الجمعة، 10 مايو، 2013

لعزف مع حركة "كتالة" النوبية " 1 "..إبراهيم الأبيض


نشأت طفولتي في مدينة أقرب إلي القرى، في بيت متدين لأب أزهري التعليم يقرض الأشعار والمدائح في الله وفي الرسول، وضمن ما ترسب في روحي في هذه السن الطرية الطفولية الساذجة، الخوف من اللون الأسود كرمز للشر والعدوان، ولم تكن الكهرباء قد عرفت طريقها بعد إلي مدينتنا القروية، وكان مجيء الليل مع الأخيلة التي ترسمها الشموع ومصابيح الكيروسين علي الحوائط، يعني حضور قوي الشر فتظهر العقارب والحيات ويبدأ عواء الذئاب في البر الشرقي البعيد، في نُواح حزين يحمل رائحة الموت، فنسرع إلي الاغتسال قبل الانكماش تحت الأغطية حتي لا تشمنا الشمّامة وتخبر العوا وأبورجل مسلوخة عن مكاننا لالتهامنا، وكلها – كما علمنا أهلونا – كائنات سوداء مرعبة وشريرة تظهر ليلا لأنها تخاف بياض النهار.
ومع أول سنوات التلمذة بدأنا نتعلم في حصة الدين معني الخير والشر بالألوان الطبيعية، فالجن أسود والعفريت أسود والشيطان أسود، وعيونها بلون الدم تقذف بالشرر، وتعلمنا معني الفضائل ففضيلة التوفير وعدم الإسراف كانت هامة في البلدان الفقيرة، وتتمثل في كون القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، أما الخير فأبلج أبيض واضح والشر أسود غطيس، والخير لا يصدر إلا عن القلب الأبيض، أما القلب الأسود فلا يعرف سوي الشر، والقلب الأبيض هو العفو المتسامح الكريم الذي لا يحمل ضغينة حتي للمسيء، أما صاحب القلب الأسود فلا ينسي الإساءة وينحو نحو العنف والانتقام ويمتلئ بالغل والكراهية، والزوجة الصالحة تبيض وجه زوجها، والابن الفالح يبيض وجه أهله، ومولانا صاحب الفضيلة سمين ممتلئ ذو وجه يضج بياضًا، ليس لأنه يعيش الرفاة وإنما لرضا "الرحمن" عن رجاله في الأرض فيجعل وجوههم تشعّ بياضًا هو نور الهداية والولاية، وأن السيدة "آمنة أم نبينا" عندما حملت به خرج منها نور أضاء لها قصور كسرى وقيصر، وبعد ولادته كان سيدنا "النبي" يشع نورًا أبيض، وأن الله نورُ أبيض خالص لا تشوبه شائبة من سواد، والملائكة خُلقوا من نور أبيض، ومن سيتمكنون من رؤية الله يوم القيامة هم أصحاب الوجوه البيض (وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة). بينما الشر يرتبط حتمًا باللون الأسود فالغراب الأسود نذير شؤم والشيطان يتنكر في صورة قطط وكلاب سوداء، وهو ما كان كفيلا بترسيخ مفهوم أن الخير والشر يرتبطان بالخلقة وبالفطرة، وأن الله هو خالق كليهما وأنه كلفنا بمحاربة الشر ونُصرة الخير، وأن الخير في الإسلام وعداه شر محض، إذن فالإسلام أبيض وبقية الأديان سوداء، وبقرآنه آية الكرسي القادرة علي طرد الشياطين السوداء، لأن الكرسي هو عرش الله النوراني الأبيض.
كان لمدرستنا بابان، باب خلفي من الخشب الرديء لدخول التلاميذ، وباب أمامي ضخم هو المدخل للأساتذة كان مصنوعًا من النحاس اللامع المشغول كأنه مزار لـ"ولي من الأولياء"، وكان حارسه هو عم داوود البواب وهو عملاق من النوبة فاحم السواد أجش الصوت، وعند دق ناقوس الطابور يُغلق باب التلاميذ الخشبي، فيحاول المتأخرون التسلل من الباب الرسمي، فيقبض عليهم عم داوود البواب، بعد أن يصرخ فيهم بصوته المرعب ويُكتفهم معطيًا أظهرهم لحضرة الناظر الذي يلهب "إلياتهم" بخيزرانته الرفيعة.
تدرجت في صفوف مدرستي بتفوق حتي أصبحت "ألفا" لفصلي، وهو لقب عزيز شريف يصبح التلميذ بموجبه نائبًا عن المعلم في ضبط الفصل أثناء فرصة ما بين الحصص وفي حال تأخر المعلم، وكان معلمنا الأستاذ عبدالستار يحب ترك الفصل عندما تمر "أبلة نعيمة" أو "الميس وردة" وأنوب عنه لأكتب اسم أي زميل لي يتحرك أو يتكلم ريثما يحتسي شايه الساخن في شمس الشتاء، مع وصلة غزل نعرفها جميعًا ولا نجرؤ علي الإفصاح عن اكتشافنا العظيم ولو بالابتسام. ويعود الأستاذ عبدالستار ليتناول مدونتي ليعاقب أصحاب الأسماء المدونة بها، وبالطبع لم أكن أعلم حينها أن لقب "ألفا" مأخوذ من الحرف الأول بالأبجدية اليونانية بتأثير الجالية اليونانية المهاجرة إلي مصر سعيًا وراء الرزق، حيث الوفرة والأمان والتجارة الحرة.
ولسوء حظ عم داوود النوبي أن ابنه إبراهيم كان زميلا لي، يجلس في آخر الصفوف منكسًا رأسه لا يتحرك ولا يتحدث يستشعر الدونية فأبوه بواب، وكان شبيه أبيه أفطس الأنف حالك السواد، فكان فرصتي للتقدم بالقربان إلي ربي معاونًا لقوي الخير بمعاقبة قوي الشر، فكان إبراهيم هو الاسم المستدام علي مدونتي العقابية، وكان أذاه يثلج صدري لأنه يرفع قدري عند ربي الأبيض ونبينا الأبيض، وبقمعي للشر الأسود ولو بالكذب والافتراء كنت أستشعر الطهارة والملائكية، ولم يحدث أن أنبني ضميري لحظة في هذه السن الطفولية الابتدائية، وهو ما فسر لي فيما بعد - وبعد زمان - تركيبة عقل المؤمن المُخلص المُتعصب، وروحه التي لا تري في فعلها الشرير مع المخالفين إلا كل الخير، لأنها لم تزل في مرحلة الطفولة الابتدائية علي سلم تطور الإنسانية. 
بعد اليفوع وتجاوز مرحلتي "الطفولة والصبا" إلي البلوغ الرجولي، انتقلت من مرحلة التلقي الأصم والطاعة المطلقة العمياء إلي مرحلة طرح السؤال وإعمال العقل والفهم، فلم يعد النقل الذي كنا نتلقاه حفظًا مقنعًا لعقلي، ولم يعد يحمل رهبته الأولي، فبدأت أكسر الطاعات لعدم قناعة عقلي بجدواها، حتي تحولتُ إلي مشكلة مؤرقة لأبي الأزهري بأسئلتي التي لا تنتهي، وكان عادة ما ينهيها بالأمر الصارم بالطاعة وعدم السؤال حتي لا أصلى النار الحامية، وهو ما كان حالي مع أساتذتي الذين لا يملون تكرار محفوظاتهم وحكمهم ومواعظهم، فتبهتهم أسئلتي وتحرجهم أمام زملائي، وبدأت درجاتي في أعمال السنة تنخفض انتقامًا مني، مما كان يضطرني في امتحان نهاية العام لتغيير خطي نحو القبح والرداءة، حتي لا يتعرف عليه الأستاذ المصحح ويصب نقمته علي ورقتي إرضاءً لرب الخير والنور الأبيض. وفي هذه المرحلة اكتشفت مدى زيف التدين الظاهري وما التقطته ملاحظتي لكسر الكبار لكل القواعد والفضائل في الخفاء وأن الله لا يعاقبهم - كما لقنونا وأفهمونا - حتي إنه يكاد لا يعلم شيئًا عنهم، واكتشفت أن غزل الأستاذ عبدالستار وابتسامته اللطيفة وكلماته الرقيقة - بجوار ما رأيته وفهمته من بعد - هو عفة وطهارة، واكتشفت أيضًا أن الفضيلة لا تتأتى من الطاعات إنما من الداخل الخاص للإنسان، أما الاكتشاف الأهم فكان أن خضوعي للطاعات لم يكن له أي تأثير في تفوقي من عدمه، وأن المسألة تتعلق بجهدي وإرادتي الحرة لتحديد أهدافي وكيف أبلغها، وتوقفت عند أداء الامتحانات عن ترديد الآية التي نصحني أبي بترديدها عند دخول كل لجنة امتحانات "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلُل عقدة من لساني يفقهوا قولي".
في هذا الوقت ترك زميلي الطيب "إبراهيم داوود" المدرسة ليلتحق بورشة "عم روبي الحداد" ليساعد أسرته وهو الوقت الذي أدركت فيه فداحة جرمي ليتحول إبراهيم داوود إلي عقدة نفسية تطاردني، لأقوم أنا بمطاردته ما بين المنزل والورشة أطلب منه الصفح والغفران وهو مندهش، وتخرجت وسافرت وتزوجت وأنجبت وعُدت وصرتُ كاتبًا، وسكنت القاهرة لكن لأنهض في أنصاف الليالي مسافرًا إلي بلدتي أدق باب إبراهيم داوود لأقدم له قرابين يستحقها ليصفح ويسامح، حتي ضاق بي الرجل ذرعًا لأنه نسي الأمر وكاد يشك في قدراتي العقلية. كان إبراهيم ابن عم داوود البواب أسود اللون لكنه بعكس ما علمني مأثور الطاعات كان أبيض القلب كريمًا سمحًا، بينما كنت أنا الطائع لربه أسود القلب حسب مصطلحات المأثور، ورحل إبراهيم داوود عن الدنيا قبلي تاركًا في قلبي شوكة لم تخرج منه حتي اليوم.
ترتبط حكايتي الشخصية السالفة ارتباطًا موضوعيًا وثيقًا بحال المجتمع في بلادي وتأثير الدين في هذا المجتمع منذ النشأة الطفولية سواء في الأسرة أو في المجتمع الأوسع أو في المدرسة، ودور النقل والطاعات في تشكيل الأرواح وتنميط العقول وتحجيم السؤال وتلجيم العقل بما يشوه الروح ويشيع التعصب الأعمى، مع الغباء الناتج الطبيعي والضروري عن الحفظ والترديد دون فهم ولا سؤال، وترتبط تجربتي مع إبراهيم داوود بأحداث اليوم، وظهور حركة " كتالة" - بكسر الكاف - النوبية، والتي تضم في صفوفها رغم حداثتها ستة آلاف شاب جلدًا، واختارت لها شعارًا يحمل صورة لمدفعي رشاش متقاطعين، معلنين أنه الرد المقابل لشعار الإخوان المسلمين السيفين المتقاطعين، وكالعادة المأثورة لدينا قام المتنطعون من الآكلين علي كل الموائد يتهمون أهل النوبة بتشكيل ميليشيات مسلحة بغرض الانفصال عن الوطن الأم، عمالة للمخططات الأمريكية والصهيونية، مع تكفير ديني يضاف إلي التخوين الوطني.
وهنا تبدأ حكايتنا الثانية. 

ليست هناك تعليقات: