الجمعة، 17 مايو، 2013

حمدين وسلمى.. الحزن والحلم والثورة


سليمان شفيق


الموضوعية كما علمنا أساتذتنا: هي إعلان انحيازاتنا، والحب أعظم انحياز، ومن أحبهم كثيرون ولكن من أحترم منهم قليلون، ونادرون من داومت على حبهم واحترامهم، في مقدمة هؤلاء حمدين صباحي.. والسيد المسيح يقول: "لا يوجد حب أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه".
 1976 كانت بداية معرفتي بالفتى حمدين.. كان هناك طلاب ماركسيون من آداب المنيا مقبوضًا عليهم، وكان الصراع على أشده بين الناصريين والماركسيين، لجأت لحمدين، الذي ناضل من أجل الإفراج عنهم، ولم يبال بالهوية السياسية لهم.. 
في الثمانينيات صارت الصحافة مصدرًا للنضال وللرزق لحمدين، وبأموال جئت له كمراسل لإحدى المؤسسات العربية.. أسس مكتب "صاعد" للصحافة، شارك فيه أصدقاؤه، ولا يوجد صحفي شاب في هذه الفترة لم يتدرب أو ينشر أو يمارس التوثيق السينمائي في "صاعد"، وبدون ذكر أسماء كثيرون منهم من مشاهير الصحافة والفن الآن.. في تلك الفترة كان حمدين قد تزوج من الزميلة المناضلة سهام نجم، وجسدا أول معنى للحب والنضال.. 
الابنة سلمى، في 8 مارس 1981، الاسم والموعد يحملان من الدلالات أنها "ابنة الموعد"، والثورة، 8 مارس عيد المرأة العالمي، والأم سهام من رائدات حركة المرأة الثورية، والاسم "سلمى" ذو الدلالة العربية لكل معاني الحب، هكذا امتزج النسوي بالقومي بالأممي.. كل تلك الدلالات التي حملتها هذه الطفلة الجميلة.. من أبوين ملء السمع والبصر، كانا يسكنان في شقة، غرفتين وصالة، بمدينة ريفية، شبين القناطر (30 كيلومترًا شمال القاهرة).. في 1981 ولدت سلمى وأبواها يترددان قسريًّا على السجون، تارة كمتهمين، وأخرى لزيارة المناضلين..
 رأت سلمى النور، وهناك في الظلام من يخططون لاغتيال السادات، والصفقات السرية والمعلنة بين السادات وعمر التلمساني تترنح، ضرب الجماعة وإخوتها الناصريين والماركسيين، وأفسحوا المجال للصهاينة وكامب ديفيد، وخانوا عهودهم، حتى مع السادات الذي أخرجهم من السجن ليسجنوا هم الوطن ويغتالوا السادات، ويشرعوا في قتل مصر التي كانت حبلى بالثورة، فيموت الجنين وتحيا مصر في بيت طاعة مبارك..!!
كانت سلمى تحبو مع الثورة المصرية التي أجهضها الإسلاميون بقتل السادات، ونطقت سلمى أول كلماتها "مصر"، وتهجت، واختلط لديها حرف "الميم" ما بين مصر وماما، وغنت "حزب الشعب بكرة يطلع من الغيطان ومن المصانع"، في الوقت الذي كان أبوها يشارك في تأسيس الحلم الناصري في مليونية عابدين، سبتمبر 1984، كانت سلمى يومها تتقدم الحلم، تسبق طفولتها أبويها وأحلامنا، عيناها شبابيك يطل منهما عشاق الوطن..
 في المدرسة كانت "البت أم المريلة كحلي" تتكحل بها عينا حمدين وسهام، في الجامعة سلمى تكمل المسيرة، وفي "التحرير" كانت الأم سلمى كما الأم سهام "في عابدين"، تحمل طفليها والوطن، وتسير على الطريق نحو الحلم والثورة..
 أطلت الذكريات من خلف دموعي وأنا أقف أمام قسم العجوزة 2013، أذان الفجر، الله أكبر.. الله أكبر، يبتهل قلبي بالدعاء لفك كرب سلمى وكل مظلوم، يخرجها الله من فخ "الكابوس الإلكتروني"، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.. أشعر بنسمات الفجر الصوفية بردًا وسلامًا، ستعود سلمى لطفلتيها، وسيعود الوطن لنا، وسلامًا إلى الابن الفنان محمد صباحي، والزوج أشرف..
 وإلى حبيبيَّ وشقيقيَّ المناضليْن الزاهديْن سهام وحمدين أقول: أنا فخور بكما وبمحمد وسلمى وأحفادكما، وسأظل أعرف فيكم وطني، وبطاقة حزبي، أعرف فيكم حلمي، وسأظل أقتسم معكم ما حييت الحزن والحب والثورة، وأنت يا سلمى سأظل فخورًا بكِ.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

ليست هناك تعليقات: