الجمعة، 10 مايو، 2013

وصحيت ملقتش بلدي - بهيجة حسين

كانت مساحة من الوقت تلك التي تبدأ بلحظة وتمتد، ولا نعرف متى تبدأ ولا متى تنتهي.

وبين لحظة البدء والنهاية نسقط.. ننفصل عن كل ما يحيط بنا، كأننا في بئر عميق.. وعندما تأتي لحظة الخروج منه نطل برءوسنا خارج البئر، ونعود لنفس المكان الذي تركناه واللحظة التي بدأنا منها الغوص.
ولم أكن في تلك المسافة، التي لم أقس طولها، منتبهة لما يدور حولي.. جميعنا في تلك اللحظة ننفصل تمامًا عما يدور حولنا.
حتى تنفسي لم أكن أشعر به.. ومن الثبات في المساحة الضيقة التي تربعت فوقها، كانت كتلة صماء حجرية سوداء تتسلل إلى كل خلية في عقلي، وإلى كل بقعة ضوء في نفسي. تسللت الكتلة الحجرية واستقرت، وسحبتني بثقلها إلى أقصى ما يمكن أن أصل إليه في مساحة الغياب عما حولي.
حجر ثقيل أسود يطفئ نور الروح والعقل، ويعتصر القلب. حجر من كلمات في جريدة. حجر من خبر متطاير في الفضاء: عنوان في كلمات.. "أم كلثوم بالنقاب"، كلمات أسفل العنوان: "قامت مجموعة من المتطرفين بتغطية تمثال أم كلثوم بنقاب ......"، وبقية الانحطاط الأخلاقي والفكري في كلمات تسري كالسم «الهاري» في الجسد.
فوجئ أهالي المنيا بتحطيم رأس تمثال عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين.. يتمدد داخلي الحجر الأسود الثقيل كالوحوش الخرافية في القصص، تخرج من أجنابه أذرع أخطبوطية تطبق بين أكفها الغليظة على معاول دمرت بها تمثال "بوذا"، وهي معاول إرهابيي طالبان والقاعدة في أفغانستان. 
يلتف الحبل حول عنقي، الحبل الذي ربطوا به الطبيبة الأفغانية، وسحبوها إلى ساحة الجلد؛ عقابًا لها على فك رموز الحرف وفك شفرة المعرفة!! كانت تعلِّم بنات جيرانها وعائلتها -سرًّا- القراءة والكتابة؛ بعد أن أغلق القتلة في طالبان والقاعدة مدارس البنات.
ثابتة في مكاني لا أشعر حتى التنفس، ولا أقاوم مواصلة الغوص في بئر مساحته بدأت في لحظة انفصالي اللاإرادي عن كل ما حولي، استسلمت فيها لثقل الحجر الراقد داخلي والحبل الملفوف حول عنقي.
حجر وكلمات، حبل وقرار، ونفي للقرار والانتماء: "قرر وزير التربية والتعليم، الدكتور محمد غنيم، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، إلغاء حصص الموسيقى في المدارس؛ لأنها تنشر المجون".
وينفي الوزير أنه قرر، وينفي أنه ينتمي للجماعة.. وبين نفيه وتاريخ من نفى أنه ينتمي إليهم طريق عمره أربعة وثمانون عامًا. لم يطلّ برأسه من بينهم من يقدم "أمارة" على تأكيد النفي. لم يقدموا أديبًا ولا رسّامًا ولا نحّاتًا ولا موسيقيًّا ولا مفكرًا ولا عالمًا ولا مخترعًا ولا... إلى آخر كل ما أنتجه العقل البشري من نور وحرية.
"آه.. وحرية".. تفلت الكلمة والزفرة في وجوههم؛ فيحوقلون ويبسملون ويتوعدون، ويقطعون من موضع العقل والنور الرأس، رأس طه حسين. وفي نفس الموضع يضعون لثامًا على وجه أم كلثوم.
فجأة، وعلى الطرف الثاني من المسافة بين لحظة السقوط في البئر الداخلي للنفس، أتت لحظة الخروج كلسعة النار، أو صفعة على وجه في غرفة الإفاقة بعد الجراحة.
كان الصوت صوت «محمد منير» يغني أغنية لم أسمعها من قبل، سمعنا كلنا، توارثنا جيلاً بعد جيل مطلعَها، الذي إن أراد باحث أن يقيس علاقة المصري ببلده فعليه أن يضعها على طاولة أو مختبر بحثه، وهي الأغنية التراثية التي لا يعرف أحد عمرها: "يا عزيز عيني أنا بِدّي أروّح بلدي".
كان المقطع هو الرجاء والحلم: "أنا بِدّي أروح بلدي"، أين إذن لسعة النار؟ وأين الصفعة في بقية الأغنية؟ وإلى متى ستجلب أغنية دموعي؟
كان بقية الوجع في صوت منير: "ليلة نِمْت فيها وصحيت ملقتش بلدي".
لماذا يا منير؟
أسمع صوتًا يأتي من قطعة أرض مهجورة خلف أكاديمية الفنون يردد: "ليلة سكتّوا فيها صحيتوا ملقتوش تمثال محمد كريم".
كان لرائد صناعة السينما (محمد كريم) تمثال في مدخل أكاديمية الفنون بالهرم، وذات صباح أسود، من تلك الصباحات التي يؤرخ فيها لحكم اليمين المتطرف لمصر، اختفى التمثال، ومن مشتاق لوضع متميز في ظل الحكم الجديد، إلى خائف من إرهاب الحكام الجدد، تخرج الكلمات من أفواههم دون أن يخبرنا أحد بحقنا في معرفة مصير تمثال "محمد كريم".
لماذا يا منير؟ هل بالفعل حدث ما غنيته: "ليلة نمت فيها وصحيت ملقتش بلدي"؟!
قاسية ودامية أن لا نجد بلدنا التي نعرفها. بلدنا التي نتنفسها بلا تفسير. يصعب علينا أن نفسر لماذا نعشقها..
فهل ضيعناها؟ هل سرقتها عصابة حكامها الجدد؟ هل أواصل أسئلتي الساذجة؟ لأنني أعرف أننا لن نضيعها، وأننا نحن المصريين، لحمًا وعظمًا وجلدًا ودمًا ومسامَّ، لن نتركها لعصابة القتلة الذين سكنهم الغِل وسفك الدماء.. ولم يغنوا مرّة لأم الدنيا:
"يا عزيز عيني وأنا بدّي أروح بلدي"
"عمّ ياللي ماشي بالظلم ما ترضاشِ"
"سافر قلبي ومجاشِ يدور على بلدي".

ليست هناك تعليقات: