الجمعة، 10 مايو، 2013

واقع ومستقبل الأقليات في الفقه الإخواني


كان هذا عنوان مؤتمر مركز الشرق الأوسط للحريات الذي استمرت فعالياته لثلاثة أيام، وكنت مشاركًا بالمحاضرة تحت العنوان المذكور الذي يحدد للمحاضر موضوع البحث والمحاضرة، وهو ما وضع أمامي مشاكل تتعلق بصيغة العنوان، ففيه عبارات تختلف دلالتها حسب اختلاف الظروف، كمصطلح الأقلية وماذا يعني هذا المطلح وماهي معانيه ودلالاته في ظرف مكاني له خصوصيته هو مصر، وفي ظرف كظرفها الرجراج الحالي، وبالعنوان إشكالية أخرى لا تقل غموضًا تتمثل في التسليم بوجود شيء اسمه (الفقه الإخواني)، بينما الإخوان أنفسهم كالزئبق الحربائي لا تسلم محاولة تحديدهم مذهبيا لمعرفة فقههم من التباسات عند الباحث واستنكارات من قبل الإخوان، بتوزيع للأدوار بينهم ليقول هذا "شرقاً" ويقول زميله "غرباً"، وهو توزيع تراكمي فيه كل المتناقضات نتيجة لتوزيع الأدوار للحسابات السياسية أو لمن سيتوجه الخطاب لتأييف الخطاب حسب المُستقبل والظرف، ويلبس كل منهم منهجا ومذهبا يخالف زميله لتظل الأقوال كلها عند الضرورة هي وجهات نظر فردية لا تعبر عن موقف الجماعة، لكنهم، إجمالا، لو قمنا باستبعاد التكتيكات المراوغة مرحليا واستراتيجيا وأسلوب التقية، يقفون تحت أشد الرايات تطرفا وراديكالية، راية الدعوة الدينية الحديثة التي لا تسمي نفسها مذهبا وتقف مع المذاهب في صف واحد خلفي، إنما دعوة مثلها مثل الدعوة المحمدية، هي الدعوة الوهابية الامتداد والتطور الطبيعي للقسوة والجلافة والإيغال في التصخُر في المودودية والقطبية والتيمية والحنبلية، وهو ما يأتي جلياً في جملة سريعة خاطفة للأستاذ يوسف قرضاوي بكتابه الشريعة/ مكتبة وهبة/ ص 109، 110، في قوله: "كان أبلغ مذهب عبر عن الشريعة بحق هو المذهب الحنبلي.. وأقوى من قاد هذه الحملة.. ابن تيمية وابن القيم".
الفقه الإخواني
يجب إذن للبداية الصحيحة أن نعرف ما هو فقه الإخوان، لأن قيام جماعة دينية بالاشتغال بالعمل السياسي لا بد أن تضع لنفسها فقهها الذي سيتلاءم مع اشتغالها بالسياسة، فكما ستضع أبوابا للنكاح والطهارة والنجاسات، فعليها أيضا أن تضع أبوابا فقهية في نظام الحكم الإسلامي وطرائقه وطرق تولي الحكم في هكذا نظام، والشروط الواجب توفرها في الحاكم والقواعد المنظمة للعلاقة الحقوقية بين المواطن ومؤسسات الدولة، وأن يكون فقها واضحا في اتجاهه يملك المستحيل، يملك السند من القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي (ما داموا مصرين على أنهم إخوان مسلمون)، وفي الوقت ذاته، يملك السند الديمقراطي، والمستحيل مُستحيل، لأن الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه الديمقراطية لا مبنى ولا معنى ولا حتى في كناية أو تشبيه، بل لا يعرف شيئًا اسمه الدولة ونظام الحكم. وبخصوص الفقه يقول الأستاذ قرضاوي بالكتاب المذكور، وفي كتابه الإخوان المسلمون الصادر عن نفس الدار، وفي حلقة الدين والسياسة الجزء الأول على قناة الجزيرة: إن لديهم "فقه السياسة الشرعية وفقه العبادات وفقه الأسرة وفقه المعاملات المالية وفقه المرافعات وفقه الإجراءات والدعاوى والبينات وفقه الجرائم والعقوبات وفقه المواريث والفقه الدستوري". وهنا يبرز السؤال الضروري: طالما كل هذه الفروع من الفقه موجودة بالفعل وسماوية المصدر فما حاجة الإخوان والإسلاميين لدستور وبرلمان وصندوق وانتحابات وديمقراطية؟ أم أننا سننتخبهم لنمكنهم من الكراسي فقط ثم يظهرون لنا كل هذا الفقه الجليل بعد التمكين؟ وكنا نتمنى مع كل ألوان هذا الفقه الإسلامي أن يحمي هذا الفقه الخليفة عثمان من القتل والتمثيل بجثته على يد الصحابة وأبناء الصحابة، وأن يحمي المجتمع من الفتن الكبرى المتوالية، وأن يحمي أمن المواطنين بينما الراشدون الأربعة ماتوا قتلى انعدام الأمن، وفي حياتهم لم تكن سياسة وأحكام أحدهم وطريقة توليه الحكم إلا المخالفة التامة للثلاثة الآخرين.
المهم أن مثل هذا الفقه الذي سيهتم بالسياسة في عالم يختلف عن عالم الإسلام الأول بالكلية، هو كالفرق بين الجالسين على أشجار الغابة اليوم وبين الإنسان الباحث في المختبر، وهل سيتم تعريف بقية المسلمين في العالم به، وأيضا بقية دول العالم ليأخذوا بنظامنا ويعملوا به بحسبانه تجربة تطويرية تستند لإعمال الإيمان في السياسة، وكيف سنلزمهم به؟ وهل عدم التزام المسلمين به في البلدان الأخرى يسقطه ويُغيب عنه صفة الإجماع المطلوب شرعا؟ أم ترانا سنشن الحروب على من لا يعترف بنظامنا الإسلامي من الدول المنعوتة بالإسلامية، لإعادتهم لحظيرة صحيح الإسلام؟
لم يفعل الإخوان شيئا من الافتراضات السالفة مما يجعل حال الإخوان الحكام هو ذات حال الجماعة، وضع غير قانوني لجماعة سرية بدون قواعد ولا رقابة، حتى أصبح قصر الرئاسة مجرد سكن للممثل المقيم للجماعة غير الشرعية، فهل يكون في حياتنا بعد ذلك شيء شرعي؟
سيواجه الإخوان مشاكل جمة لو قرروا أن يضعوا فقها، فماذا سيقولون بشأن لجوئهم للديمقراطية وتركهم للشورى والبيعة، وهو اللجوء الذي يتضمن رفضهم الواضح والعلني لطرائق الخلفاء الراشدين، وتفضيلهم ديمقراطية الغرب الطاغوتي بدليل أخذهم بها واستبعاده وهو الديني والقومي الأصيل، وما كان لإخواني أن يفعلها لولا يقينه أن تاريخة الديني ليس صالحاً لكل مكان وزمان، وأن الزمن تطور وتركه مكانه ثابتا حتى أصبح تاريخا ليس أكثر، وهو ما يعني أيضا أن الدولة الإسلامية منذ نشأتها كانت معيبة، ومنقوصة، لعدم تطبيقها ما فعله الإخوان! وأن هناك أربعة عشر قرنا ذهبت هباء لتقصير فقهائنا في معرفة نظرية الإخوان السياسية والإدارية. 
 وعندما يريدون وضع فقههم فماذا سيقولون بشأن الترشح للانتخابات والدعاية الانتخابية والاستفتاءات والصندوق والتصويت؟ أليس هذا ضربا بالقداح في معبد الطاغوت (كانوا يسمون الدستور والقانون بالطاغوت قبل عامين فقط وسيأتي تعريفه الدقيق من بعد علي لسان الأستاذ قرضاوي)؟! وماذا عن الأغلبية والأقلية ما بين القرآن والسياسة، أتحدى أن يأتيني أحدهم بآية تأتي على ذكر الأكثرية دون ذمها وتبخيسها، وأن يأتيني بلفظ قرآني يدل على الأقلية غير مصحوب بالتمجيد والرعاية الربانية، ببساطة لأن زمن الدعوة كان المسلمون هم الأقلية، والإخوان لا يقول أحدهم عبارة إلا وفيها (نحن الأغلبية اختارنا الشعب في انتحابات ديمقراطية نزيهة)، وماذا عن الدستور والمعارضة وكلها ألفاظ ومعان لم ترد لا في قرآن ولا سنة ولا فقه، ولم يعرفها الإسلام في واقعه بالمرة، لأنها قواعد بشرية تطورت عن أصول قديمة في ديمقراطية أثينا ودستور روما، وكلاهما كانت بلادا وثنية، لقد عرف القرآن الإغريق وأثينا بحديثه عن ذي القرنين تلميذ الفيلسوف أرسطو (الإسكندر بن فيليب)، وعرف روما وأن الروم من بعد غلبهم سيغلبون ويومئذ يفرح المؤمنون، وعرفهم النبي والصحابة والراشدون ولم يأخذوا عنهم لا دستورا ولا ديمقراطية، وفعلها الإخوان وما زالوا- لشديد الدهشة- يزعمون أنهم مسلمون!!!!. لا بل إنهم وحدهم المسلمون؟؟!! أليست تلك بقاصمة الظهر؟
هنا يواجه الإخوان مشكلة في العقيدة لأنهم أضافوا لديننا ما ليس فيه، وهي الإضافة التي لا تحتمل سوى أحد حالين: البدعة المكروهة والبدعة الملعونة، ويواجهون مشكلة مع المسلمين الذين تحول دينهم على يد الإخوان إلى ملهاة فرانكو آراب، فلم يحدث على مدار تاريخ الخلافة على طولها الزمني، أن تم فتح باب الترشيح للولاية أو للخلافة.
ثم مشكلة مع الأصول الشرعية للخلافة الإسلامية، فهي لا تجوز لغير قرشي، والإخوان جميعا ليس بينهم قرشي واحد، ولا يبقى سوى استيراد قرشي من بلاد الحجاز، ولدينا أشهرهم اليوم عبد الصمد القرشي المُتوقع أن يملأ حياتنا بالطيب والفل والياسمين، ولكن ذلك يلزمه أولا قيام الخلافة في مصر والحجاز (السعودية) معا، وهو ما يعني أن يذهب آل سعود لحال سبيلهم، مع خلط ميزانية السعودية بميزانية مصر، فهل سيرضى السعوديون؟ لكل هذا كان آل سعود هم الأكثر دهاء، فلم يقيموا دولة بالمعنى الحديث للدول، وعمقوا القبلية المتمايزة والمذهبية المتباعدة، رغم أن هذا التعدد ثروة حقيقية للجزيرة في حال احتكمت للأحزاب والديمقراطية، لذلك لم يقم آل سعود حزبًا ولا سمحوا بوجوده لأنه نظام غربي لا سابقة له في الإسلام، ولم يقيموا خلافة رغم وجود الجغرافيا الإسلامية المقدسة تحت أيديهم، لأنهم ليسوا من قبيلة قريش، ولا يتمتعون بحق الخلافة بقول قاطع من أبي بكر (الخلافة في قريش ما بقي منهم اثنان/ صحيح الرواية والسند)، فأقاموا مملكة استبدادية واضحة ليس في سلوكها ولا قوانينها ولا سياساتها ما يتعارض مع شرع الله، بل إن الملك ليس خليفة إنما هو مجرد خادم للحرمين يسهر عليهما، أما حقوق الإنسان فهي بدعة صليبية ولا يوجد شيء اسمه حقوق الإنسان، ما يوجد في الشرع هو حقوق الله فقط.

الدستور الإخواني
ولو قدمنا حسن الفطن وحسن الظن لافترضنا أن ما وضعه الإسلاميون في الدستور الإخواني في غيبة علنية للوطن كله، وفضيحة عالمية من طراز فريد في بدائيته وجهالته واستقوائه وهمجيته، هو بالضبط ما يريدونه من فقه، وحتى يستقيم هذا الفرض يجب أن يلزم الدستور أو الفقه أوامر الدين ونواهيه، فيأمر بكل فضيلة وينهى عن كل رذيلة، رغم ذلك نراهم يضاعفون الضرائب على الخمور كسلعة كمالية ويستدينون بالربا ويسالمون أعداء رسول الله الذين كان ينعتهم مرسي قبل الفوز بأحفاد القردة والخنازير، سلاما مُستخذيا مُخنثا، وعلى الجانب الآخر أن يلتزم أوامر الديمقراطية فيضع القواعد التي تضمن للمواطن ممارسة حقه في حرية الرأي والاعتقاد، مع نواهٍ عن الاستبداد وإهانة كرامة الإنسان وهو ما لا نرى سوى عكسه ونقيضه التام على أرض الواقع، لأنهم لا يبغون ديمقراطية حقا، إنما هم يلبسون الدولة الدينية القناع والرداء المطلوب كتصريح مرور مزور فنكون دولة بوجهين، وجه مدني بمواجهة العالم، ووجه داخلي ديني متعصب ومستبد.
إن الإخوان منذ نشأة جماعتهم يدخلون على الإسلام ما ليس فيه، وآخرها إدخاله مداخل سياسية لم ترد لا في قرآن ولا سنة، كممارستهم لديمقراطية تعود لشعوب وثنية، وهو البدعة الملعونة، كما وصفها فقهنا، ولأن شاغلهم الأول كان الاستيلاء على مفاصل الدولة ليتم التمكين المبين، فقد كرسوا كل همهم للسيطرة على الأساس لهذه المفاصل بأن يضعوا هُم الدستور بأيديهم وحدهم، لذلك كانت جريمتهم مع المجلس العسكري بتأجيل وضع الدستور وإحداث خلل دستوري باستفتاء على مواد دستورية ثم بيانات دستورية ثم فوضى دستورية، في مؤامرة فصيحة وفضيحة لن يغفرها لهم التاريخ أبداً، في احتيال آثم سمح لتجار الدين بمكاسب سياسية بدلا من محاسبتهم ومصادرة أموالهم ومقارهم غير الشرعية، وبدلا من وضع الدستور أولا ليُحرم ويُجرم العمل بالسياسة في الدين، ويُحرم ويُجرم أي أيديولوجيات تقسم المجتمع بالتمييز وبالصراعات، لقد أعطى المتآمرون لهؤلاء وبالتحديد دون غيرهم الفرص والنُهز ليضعوا للوطن دستوره، وتمكن الإخوان وحلفهم الإسلامي من وضع دستور لمصر، ومن الطبيعي أن يضعوا فيه فقههم.
والمطالع للدستور سيجده ذا غلاف قانوني حديث، وبلغة دستورية، لكنها تتضمن ما هو أكثر من مصيبة وأشنع من كارثة، فالمعلوم أن ما لا ينهى عنه الدستور هو أمر مباح، وهذه الإباحة تسمح له بالظهور حين يشاء، فعدم تجريم الدستور للاتجار في البشر يعني أنه بإمكان المجلس التشريعي المقبل تقنين تداول العبيد ونكاح ملك اليمين وتحديد مواقيت ومواضع محددة لتلك التجارة مع عقود بشروط الملكية. مستنداً إلى المادة الثانية بالدستور التي أقرت الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، ومادتها الشارحة 112، ولاشك أن المحكمة الدستورية ستعجز عن التصدي لهكذا تشريع وبذلك تكون إباحة العبودية قد تمت حتى دون تشريعه، لقد تمت عندما لم يجرمها الدستور، لقد تم تشريع العبودية عند صدور هذا الدستور.
ومثلها عدم وجود مواد تمنع زواج القاصرات وتجرمه، مما يعني السماح بصدور قوانين تبيح زواج الرضيعة أو الطفلة، التي عادة ما يكون زواجها عبودية كاملة التمام، فهي تُباع بمهر كبير لثري عجوز لتقوم على خدمته وخدمة عياله ومُتعته إن أمكن، وأحيانا تكون مُتعة لذكور الأسرة جميعاً في عبودية دنيئة مقابل المسكن والطعام، وما أكثر إمائنا في فيافي الأرض المقدسة.
تعريف الأقلية في ظرف مصر اليوم 
بدخول الجماعات الدينية إلى ساحة العمل السياسي تغيرت الدلالة لتكتسب دلالات خاصة بنا دون بقية العالمين، فعندما تقول الصناديق أن الإخوان أغلبية تصبح أي جماعة في الشعب أقلية، فمنطقهم أنه لا توجد أغلبيتان، توجد أغلبية واحدة وقد فازت، إذن كل من لم يشمله هذا الفوز فهو أقلية، وعليه تكون جماعة الإخوان هي الأغلبية وكل الشعب المصري هو الأقلية. 
والمعلوم لدى الكافة أن الحكم العنصري وحده هو من يتولى المناصب والإدارات والسيادات ويكون منه الخبراء والمستشارون، والإخوان يعملون بنصيحة الجد البعيد للسنة في شئون الحكم، الطليق أبو سفيان بن حرب بن أُمية لعشيرته من أمويي قريش عندما آلت الخلافة إليهم ممثلة في عثمان بن عفان: ( تلقفوها يا بني أمية تلقف الكُرة) أي اجعلوها لكم فقط ومرروها بين بعضكم فقط وامنعوها عن الفرق المنافسة، تداولوها بينكم، مرة حزب الإخوان، ومرة ولاد أبو إسماعيل، ومرة حزب الجهاديين، وكلكم بنعمة الله في الاستبداد إخوانا.
لذلك ترى حال الإخوان دون خجل ولا حياء كالحزب الوطني بل أشد نكالا، يخدمون مصالح بعضهم وجماعتهم بغض النظر عن الكفاءة، وعن مصير الوطن مع إدارة كتلك الإدارة التي لا تعرف شيئا من شئون الإدارة ولا معنى المواطنة والمساواة في قسمتها بين المواطنين. 
إن الشعب المصري الذي يتظاهر اليوم لا يريد رئاسة ولا وزارة، إنه يتظاهر ضد أخونة الدولة وليس أسلمتها، لأن هؤلاء الثوار مسلمون أيضا مثلهم مثل الإخوان فلا خلاف في الدين، فيقتلهم الإخوان، وهو ما يعني أن هذا القتل ليس دفاعا عن الله ولا عن النبي ولا عن الدين، إنما هو من أجل بقاء الإخوان في الحكم، ويؤثرون أن يتعامل معهم الشعب تعامل أفراد الجماعة حسب مبدأ السمع والطاعة، وهو ليس بالمبدأ الرديء إلا إذ استحدم كله من طرف واحد فيكون السمع والطاعة معا من نصيب فريق دون فريق، وهو المعنى الذي يقصده الإخوان فيقول الأستاذ قرضاوي عن المسلمين في دولة الإسلام في كتابه ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده/ وهبة ص 19، 20: (لا يترددون لحظة في قبول الحكم.. ليس لهم الخيرة من أمرهم، ولا يتولون عن الانقياد والطاعة.. شعارهم ومبدأهم دائما "سمعنا وأطعنا" وهذا بخلاف المنافقين الذين لا يرضون الاحتكام إلى غير الله ورسوله، وهذا هو الطاغوت، "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت" فهما حكمان لا ثالث لهما إما الله وإما الطاغوت، فمن أعرض عن هذه النذر كلها.. ورضي أن يحكم في هذه الأمور الخطيرة فلاسفة من الشرق أو الغرب وعلماء وحُكماء ومشرعون، سمهم كما تشاء، فقد حاد الله فيما شرع وناصب الله ورسوله العداء.. "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"/ 44/المائدة، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"/ 45 / المائدة، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون/ المائدة/ 47)، وبهذا تكون السيادة في مبدأ السمع والطاعة لطرف والعبودية لطرف، لكنه يكون مبدأ حميدا لو وُزع بين الطرفين، طرف عليه السمع للآخر وطرف عليه الطاعة للآخر، فيكون على الحكومة أن تسمع لنا وتستحيب لمطالبنا، ويكون علينا لها في هذه الحالة الطاعة لما تصدره من قوانين تحمي وتشرع مطالبنا، ويتحول عن كونه مبدأ للعبودية إلى مبدأ للحريات.
إن ما يفعله الإخوان بمصر اليوم لا يشير إلى اعتبار أنفسهم الفصيل الفائز في الانتخابات، لكنه الفائز في آخر انتخابات، منطق يطابق بشدة منطق الاستعمار الغازي المحتل المستوطن، فرغم أن الغزاة يكونون عادة وعبر التاريخ هم أقلية في البلد المفتوح، فإنهم بسلطانهم وتجبرهم أصبحوا من يفوز بنصيب الأغلبية من عوائد ومناصب وجاه وسيادة، ويتحول الشعب كله إلى أقلية فقيرة ذليلة بلا حول ولا قوة.
الإنجليز مثلا استعمروا بلدا كالهند شبه قارة تعدادا بشريا وجغرافيا، واستعمروا دولا في الشرق الأوسط ضمنها مصر، مثلهم أيضا القلة البيضاء التي كانت تحكم في جنوب إفريقيا، كل الإدارات وكل المناصب كانت من نصيب فريق واحد هو عدديا أقلية، لكنه من حيث السيادة هو السيد القوي الباطش، هو الأكثرية، هو الأغلبية، هذا هو منطق الاستعمار، أقلية مُنتصرة تُقصي غيرها، هو منطق الغلبة الغشوم لا منطق الديمقراطية، هو منطق لا يسمع لمطالب الشعب في الحرية وفي الأمان وفي السكن وفي العلاج وفي الحياة الكريمة، لأن المُستعمر يجب أن يتميز بكل نياشين السيادة دون بقية الشعب، فعدم المساواة هو الذي يجعل الأقلية أغلبية، وهو ما يميزها عن بقية المجتمع بالثراء المادي والوجاهة الاجتماعية والسيادة الطبقية، إن عدم المساواة في ديمقراطيتنا المكسحة هو أُس الفساد ومعدن الظلم وسورس الاستبداد، فالمسيحيون في مصر من حيث العدد هم أكثر من الإخوان بمسافات ورغم ذلك ومع انعدام المساواة هم أقلية، الإعلام أقلية، القضاة أقلية، مدن القناة أقلية، كلنا أصبحنا أقلية... وبالصندوق؟! لايسمعون لنا احجاجا بل يضربوننا بقنابل الاستعمار السامة بيد عسكر الاحتلال الوطني، فمقياس الأغلبية والأقلية العددية يصلح فقط في مجتمعات المساواة في مواطنة كاملة على التساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات وغير منقوصة لسبب من لون أو جنس أو عرق أو دين، ساعتها يُمكننا الحديث عن أكثرية وأقلية بمنطق سليم، أما ما حدث عندنا فهو سرقة علنية للحكم وسلب مُشهر للسيادة واحتلال صريح للوطن بموجب وثيقة إعادة الفتح لخيرت الشاطر، احتلال قام على الغش والخداع من أجل السيادة بغض النظر عن تطابق الأساليب مع الدين أو مع الديمقراطية، فقد استخدموا الديمقراطية كعملية تخليقية لخلق أغلبية مُزيفة، حولوا بعدها المجتمع عبر مجموعة من القرارات والبيانات والسياسات إلى مجموعة من الجزر التي تزداد بؤسا والمنفصلة والمتعادية فيسهل احتلالها، وتظل الجزر دوما مُستضعفة، فكل منها ستحتاج العون ضد الأخرى، والإسلاميون جاهزون، فقديما كانت غنيمة الحرب هي ثوب القتيل ونعله وسيفه ودرعه وحصانه أو جمله وما في جرابه من طعام، فأصبحت اليوم خطف الوطن بكامله. 
إن التعريف الدقيق للأقلية هو الجماعة الأضعف التي يمكن بسبب ظروفها أن تقع فريسة الاستغلال والاحتقار وضياع الحقوق والاستعباد، ومن يمارس بقوته السيادة على الأضعف هو فاشي عنصري لا يقر بالحقوق لغير فصيله ويدهس مبدأي: المساواة والكفاءة، فالمستعمر لا يعبأ بأكثرية المجتمع مهما كانت مطالبها مشروعة، لأن ذلك ينتقص من نصيبه ومن سيادته، ويجب أن يظل الناس مجموعة أذلاء بحاجة إلى العطف والشفقة وإلى الحسنة والصدقة ليتم تفعيل شريعة العطاء صدقة وزكاة، يجب أن يكون صوت الأقلية خفيضا مستعطفا وليس لهم أن يقدموا مطالب ويُسمح لهم أحيانا بتقديم التماسات، فكيف لحزب يؤكد دوما أن فرقته هي الفرقة الوحيدة الناجية، أن يدير جدلا هادئا ومسالما مع المواطنين غير المسلمين؟ وكيف سيكون عدله وتلك عقيدته؟ كيف لحزب يجعل المرأة نصف رجل في الدين وفي العلم وفي العقل وفي الشهادة وفي الميراث وفي الدية، وأنها ليست أهلا للولاية الكُبرى أن يدير وطنا كمصر قطعت فيه المرأة شوطا ينوء به الرجال؟ كل هؤلاء أقليات في فقه الإخوان، ومن يعلو صوته بالرفض أو بالتصويب يتم تشويهه وطنيا ومجتمعيا وتكفيره دينيا، مليون خرجوا للاتحادية وشربوا من البحر... ألا تُكبرون؟!.
الإخوان خرجوا على صحيح الملة 
أعلن الإخوان أنهم جماعة دعوية تريد تطبيق شرع الله، فإن لم يطبقه الحاكم فعليهم الوصول إلى الحكم بغض النظر عن الوسائل لتطبيق هذا الشرع، وقد نجحوا وفعلوها، هنا لدينا مع الإخوان وخطتهم لتطبيق شرع الله عدة مشاكل، أولاً لأنه لا يصح جعل الإسلام أساسا نقوم بالبناء عليه أو تعليته بأبنية إضافية، لا يجوز أن يقيم الإخوان أو السلفيون أو الجهاديوين أحزابهم الدنيوية السياسية على الإسلام، لأن ذلك يجعله غير تام وبحاجة إلى الإضافة والتعلية، ناهيك عن كون الإسلام سيكون جزءاً من كلٍّ هو الحزب ورجال الحزب وأفهام رجال الحزب كله على التساوي أو حسب الظرف والحاجة، بينما العقيدة الإسلامية ترفض قاطعة بلا لبس أي إضافة لدين الله من البشر، وترى أن الإسلام هو الكل ولا يتجزأ ولا يكون جزءاً من كل، لأنه كامل بذاته مُستغن عن غيره لا يشوبه نقص.
وتأكيداً لهذا القرآن نفسه الذي يُلزم المسلم بالاعتقاد الراسخ في الآية القرآنية الخاتمة للقرآن بسورة المائدة، وهي الأهم قطعاً في الدين كله لكونها كانت ختام الوحي، وكانت خير ختام إذ يقول الله فيها للمسلمين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وهي الآية النصية بصدق، فهي تطابق التعريف الدقيق لما هو نص، قاطعة اللفظ واضحة الدلال لا يختلف في فهمها اثنان، فكلمة (اليوم) تعني اليوم الذي نزلت فيه الآية من حيث الزمن، و(أكملت) تعني كل ما هو ضد النقصان، بقرار ولسان إلهي واضح جلي، وهو ما لا بد أن يُفهم منه بالضرورة عدم الحاجة إلى تكملة أو زيادة أو إضافة، و(دينكم)، تعني أن الله لم يطلب من المسلمين شيئا غير الدين، ولم يطلب منهم إقامة جماعة ولا حزب ولا حتى دولة، طلب الدين فقط، وأنه قد أكمل هذا الدين إلى تمام ختام نهايته بما لايحتاج أي مزيد. والكلمة (أتممت) تؤكد حصول المسلم على النعمة الكاملة (أتممت عليكم نعمتي)، تأكيداً لوصول الدين لمنتهاه وتمامه النهائي، بتمام النعمة ألا وهي الإسلام، ولم يقل بجماعة الإخوان أو السلفيين، والبلاغة كلها وجمال الإيجاز البليغ في القول (ورضيت لكم الإسلام دينا)، وهو تعبير، لو تعلمون عظيم، فالعبارة (رضيت لكم) تعني أن الإيمان بهذا الدين وفقط ودون إضافات هو مما يرضي ربنا ويُسعده، ولم يطلب لهذا الرضى ما هو أكثر من الإيمان بالإسلام، فلا طلب مذهبا ولا طلب جماعة ولا طلب كُرسيا رئاسيا ولا طلب مجلس نواب ولا طلب دولة، وإعمالا لهذا يكون وجود جماعة الإخوان ليس فقط مخالفا لقانون الدولة المدنية الحديثة، وإنما هو يخالف الشريعة الإسلامية بالأساس، فوجودهم افتئات على الدين وإهانة له وإضافة إليه ووسمه بالنقص والهوان لدرجة احتياجه لجماعة مثل الإخوان لتسنده وتحميه. هذا ناهيك عن عدم وجود أي سابقة لجماعة الإخوان في التاريخ الإسلامي، فلم توجد في هذا التاريخ جماعة دينية وصلت للحكم بانتخابات، ولا يوجد لها أصل من قرآن أو سُنة، فالراشدون مثلا لم يقيموا مثل تلك الجماعات ولا أمروا بها، بل المعلوم أن تشكّل الفرق والمذاهب كان بداية الاعتداء على الدين بشن كل فريق الحرب على الآخر باسم الدين، وكلاهما كان من المسلمين بل ومن الصحابة، وإذا كان لكل فرقة إمام مؤسس، فلماذا لا نجد جماعة أبي بكر وأين فرقة عُمر وأين مذهب عثمان؟؟ باختصار: بمن تأسى الإخوان في إنشاء جماعتهم؟ أسوة بمن أقام السلفيون حزبهم؟ إن دولة الأمويين كانت نسبة إلى أمية جد معاوية مؤسسها، ودولة العباسيين نسبة للعباس عم النبي، والفاطميين نسبة إلى فاطمة بنت محمد، لكن لا أمية ولا العباس ولا فاطمة الزهراء هم من أقاموا هذه الدول ولا أمروا بإقامتها، ورغم ذلك لو جعلنا تلك الدول هي الأسوة، فليشر لنا الإخوان لمن ينتسبون إذن؟
والأفدح أن الإخوان ظلوا يرددون آيات (إن الحكم إلا لله) حتى نالوا الحكم، فإذا كان مبدأهم الأساس أن الحكم لله وحده، فلماذا يشاركونه الحكم والرأي ويقيمون مجلسا تشريعيا رغم علمهم أن الله شرع بالتمام وانتهى الأمر، إنهم يعتدون على اختصاصات الله . 
ويل للذين يعتدون على اختصاصات الله وهم يعلمون. 

ليست هناك تعليقات: