الجمعة، 17 مايو، 2013

هذه أرضي أنا!


أحمد بهاء الدين شعبان


 "دع سمــــــــائي
     فسمــائي محرقة
       دع قنــــــــــــالي
         فقنـــــالي مغرقة
           واحــذر الأرض
              فأرضي صاعقة

                  هذه أرضي أنــا
                    وأبي قـــال لنــا
                      مزّقوا أعداءنــا
                        ... ... ... ... ...
                           دع سمـــــائي"
  هذه الكلمات الهادرة كانت تشجي أسماعنا، وتلهب حماسنا، ونحن تلاميذ صغار، نطلب العلم في أوائل سني عمرنا.
  عام 1956..
  كانت بلادنا تخوض معركة الوجود ضد العدوان الثلاثي الغادر، الذي شنته ثلاث دول معتدية على مصر، "الإمبراطوريتان: البريطانية والفرنسية، إضافة إلى دولة العدو الصهيوني"، بعد أن أمم الرئيس جمال عبدالناصر قنال السويس، فأعاد للمصريين حقًا سُلب منهم عنوةً، ورد لهم كرامةً أُغتصبت منهم قهرًا.
  ومن سطح بيتنا في منطقة "حلمية الزيتون"، وقفت أشهد غارات الطائرات المعتدية وهي تقصف مطار "ألماظه" العسكري بالقنابل، ونيران الغضب تهز كياني، ألمًا على بلادي التي تدمرها طائرات الأعداء، بعد أن عرفت أن الدخان الذي كان يملأ الجو، كان من تأثير نيران طائراتنا المحترقة ومطارنا المقصوف.
  ولم أكن وحدي الذي غضب للاعتداء على أرض بلاده، كان هذا حال الشعب بأكمله الذي انتفض في مواجهة القوة الباغية، وخرج عن بكرة أبيه، يهتف: "حنحارب... حنحارب"، حاملاً ما تيسر من سلاح لمقاومة الغاصبين، الذين لجأوا إلى إسقاط جنود المظلات بـ"الباراشوت"، في مدن القنال، وفي سماء مدينة "بورسعيد"، على وجه الخصوص.
  وعلى هذه الأرض الباسلة دارت رحى معركة حامية الوطيس بين شعب يقاتل بالصدر الأعزل، أو ببنادق وأدوات بدائية، قوات ثلاث دول عسكرية كبرى، تملك أحدث الأسلحة والتجهيزات الحربية والطائرات، وخاضت مصر كلها، التي اجتمعت على قلب رجل واحد، هو قلب "الريّس جمال"، هذه المعركة ببسالة منقطعة النظير، واجترحت ملاحمَ من البطولة النادرة، دفعت العالم لأن ينحني احترامًا لهذا الشعب البطل، وأجبرت المعتدين على الانسحاب وهم يجرون أذيال الخيبة والعار!.
  وعادت القناة لمصر بعد عقود طويلة من الاغتراب، بدأت منذ أن حصل الاستعماري الداهية "فردنان دي لسبس"، الدبلوماسي الفرنسي المتقاعد، من والي مصر، "محمد سعيد باشا"، على "فرمان الامتياز الأول"، في 30 نوفمبر 1854، والذي يمنح "دي لسبس" حق إنشاء "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية"، "لشق قناة تربط البحرين: الأبيض المتوسط، والأحمر" (بند:1)، بكرم حاتمي غير مسبوق، فـ"امتياز استغلالها" مدته "99 عامًا من تاريخ الافتتاح" (بند:3)، وتم "منح الشركة، بدون أدنى مقابل، جميع الأراضي اللازمة لشق القناة البحرية" (بند:4)، وصافي الأرباح السنوية للشركة توزع كالتالي: "75% للشركة، و15% للحكومة المصرية، و10% للأعضاء المؤسسين" (بند: 5)، كما مُنحت الشركة "الحق في استخراج جميع المواد اللازمة لأعمال القناة والمنشآت التابعة لها من المناجم والمحاجر، الداخلة في الأملاك العامة بالمجان، وإعفاء كافة الآلات والمواد المستوردة، من الخارج، لصالح المشروع، من الرسوم الجمركية (بند:9)، على أن "تحل الحكومة المصرية محل الشركة عند انتهاء امتيازها، وتتمتع بكافة حقوقها، وتعود إليها بالكامل "قناة البحرين"، وكافة المنشآت التابعة لها، مقابل تعويض يُحدد باتفاق ودي أو بالتحكيم (بند:10).
  وبالطبع، وكما هو معروف، فلقد أغرقت الدول الاستعمارية، وخاصة بريطانيا وفرنسا، ولاة مصر، وبالذات "سعيد باشا" و"إسماعيل باشا" في لُجّة الديون، بعد أن زينت لهما الإفراط في الاستدانة، بداعٍ وبغير داعٍ، حتى لم يعد أمامهما إلا رهن أسهم مصر في "شركة القناة" مقابل تسديد هذه الديون التي لم تُسدد أبدًا، بل تضاعف حجمها بفعل الفوائد الفادحة المفروضة!.
   وكان أن أنشأت الدول الدائنة "صندوق الدين" لمراقبة التصرفات المالية لمصر حرصًا على حماية أموالها التي أقرضوها للحاكمين، ثم تطور الأمر بأن وقع الاقتصاد المصري كله بين براثنها، ومن ثم كان من السهل أن تقع لقمة "قناة السويس" الطرِّية، بين أنياب الذئب الاستعماري، المتلمظ لافتراسها في التو واللحظة!.
  تاريخ ليس ببعيد، يعرفه جيل الأجداد والآباء، لأنهم عايشوه، وذاقوا مرارته، وتكبدوا تضحياته الهائلة، وقدموا على مداره طوابير لا تنقطع من الضحايا والشهداء، وسكبوا أنهارًا من الدم الزكي المسفوح، بدءًا من شهداء حفر القنال الـمائة والعشرين ألفًا من فقراء المصريين، وانتهاءً بالأبطال في حرب أكتوبر 1973، وما بينهما من أجيال لم تتوان عن النضال من أجل طرد الاحتلال، واستعادة سيادة مصر على قناتها.
  وبعد مائة وستين عامًا من وثيقة التفريط الأولى، " فرمان الامتياز الأول"، الصادر في 30 نوفمبر 1854، يُقدم حكم "الإخوان" على تفريط أخطر وأفدح، فيما يوازي خيانة وطنية صريحة، تبدو جليّة في بنود ما يُسمّى: "مشروع إقليم قناة السويس" الذي يُنشئ دولة جديدة داخل الدولة، يمنحها أراضي مجانيّة، وامتيازات وعطايا وهبات مفتوحة بلا ضابط أو حدود، وبصورة غير مسبوقة في كل بلدان المعمورة!.
  هذه الدولة المستقلة عن السيادة المصرية اسمها دولة "إقليم قناة السويس"، تحكمها حكومة مطلقة السلطة والصلاحيات اسمها "الهيئة العامة لتنمية إقليم قناة السويس"، يرأسها رأس "دولة الإخوان"، "محمد مرسي"، وخمسة عشر إخوانيًا من "المُبشّرين بالجنة"، وهي معفاة من كل القوانين المصرية، والضرائب، وجميع الالتزامات الطبيعية، التي تُطبّق على كل الشركات العاملة في البلاد كافة، في استنساخ مأساوي، (يُهدد وجود مصر، ووحدة ترابها الوطني، وسيادتها المطلقة، المفترضة، على كل ذرة رمل فيها)، وفي تكرار أكثر بؤسًا بمراحل، من نموذج "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية"، التي أذاقت مصر وشعبها الويلات حتى مزقنا أستار عبوديتها، وحطمنا سلاسل قيودها!.
  لقد دفعت خطورة الأمر بالمستشار "طارق البشري"، وعلاقته الوثيقة بجماعة "الإخوان" غير خافية، لأن يكتب في (جريدة الشروق ـ 10مايو2013) صارخًا:
  "القانون لم يفعل شيئًا، ولا نظّم أمرًا، إلا أنه في مواده الثلاثين يرفع السلطة المصرية عن هذا الإقليم، ولا يُبقي أي مظهر أو عنصر من مظاهر هذه السلطة على إقليم من المفروض أنه ينتمي لمصر، وأنه جزء من أرضها، وأنه، من ثم، خاضع لسلطة دولتها، بقوانينها وأجهزتها وسياساتها المتخذة أو التي تُتُخذ في المستقبل"
 ..."وهو في كل مواده يُقرر تنازل الدولة عن السيطرة عليه وانحسار ولايتها عنه، لأن ولاية الدولة هي قوانين وأجهزة مؤسسية، فمتى استُبعدت القوانين كلها والأجهزة كلها عن أرضٍ ما من أرض مصر، فقد زالت سلطة الدولة عليها!!".
*****
  وها أنا ذا بعد أكثر من خمسة وخمسين عامًا، أسمع رجع صدى أغنية حماسية، ما فتأت تتردد في مسمعي، منذ أن كنت طفلاً يسعى على مدارج الصِبى:
"دع سمــــــــائي
     فسمــائي محرقة
       دع قنــــــــــــالي
         فقنـــــالي مغرقة
           واحــذر الأرض
              فأرضي صاعقة

                  هذه أرضي أنــا
                    وأبي قـــال لنــا
                      مزّقوا أعداءنــا
                        ... ... ... ... ...
                           دع سمـــــائي"
  وأسمع، كذلك، صدى شعار كان يتردد في مظاهرات الشعب آنذاك: "حنحارب ... حنحارب"، فأحدث نفسي وأقول: لقد كُتب علينا القتال مُجددًا، ونحن في وهدة المشيب، لكن هذه المرة "سنحارب" كل من تسوّل له نفسه الدنيئة أن يبيع "الثروة" كما باع "الثورة" بالأمس القريب!. 
  "رُفعت الأقلام.. وجفَّت الصحف".

ليست هناك تعليقات: