الجمعة، 17 مايو، 2013

في ذكرى النكبة هل نضرب لنا موعدًا مع العقل؟


عبد الرحيم على

تمر اليوم خمسة وستون عامًا على إعلان قيام دولة إسرائيل، خاض خلالها العرب أربع حروب، وغزت إسرائيل أربع بلدان، ونفذت عشرات المذابح، واستطاعت - بفضل سياسة الحائط الحديدي التي ابتكرها "جابوتنسكي" وثبتها "بن جوريون" ونفذها بدقة "ديان، وجولدامائير، وإسحاق شامير، وشيمون بيريز، وشارون"، أن تضاعف ما استولت عليه من أرض، بموجب قرار التقسيم في 29 نوفمبر عام 1947، ليدشن بذلك بن جوريون شعاره التاريخي الذي ما زلنا نردده -نحن العرب- وكأنه من صنعنا "الأرض مقابل السلام".
 وعلى الرغم مما حدث على الساحة العربية من متغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية، طالت عروشا قوية وأنظمة عتيدة، وانتهت بوصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في عدد من الدول العربية، في مقدمتها دولة المواجهة الأولى مع إسرائيل، مصر،  ظلت السياسة العربية تجاه إسرائيل تراوح مكانها بين التخبط والعشوائية، وعدم وضوح الرؤيا، وغياب التصور الإستراتيجي المتكامل، والهدف الموحد في التعامل مع هذا الصراع التاريخي في مجمله. بينما راحت السياسة الإسرائيلية تحافظ على إستراتيجية ثابتة لا تتغير في التعامل مع العرب، تنطلق من تثبيت فكرة "جابوتنسكي" عن الحائط الحديدي؛ السياج الذي يظل يحمي إسرائيل من أي تفكير - مجرد تفكير- عربي في العصف بها، حائط يجعل من قبول العرب لإسرائيل - كأمر واقع - شيء بديهي.
 الإسرائيليون يسعون ونحن لا نسعى:
وعندما يحدث هذا، يصبح الحديث عن السلام والتعايش أمرا مقبولا - ولكن بشروط إسرائيلية. وظلت إسرائيل وقادتها أوفياء لهذا الخط، رغم تغير السياسات والحكومات والأحزاب. ولم نقف - نحن العرب- لحظة لندرس ونقيم ونتذكر؛ لأن الأمم الكبيرة -كما يقول الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل - تحيا لكي تتذكر. والأصح أنها تتذكر لكي تحيا؛ لأن النسيان معادل موضوعي للموت أو هو إحدى درجاته، في حين أن التذكر يقظة، واليقظة حالة من عودة الوعي قد تكون تمهيدا لفكر يقود إلى فعل، إذا استطاع أن يرتب لنفسه موعدا مع العقل. 
ومن عجائب القدر فإنهم -الإسرائيليين- دوما يقومون بهذا الفعل. أما نحن فنظل في مثل هذه الآونة نجتر الأحزان، ونلطم الخدود، وندبج قصائد الرثاء، لكننا أبدا لا نقبل على فعل أو حتى فكر يؤدي أو يرسم خططا. ليس بالضرورة أن ينفذها هذا الجيل، وإنما نقوم نحن بما علينا من دور ليأتي من بعدنا من يكمله، بالضبط كما فعلت الحركة الصهيونية عندما أقرت الفكرة، وسعت إليها طوال خمسين عاما 1898- 1948، ثم قامت بتدشينها كاملة وصولا للحظتها الآنية طوال ما يربو على النصف قرن الأخرى، وعي كامل ومواعيد منضبطة مع التاريخ لا يفلتونها أبدًا. 
وفي هذا الإطار تقوم حركة المؤرخين الجدد -الإسرائيلية وليست العربية بكل أسف - بإعادة كتابة التاريخ -خاصة تلك الفترة - في محاولة لرصد وإعادة ترتيب الحقائق -بمنتهى الموضوعية- منطلقين مما يطلقون عليه -هم لا نحن- الأكاذيب الإسرائيلية حول حرب 1948 -التي يطلقون عليها في إسرائيل حرب "الاستقلال"، ونطلق عليها نحن "النكبة "؛ حيث تحكي الرواية الصهيونية التقليدية تصورها لما حدث على أنه صراع ثنائي بين العدو العربي الموحد الصفوف وإسرائيل البالغة الصغر.
 وتبعًا لهذه الرواية -كما يوضح المؤرخ الإسرائيلي أيفي شلايم في كتابه "الحائط الحديدي"- قامت سبعة جيوش عربية بغزو فلسطين فور انتهاء الانتداب البريطاني، وفي ذهنها هدف واحد محدد هو "خنق الدولة اليهودية في مهدها"، ولكن هل هذا هو ما حدث بالفعل؟ إن الزعمين الأساسيين المرتبطين بالمرحلة الرسمية لحرب 1948 -كما يرصد شلايم- يتعلقان بالتوازن العسكري العربي الإسرائيلي، وبأهداف العرب من الحرب. 
حرب غير عادلة:
وبالنسبة للزعم الأول، يؤكد شلايم أن القوات العربية في منتصف مايو 1948 بلغت 25 ألف مقاتل، بينما وصل عدد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى 35 ألف جندي، زاد إلى 65 ألف في منتصف يوليو، ووصل في نهاية ديسمبر إلى مائة ألف، بينما لم تبلغ الجيوش العربية مجتمعة في هذا التاريخ نصف هذا العدد. هذا في الوقت الذي قلبت فيه صفقة الأسلحة "التشيكية" المشبوهة إلى إسرائيل الموازين الخاصة بالتسليح بنسبة 3.5 : 1 لصالح إسرائيل.. فهل هذا وضع يمكن الحديث فيه عن انتصار حققته إرادة دولة صغيرة على سبعة جيوش عربية؟

ويأتي الحديث عن الأهداف العربية للحرب -من واقع الوثائق التي أفرجت عنها إسرائيل بمناسبة مرور خمسين عاما عليها في عام 1998- مريرا وصادما إلى أقصى حد؛ فالجيل القديم من المؤرخين الإسرائيليين -كما يوضح شلايم- كان يؤمن بأن كل القوى المرسلة إلى فلسطين -والتي كانت في اعتقادهم تفوق اليهود عدة وعتادا- كان يجمعها هدف واحد هو تدمير الدولة اليهودية الوليدة، وإلقاء اليهود في البحر.
ولكن الواقع كان غير ذلك تماما؛ فبينما وضع الخبراء العسكريون للتحالف العربي خطتهم الموحدة للغزو، كان الملك عبد الله، ملك الأردن، والرجل الذي وضعت في يده سلطة القيادة الموحدة لهذه الجيوش، لديه هدف آخر من هذه الحرب، يتمثل في المساعدة في تنفيذ قرار التقسيم؛ ليحصل طبقا لهذه الصفقة على الجزء الغربي من فلسطين ويضمه لإمارة شرق الأردن، ويعلن نفسه ملكا للمملكة الهاشمية الأردنية. 
خيانة جلوب باشا:
ففي اجتماع -كشفت عنه الوثائق البريطانية، ونسخه هيكل كاملا في كتابه "العروش والجيوش"- تم بين "توفيق أبو الهدى" (رئيس وزراء الأردن آنذاك) ومستر "بيفن" (وزير خارجية إنجلترا).. أوضح فيه أبو الهدى لبيفن أن اليهود في فلسطين قد أعدوا حكومة وقوة بوليس وجيشًا لكي يتمكنوا من تسلم السلطة فور انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، في حين لم يستعد العرب بشيء. 
ولذلك فهناك احتمالان: 
الأول: أن اليهود سوف يتجاهلون قرار التقسيم، ويحتلون كل فلسطين حتى نهر الأردن.
والثاني: أن يعود المفتي "أمين الحسيني"، ويحاول تنصيب نفسه حاكما على فلسطين العربية. وأضاف أبو الهدى مستنكرًا: إن كلا الاحتمالين غير مقبول، خاصة أن الملك عبد الله تلقى في الأسابيع الأخيرة سيلا من الرسائل من وجهاء فلسطين يتوسلون إليه أن يقوم الفيلق العربي في الأردن بحمايتهم عندما ينتهي الانتداب البريطاني، وأن يكون الجزء العربي من فلسطين اتصالا مستمرا لحدود شرق الأردن.

 وقبل أن يفرغ الجنرال جلوب من ترجمة العبارة الأخير، قاطعه بيفن قائلا: إن ذلك هو الشيء الوحيد المعقول والمقبول من بريطانيا، شريطة ألا يتجاوز الفيلق العربي ما هو مخصص للفلسطينيين في قرار التقسيم، ثم وجه كلامه للجنرال جلوب قائلا: كما أنني أتوقع من الفيلق العربي ما هو أكثر من ذلك، وهو أن يمنع غيره -من العرب- من اعتراض تنفيذ قرار التقسيم بالنسبة للجزء المخصص للدولة اليهودية. 
وبالفعل.. فطوال الحرب نجح الفيلق العربي الأردني -كما تؤكد يوميات الحرب- في الدفاع عن مواقعه في لاكرون ورام الله والقدس القديمة، ولكنه لم يحاول أبدا -رغم توافر الفرص- الاستيلاء على أي أرض تابعة للدولة اليهودية في قرار التقسيم.

وترصد الوثائق الإسرائيلية ما هو أكثر إيلاما حول عدد من اللقاءات، تمت بين الملك عبد الله وجولدا مائير، اتفقا فيها - قبل اندلاع المعارك - على قبول الملك لقرار التقسيم، والمشاركة الرمزية في الحرب لمنع أي أحد من المساس بالحدود التي نص عليها القرار. وفي الوقت الذي تطلب فيه الإشارة 293/5 -التي جاءت في يوميات الحرب - من قيادة الجيش المصري سرعة ضرب تل أبيب - بسبب إغارة طائرة إسرائيلية من طراز "أوستن" على عمان - كان جلوب باشا قائد الجيش الأردني يسحب قواته إلى المنطقة الوسطى بزعم المحافظة عليها؛ الأمر الذي أدى إلى كشف مواقع جيوش عربية عديدة على رأسها الجيش المصري، وهو ما سهل هزيمته، وسهل في ذات الوقت من مهمة إسرائيل بتجاوز خطوط التقسيم المتفق عليها في القرار.

النقراشي باشا..وسوء تقدير الموقف:
ولم يكن الحال في الأردن أكثر قتامة من مصر؛ فقبل يومين من انتهاء الانتداب وتحت ضغوط شعبية هائلة، وقف النقراشي أمام مجلس النواب المصري ليدافع عن قرار الملك فاروق بدخول الجيش المصري إلى فلسطين، مؤكدا على قدرة الجيش على ردع العصابات الصهيونية، وموضحا أن الجيش يملك أسلحة وذخائر تكفي للقتال لمدة ثلاثة أشهر.. هذا في الوقت الذي أكد له فيه اللواء "أحمد المواوي" (القائد العام للقوات المصرية في فلسطين) عندما استدعاه النقراشي وحيدر باشا لسؤاله عن أحوال الجيش بأن الحالة سيئة للغاية، والوحدات غير مدربة، ونحن غير مستعدين على الإطلاق لدخول حرب. فطمأنه النقراشي بقوله بأن الملك يعتقد أن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية وليست عملا حربيا، مضيفا أن المسألة ستسوى سياسيا بشكل عاجل، وأن الأمم المتحدة ستتدخل لحسم الموقف.

وهذا هو السبب الرئيسي وراء التغير المفاجئ في موقف الملك فاروق من المعارضة في دخول الجيش المصري، ومساعدة الفلسطينيين بالمال والسلاح إلى الموافقة على فكرة التدخل؛ فقد تولدت لدى الملك قناعة، بأن الجزء الأكبر من واجبات القتال سوف يقع على كاهل الجيش الأردني، بالإضافة إلى الوهم الذي تبادر لذهن الملك ووزير حربيته برغبة بريطانيا في تأديب اليهود قبل خروجها من فلسطين شريطة ألا يحدث أي تجاوز لقرار التقسيم؛ الأمر الذي سيسمح بعمل دعائي يخرج الملك من حرجه دون أية خسائر حقيقية.

هكذا أدار الملوك العرب الحرب مع إسرائيل، كل عرش له مصالحه وأهدافه التي تحركه، والتي اختفت جميعا خلف حجة تأمين فلسطين للفلسطينيين؛ ففي الوقت الذي راحت الوكالة اليهودية تتحرك بحسم - منذ صدور قرار التقسيم- نحو إقامة دولة يهودية في فلسطين؛ فإن العرب لم يتوصلوا إلى تصور واضح لما يمكن أن يطرأ خلال الأسابيع القادمة، معتمدين على ما راحت تردده بعض الجهات الأمريكية - خاصة شركات البترول - من أن الموقف الأمريكي في طريقه للتغيير؛ الأمر الذي سوف يؤدي إلى وضع فلسطين تحت وصاية دولية لعدة سنوات حتى تتاح للأطراف المعنية مراجعة الحقائق والمواقف جيدًا.
ندرس الأكاذيب لأبنائنا:
لذلك لم يكن غريبا أن يحدث ما حدث في الفترة من 15 مايو 1948 وحتى يناير 1949، عندما انصاعت جميع القوات العربية والإسرائيلية لقرار وقف إطلاق النار؛ حيث أصبحت إسرائيل تسيطر ليس فقط على 55% من الأرض وفقا لقرار التقسيم، ولكن على 78% من الأرض، زادت إلى 100% بعد يونيو 1967 -الذي شهد وقائع قريبة الشبه لما حدث في 1948- وما زلنا للأسف نكرر لتلاميذنا في كتب التاريخ أكاذيب كثيرة وكبيرة حول ما حدث دون أن نجرؤ ولو لمرة واحدة على ذكر الحقيقة لعلنا نستطيع إعادة القراءة واستيعاب الدرس واستعادة الوعي الذي فُقد!! وليت الأمر يقف عند هذا الحد، ولكن المصيبة الكبرى بدأت عندما راحت مطالَبات الملوك والرؤساء العرب تخفض من سقفها عاما بعد عام.

فبعد رفض المفتي الحاج "أمين الحسيني" لقرار التقسيم الأول الذي أقرته لجنة "بيل" عام 1937 عقب اندلاع الثورة العربية، الذي قضى بدولة يهودية صغيرة على مساحة خمسة آلاف كيلومتر مربع؛ ومرورًا برفض إقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني يعيش داخلها أقلية يهودية -طبقا للكتاب الأبيض عام 1939- تحت زعم أنه لا يجب أن يقيم الفلسطينيون دولتهم بقرار الإنجليز، وأنهم يجب أن يحاربوا في صفوف الألمان ضد الإنجليز ثم يقوموا بإخراج الجميع -يهودا وبريطانيين- معلنين قيام دولتهم الفلسطينية (هكذا كانت رؤية الحاج أمين مفتي القدس الذي شرع في تنفيذها حينذاك)، ثم رفض قرار التقسيم الخاص بالأمم المتحدة عام 1947 الذي منحت فيه إسرائيل 55% من الأرض كان يسكنها آنذاك 400 ألف فلسطيني ونصف مليون يهودي وصولا لاضطرار العرب بعد الخامس من يونيو 1967 إلى قبول القرار "242" الذي يقضي بعودة الأراضي التي احتلت عام 1967 مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل. وبعد أكثر من خمسة وأربعين عاما، يتحدثون الآن عن دولة منزوعة السيادة على 42% من الضفة و70% من القطاع، ويرجون من إسرائيل أن توافق على إشراف عربي فلسطيني ديني على الحرم القدسي.

هذا ما أوصلتنا إليه سياسات مرتبكة، ورؤى غائمة، وفُرقة لم تزل تفعل في الجسد العربي ما يفعله السرطان في جسد من يحمله. وإمعانا في غيوب الرؤية، وضبابية الموقف، نسد آذاننا عن السمع، وعيوننا عن النظر، وعقولنا عن الفهم والتدبر والتفكير في محاولة للنسيان، هروبا من المسئولية، مشرعين في وجوه الجميع، سيف الأغاني والشعارات التي لا تصنع سوى الوهم.

ليست هناك تعليقات: