم تنجح في السيطرة على أي شيء، وتريد أن تختلق أزمة دستورية، حتى في ظل عوار التأسيسية دستوريًّا، إلا أنهم يريدون أن يهدروا جهدًا دون أن يبذلوه.
§       وللخروج من المأزق الدستوري كيف يكون الحل؟
-      التوافق بين جميع طوائف الشعب، والاتفاق بين الأحزاب والهيئات السياسية المختلفة؛ فالشعب يجب أن يكون مشكلاً بكل طوائفه وفئاته ونقاباته للحصول على أكفأ الشخصيات؛ لأنه للأسف الشديد هناك من يجهل الفرق بين القانون والدستور، فكل شعوب الأرض جادة إلا الشعب المصري، حكامًا ومحكومين، ومن يدفع الثمن هم 85 مليون مصري، وهنا سيأتي دور نخبة المثقفين، والتي ترفع شعارات دون أن تترجم إلى أفعال حقيقية.
§       هناك من يأخذ على التأسيسية فكرة الحصص، فحصول الحرية والعدالة على 40% والسلفيين على 25% يجعل لهم الحق في الاستحواذ على نصيبهم البرلماني داخل التأسيسية؟
-      هذه رؤية سياسية سطحية للأسف الشديد، ومناهضة لأي فكر ديمقراطي ليس في محله؛ لأنه يجب على الذين يدخلون المؤسسات القومية والوطنية أن يعلموا أن المغالبة ليست هي القضية، فالموضوع ليس عبارة عن شجار أو معركة أو صراع سياسي لتصفية الحسابات، والنسبة في التمثيل يجب ألا تكون في المجلس النيابي، إنما في جمعية مهمتها وضع الدستور للأمة؛ فالأمر يختلف؛ لأنها يجب أن تكون بقدر الإمكان ممثلة لكل طوائف المجتمع الموجودة.
§       إذا تحدثنا عن النموذج التركي كمثال نجد أن الجمعية التأسيسية ضمت 12 عضوًا ويمثل بها الحزب الحاكم الحاصل على 50% بثلاثة أعضاء مثل أقل حزب صغير!
-      ما حدث داخل التأسيسية هو نتاج الظرف الفريد والتاريخي الذي تمر به مصر؛ لأنه أوجد صراعًا بين مجموعة من المحرومين من المشاركة السياسية، بالإضافة إلى أنهم كانوا في السجون والمعتقلات، وفكرة أنهم حصلوا على أغلبية كبيرة في الحياة السياسية لم يكونوا ليتوقعوها على الإطلاق لولا اندلاع ثورة 25 يناير؛ وبالتالي فهم يتمسكون بها ولن يتركوها، بينما يقول الآخرون إنهم من قاموا بالثورة ولا يمكنهم أن يتركوا التيارات الإسلامية ليفوزوا بالثمرة كلها، خاصة وأنهم شاركوا في الثورة متأخرين، خاصة الشباب الذي يتملكه هذا الإحباط، وهم معذورون بالفعل في ذلك؛ لأنه يوجد خلل سياسي، بالإضافة إلى الخلل الفني المتمثل في عدم وجود خبراء كفاية في التأسيسية.
§       هذه الظروف التاريخية عاشتها الكثير من الشعوب ولكنهم قدموا لمجتمعاتهم تأسيسيات يحتذى بها...
-      مقاطعًا: معك حق في ذلك.. وهذا الخلاف القائم حدث في بداية كتابة الدستور الأمريكي، فأمريكا في ذلك الوقت كانت تضم 13 ولاية فقط، وهي مختلفة من حيث تعداد السكان والتنوع الجنسي والعرقي واللغوي، فأرادوا أن تمثل الولايات الكبيرة بعدد أكبر من الولايات الصغيرة، ولكن لخوف الولايات الصغيرة على مصيرها في المسودة حدث الخلاف إلى أن وصل إلى صراع، إلى أن حسموه نهائيًّا بعمل مجلسين، المجلس الأول يكون بنسبة عدد السكان وهو مجلس النواب، والمجلس الثاني هو مجلس الشورى وتمثل كل ولاية به بعضوين، وفي النهاية لا يجوز إصدار قانون إلا إذا وافق المجلسان.
§       الجميع يخشى من صبغ مصر بالدولة الدينية، فهل تعتقد أن التأسيسية الحالية يغلب عليها التيار الإسلامي؟
-      كل هذا إلى حين بالطبع، ولن يستمر.. لكنه في النهاية نتاج خلل في تكوين الأحزاب الإسلامية عمومًا في مصر، خاصة أن تلك الأحزاب تتصور أنها محرومة، وأنا هنا لا أتكلم عن الإخوان المسلمين بصفة خاصة، ولكن عن السلفيين أيضًا، فشعورهم بهذا الحرمان كان الأمر الذي جعلهم يناضلون لأخذ حقهم ويتمسكون به؛ متصورين أنهم إذا أفلتوا هذه الفرصة من أيديهم ضاع المستقبل، لكن هذه الفرصة وقتية وإلى حين، فكل هذه التيارات سيطرأ عليها التغيرات؛ لأن عقلية شباب حركة الإخوان المسلمين غير عقلية كبار السن، وأتوقع أن تحدث تشققات في كثير من الكيانات، وسيكون نوعًا من الإصلاح عن طريق الممارسة.
§       هناك احتمالية لتشكيل جمعية تأسيسية أخرى لتفادي العوار الذي تحدثت عنه، فما هي الأسس والآليات التي يجب مراعاتها حتى لا نقع في نفس الخطأ الدستوري؟
-      ليس اختراعًا، ولكن علينا أن نتبع ما اتبعه العالم كله في تشكيل تأسيسيته؛ فيجب في البداية أن يراعى في التشكيل تمثيل كل القوى بشكل أو بآخر، ونحن لدينا أكثر من حزب معترف به ويمارس أعماله، بالإضافة إلى الهيئات الرقابية، فيجب أن يمثل كل منها بعضوين في الجمعية التأسيسية، ويمكن أن يقوم رئيس الجمهورية بإضافة 10 أعضاء في الجمعية إذا لم يجد الصورة غير مكتملة، فهذا أمر محتمل وحدث كثيرًا بالفعل في دساتير مصر السابقة، بالإضافة إلى أن تاريخ مجلس الشيوخ المصري معروف بأن ربع المجلس يعين من رئيس الجمهورية؛ الأمر الذي يعالج عدم نجاح المسيحيين مثلاً في الانتخابات أو لعدم حصول المرأة على مقعد.
§       بدراستك للدستور الجديد هل تعتقد أنه بالفعل صورة لدستور ديني ينقلنا إلى دولة دينية؟
-      لا توجد دولة دينية بالمعنى المتعارف عليه، ولن تنقلنا أبدًا إلى الدولة الدينية، ومن يقول هذه الكلمة يشبه نفسه بمن هو أحمق وجاهل من الجماعات الدينية، فهم رافضون لكلمة مبادئ؛ لأنهم جاهلون، ومجرد دواب تمشي على الأرض؛ لأن الصلاح يأتي بكلمة مبادئ خاصة، ونحن نعيش عصر الثورة التكنولوجية، وعلينا أن نعلم أن الدولة الدينية في السودان والجزائر والصومال والباكستان وأفغانستان مجرد حالات لبقايا تطور تاريخي وانتهى.
§    وما هو الفرق ما بين مبادئ الشريعة وأحكام الشريعة؟
-   من المعروف أن الأحكام لا يمكن تجاوزها أو العبث بها ومحددة جدًّا، فعدد الصلوات خمس، وعقد البيع لا ينعقد إلا بشروط وتحديد السعر ووصف المبيع، أيضًا أن نقول إن الطلاق يكون مرتين وفي المرة الثالثة يصبح بائنًا، هذه هي الأحكام التي توجد في كتب الفقه، ولا يمكن الخروج عنها، أما المبادئ فلها مكان آخر، وهو كتب أصول الفقه، وهو لا يخرج عن القرآن، بل يتناول المبادئ الأساسية الموجودة فيه، بالإضافة إلى كيفية كتابة السنة، والقياس، وكيف يكون الإجماع، وبه المبادئ الكلية، وهذا هو المناسب لعمل نهضة في أي مكان.
§    هناك الكثير من التجارب المؤلمة لدول دينية أو اتخذت من الإسلام السياسي نموذجًا، لكنها وصلت إلى الصورة الدموية، كالجزائر، والعشرية السوداء، والسودان التي انقسمت، والصومال التي جاعت، فهل تعتقد أن هذا كان عيبًا في الإسلام السياسي كمنهج أو فيمن يطبق الإسلام السياسي؟
-   بالتأكيد العيب سيكون فيمن يطبق الإسلام السياسي بطريقة خاطئة في التطبيق، فهناك ثلاثة أنواع من الفقه الديني والإسلامي، أولها فقه المقاصد؛ فالفقه الذي أنزله الله هو لتحقيق هدف معين، فلكي أفهم الهدف من الفقه الذي أنزله الله يجب أن أضبط النص بالفهم، ثانيًا فقه الأولويات، ويرتب ما يمكننا أن نبدأ به وما يجب أن نؤجله، ثالثًا فقه المآلات والعواقب، أي إلى ماذا سنصل إذا طبقنا شيئًا، وبناء على هذه الأنواع يصدر التشريع، فالتشريع عملية، وليس أن يقول أحد "يمين" ويقول الآخر "شمال".
§    البعض يقول إن أسباب فشل الدولة الدينية هو الانقلاب على الأيديولوجيا   التقليدية للإسلام السياسي؟
-       هذا وارد جدًّا.. بدليل أن كل التيارات الإسلامية اليوم رافضة لكلمة مبادئ، رغم أنها الحل، ومفتاح السحر أن أطبق الشريعة وفقًا لاحتياجات المجتمع.
§       وهل تعتقد أن هناك علاقة بين الإسلام السياسي وبين تطبيق الشريعة بمبدأ التكفير...؟
-      مقاطعًا: التكفير ممنوع على الإطلاق، ومن يدعو إلى تكفير من يخالف أو يعارض يحتاج إلى الضرب بالكرباج على "قفاه"، حتى يصبح ألمًا وإهانة.
§       هناك 3 أنواع للدولة، الدولة الدينية والدولة المدنية والدولة العسكرية، ومصر ظلت ستين عامًا دولة عسكرية تنكرت في الشكل المدني، ما رأيك؟
-      تقصد أنها كانت مزيجًا من الدولة المدنية والعسكرية، وإن كانت المؤسسات المدنية مهمشة إلى حد كبير.
§    أي الأشكال إذن أقرب لطبيعة الشعب المصري؟
-      حقيقة.. إن طبيعة المصري تجعله يحتاج إلى حكم مركزي قوي، على أن يكون محكومًا بالقانون، ويوجد تعبير في أمريكا يقول إن الحكومة حكومة قانون لا حكومة رجال؛ فحكومة الرجال هي افعل ما شئت، بينما حكومة القانون يكون الكل ملتزمًا بما نزل في القانون.

ليست هناك تعليقات: