الجمعة، 17 مايو، 2013

المصريون.. بين دعاوى التخوين والتكفير بقلم الدكتور قدري حفني


Kadrymh@yahoo.com
المعارضة السياسية الجادة ليست غريبة على تاريخنا في مصر، ولكن طال عهدنا بافتقادها، وعشنا زمنًا طويلاً لا نعرف إلا صوتًا واحدًا، ولا نسمع سوى نغمة واحدة. 
قد يكون ذلك الصوت وطنيًّا مخلصًا، ولعله كان كذلك في كثير من الأحيان، ولكن مأساته، التي ساهمت في مقتله وانهياره، تمثلت في إصراره اليائس الأحمق على تجريد فريق من المصريين من صفة الوطنية أو الانتماء المصري. بل إنه أقدم بالفعل، حين كان ذلك ممكنًا، على إصدار قرارات بالتجريد من الجنسية المصرية. 
وحين كانت السلطة تجد نفسها عاجزة عن إقامة الدليل المادي على جريمة العمالة أو الخيانة الوطنية، قام خيالها المريض بابتكار مصطلح غير مسبوق، هو "العمالة الفكرية"؛ بمعنى أن  كل من  اقتنع ودعا لفكر له جذور في الغرب أو الشرق أصبح عميلاً، وإن لم يكن مأجورًا؛ ومن ثم ينبغي اجتثاثه فكريًّا وماديًّا. 
وساعد على الترويج لتلك الدعاوى الفاسدة حرص السلطة على تحاشي أي رصد واقعي رقمي لتفضيلات المصريين السياسية؛ لترسيخ فكرة أن أولئك العملاء الخونة، الذين يعارضوننا ليسوا سوى أقلية مدسوسة لا يؤبه لها، ومن ناحية أخرى فقد استثمر اليساريون والإسلاميون -على حد سواء- ذلك الخفاء الذي فرضته السلطة لترويج فكرة مقابلة، هي أننا لسنا بأقلية، بل نحن نمثل الأغلبية، وإلا فلماذا حشدت السلطة ترساناتها الفكرية والعسكرية لسحقنا، متحاشية محاورتنا ديمقراطيًّا، وإفحامنا فكريًّا؟
وشهدنا لسنوات طوال سعي السلطة لإلصاق تهمة الإلحاد والعمالة، والسعي لقلب نظام الحكم بالقوة، باليسار المصري المعارض؛ بادعاء أنه يزدري الدين، ويتلقى تعليماته من موسكو، وأنه يسعى لتذويب مصر في كتلة الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. وشهدنا بالمقابل نفس السلطة تمارس -وبنفس الإصرار- تلك المحاولة اليائسة الحمقاء لتجريد فريق آخر من المصريين من صفة الانتماء المصري، موجهة سهامها هذه المرة صوب جماعة الإخوان المسلمين، وما انبثق منها من تيارات متباينة يجمع بينهم الحلم باستعادة أو بإقامة دولة الخلافة؛ ومن ثم تحويل مصر إلى ولاية إسلامية. 
ورغم أن ذلك التيار -رغم تحفظاتنا عليه- يضرب بعيدًا في جذور التيارات الفكرية المصرية، ولم يكن اختراعًا أقدمت عليه جماعة الإخوان المسلمين؛ فقد اختارت السلطة الطريق الأيسر لمواجهته، فزايدت عليه إسلاميًّا؛ باعتبار أنها هي التي تمثل الإسلام الوسطي المعتدل الصحيح، وألصقت بهم تهمة الخيانة الوطنية، وازدراء مصر، والسعي لتذويبها؛ ومن ثم ألقت بأعضاء الإخوان المسلمين في غياهب السجون والمعتقلات، ليزدادوا تطرفًا وعنفًا.
ومع ثورة 25 يناير، ومع تلاحم ملايين المصريين، على مختلف انتماءاتهم، في ميادين التحرير، تصاعدت احتمالات تغيير النغمة القديمة، نغمة التخوين والتكفير. وبدا مقبولاً أن نمضي في خلافاتنا الفكرية والسياسية إلى منتهاها، وأن تقتصر تهمة الخيانة على من تثبت عمالتهم المادية، وليست الفكرية، لطرف أجنبي.
ولكنْ ثمة أصوات خبيثة أخذت مؤخرًا في التصاعد شيئًا فشيئًا، محاولة استعادة عزف منظومة اللحن القديم التخويني التكفيري؛ ليعزفها الجميع، ولتطول الجميع، في محاولة للإغراء بتخوين تيارات الإسلام السياسي، والدعوة للإطاحة فورًا بسلطة الإخوان المسلمين، حتى لو تطلب الأمر السعي لتوريط القوات المسلحة في ذلك، والدعوة بالمقابل لتكفير التيارات المعارضة للإخوان المسلمين، والسعي إلى قهرهم بالقوة إذا ما لزم الأمر.
وبين دعاوى التخوين والتكفير يتم التشويش على إرادة المصريين، ومحاولة تغييبها، والقفز على حقيقة موضوعية محايدة، وهي أن ثمة انقسامًا في الرأي والرؤية بين المصريين. انقسام واضح للعيان، فضلاً عن تجليه في نتائج الانتخابات المتكررة: لا توجد أغلبية ساحقة ماحقة في مقابل أقلية تافهة لا يؤبه لها من الخونة والكفار. 
إنه انقسام حقيقي ليس مصطنعًا. جماهيري، ليس نخبويًّا؛ ومن ثم فواجب قيادات كل نخبة سياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، التسليم دون مماحكات بأن ما يقرب من نصف الجماهير المصرية لم تكن مؤيدة له، والتسليم بأن النخبة التي تحتقر اختيار الملايين من أبناء شعبها، لأن اختيارهم لم يوافق توجهاتها، إنما هي نخبة محكوم عليها بالاندثار. 
وعلى كل طرف أن ينطلق من تلك الحقيقة محاولاً السعي بجدية، ودون تعالٍ، نحو تغيير الواقع الجماهيري لصالحه، ملتزمًا بآليات الحوار والاحتجاج المدني السلمي؛ وإلا فإننا نكون حيال محاولة للدفع في اتجاه تسلطي نخبوي تصادمي دموي لا يبدو أن غالبية المصريين يقبلون الانسياق إليه.
ألا هل أبلغت؟ اللهم فاشهد..

ليست هناك تعليقات: