الجمعة، 10 مايو، 2013

العزف مع حركة "كتالة" النوبية(4)..الإخوان هم النسل النقي للهكسوس


كان البدوي العربي الفاتح المسلم لا يعرف معنى الوطن ولا المواطنة، كان بدويًّا متحركًا دومًا وراء البئر والكلأ ليغزو القبائل الأخرى، ويأخذ أهلها عبيدًا، بعد أن يقتل القادرين على القتال منهم، ويستولى على البئر والأنعام والنساء والأطفال غنائم، ثم يتحرك إلى غيرها ليغير عليها، فهو لا يعرف معنى الارتباط بالأرض والاستقرار عليها وإعمارها، فالعالم كله قابل للغزو بالجهاد عند القدرة والتمكين، وطنه الدين المتحرك معه كتحرك الحمى مع القبيلة، ولأنه الغريب غير المواطن فيشغله أن يلغي المواطنة تمامًا وخاصة عن المواطنين الأصلاء، الممتدين بأصولهم التاريخية في عمق التاريخ المصري القديم، وهؤلاء الأصلاء الصرحاء في أصولهم المصرية هم الأقباط والنوبيون. هم الامتداد التاريخي للمصري القديم على أرض الوطن، بحدوده الجغرافية المعلومة من فجر التاريخ، بعد أن تم توحيد القطرين على يد الملك المظفر مينا. وحافظ القبطي سرًّا في كنائسه على اللغة المصرية القديمة ليستخدمها في الأداء الطقوسي كي لا تندثر، ولم يحتسبها العرب لغة إنما أداء شعائري لا يشغلهم، حافظ عليها منطوقة وحافظ عليها مكتوبة بالخط اليوناني، مما ألحق بها بعض التحريف، وحافظ على السلم الموسيقي المصري القديم في تراتيله الكنسية، التي شكلت بعد ذلك مقامات التجويد القرآني عند أعلام مثل "مصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد والبنا والشعشاعي" الذين تم إقصاؤهم بدورهم مع إعادة فتح مصر ليحل محلهم الحجازي الحذيفي والضبيعي وكل ناهق في البيداء.
كذلك النوبي حافظ على لغته المصرية القديمة، بعد أن لحقها بدورها بعض التحريف، لكنها لم تكن للأسف مكتوبة، ومن هنا فُقدت الأبجدية المصرية القديمة وبقيت اللغة في محاريب الكنائس وبيوت أهل النوبة وبقيت المقامات الموسيقية في قراء القرآن العظام. هؤلاء وأولئك هم من يشكلون الشاهد الحي على الوطن المصري وحدوده وتاريخه، وهم الشاهد الحي على هول ما فعل الغازي العربي بمصر، الذي كان همه الأول هو القضاء على فكرة المواطنة والوطن، وتحويل مصر إلى ولاية تابعة للإمبراطورية الإسلامية، وقضى على تاريخها بهدم ما أمكن هدمه من معمارها واستخدم أحجاره المقلوعة في بناء المساجد والقصور للسادة العرب، وقضى على الأحجار المنقوشة بالكتابة المصرية القديمة البارزة، فكانت أفضل أحجار الرحى للطواحين لحروفها البارزة القادرة على الطحن، حتى زوال اللغة المكتوبة.. وهكذا أمكن القضاء على الهوية المصرية والانتماء الوطني ليحول مصر وشعبها إلى إرث للفاتح ونسله من بعده، لذلك يظل من تمسكوا بمصرهم ومصريتهم هم الأشد مقتًا وكراهة لورثة البدوي الغازي، الذي لا يعترف بشيء اسمه الوطن أو المواطنة. 
منذ أن أمسكت القلم وقررت أن أكون كاتبًا وأنا لا أمل التأكيد على أن إسلاميي الهوية والثقافة، الذين لا يعترفون بالهوية والثقافة المصرية ذات الروافد الثلاثة قديمها الفرعوني وأوسطها القبطي ثم حديثها العربي، هم غير مصريين، وليسوا فصيلًا وطنيًّا كما يزعم جهلاء الليبراليين الذين اعتبروهم فصيلًا وطنيًّا، وحاربوا لهم معاركهم ليدخلوهم لعبة الديمقراطية، التي لا تقوم إلا في وطن وفي دولة وطنية، لا يعترف بها الإخوان قبل أي قول.
 لم تكن كلمة "جالية" في خطاب السيد مرسى الرئيس (مشيرًا إلى سكان النوبة) زلة لسان ولا حتى فلقة لسانية، بدليل ما قرره بعدها العريان ثم حسين عبدالقادر. ولم يكن تواري قراء القرآن المصريين مجرد صدفة، وقبلهم قال مرشدهم السابق محمد مهدي عاكف: طظ في مصر وأبو مصر واللي في مصر، وفضل أن يحكمنا ماليزي على مصري غير مسلم، لأن المصري وخاصة الأصيل في مصريته لا يصح أن يكون سيدًا، والسيد لابد أن يكون مسلمًا، لأنه بالضرورة سيكون عربيًّا أو مستعربًا بالذوبان في ثقافة الغازي المحتل المستوطن، هو لا يعرف معنى المصرية ولا استقلال الوطن ولا الدولة الوطنية، هو فقط يعرف الميراث الذي تركه له الفاتحون الأوائل والثقافة الطائفية العنصرية، وبعده قال المرشد الحالي محمد بديع لصحيفة الشروق في 5/5/2011 : "لا نقبل أن ترتفع أصوات المواطنة والديمقراطية على صوت الدين والشريعة، الديمقراطية والحرية هي زواج المثليين، والوطنية هي زواج المسلمات من مسيحيين"،  ولا تعرف أين المشكلة في هذا الزواج مادام كلاهما مصريًّا، هؤلاء عندما هُزمت الدولة المصرية الوطنية أمام البدو العبريين الإسرائليين أبناء عم مرسي والعريان وعبد القادر وعاكف وبديع في 1967، رفعوا الشكر لله سجودًا لهزيمة المشروع الوطني المصري أمام بني عمومة العرب، هم من هللوا وكبروا لهزيمة 1967 المروعة، من الراحل متولي الشعراوي إلى محمد بديع، الذي كتب في واحدة من رسائله الأسبوعية للإخوان: "هزيمة مصر في 1956 و1967 هي انتقام إلهي". إنه اعتقاد ليس في رب الإسلام لكن في رب أكثر التصاقًا برب التوراة، رب للبداوة يضرب أرض مصر الوطن منذ بدو موسى والأسباط بتسليط الضربات العشر كالقمل والضفادع والطاعون وهلاك الزروع وتحويل النيل دمًا مُنتنًا في حالة حقد مرعب على المزارع صانع الحياة ... إلخ. لتصبح مصر الوفرة والعلم والفن والرخاء صحراء قفرًا كصحرائهم، رغم كرمها واستضافتها لهم ولكل أنبيائهم أعزة فيها كرامًا، دخلوها بشهادتهم بسلام آمنين، ويظل رب البداوة ناقمًا ليصب غضبه عليها في 1956 
و1967 دون سبب واضح سوى الحقد البدوي الكافر على المزارع المنتج المبهج المنجز الذي أخلص لربه بإعمار أرضه ليستحق فيها خلافته.
البدوي لا يملك وطنًا لأنه بدوي متحرك لا يستقر، لذلك استبدل الوطن بمفهوم الحمى (حمى القبيلة) الذي يتحرك معها أينما تحركت، وهي حمى غيبية تعود للأسلاف ولمعبود القبيلة الذي كانوا يحملونه معهم يجتمعون حوله كمعنى لأنه لا شيء يجمعهم، وكانت قبائل بني إسرائيل تحمل ربها يهوه مسترخيًا داخل تابوت العهد، لذلك يصعب على البدوي التعامل مع مفهوم الوطن حتى لو استقر في مكان وتوقف عن الترحال. يوسف القرضاوي كرر في كتابه "الإخوان المسلمون" ص 19، 20 وفي كتابه "ملامح المجتمع المسلم" ص 24، 57، 80، وفي حلقة "الظاهريون الجدد" على قناته "الجزيرة"، ما لا يمكن احتسابه فلتات لسانية، إنما هو أقوال فلوتة تعبر بوضوح عن موقف الإسلاميين من الوطن المصري، بإنكار مفهوم الوطن بالكلية، يقول ربيب الثقافة البدوية خائن وطنه وبائع شعبه بالدنانير والريالات : "إن المواطنة هي رابطة تراب وطين ولا تعلو أبدًا على رابطة الدين"، وإنه "ليس بمجتمع مسلم الذي تتقدم فيه العصبية الوطنية على الأخوة الإسلامية، ودار الإسلام ليس لها رقعة محددة، والنعرة الوطنية حدثت بتشجيع الاستعمار الغربي كي يحل الوطن محل الدين، ويكون الولاء للوطن وليس لله، وأن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله، بينما الصحيح أن يضحي الإنسان بنفسه من أجل دينه، وأن يضحي بوطنه من أجل دينه". إن مولاهم وفقيه زمانهم يضع الوطن في مصادمة مباشرة مع الله، فإما هذا وإما ذاك، ومعنى أن تعتز بوطنك وتضحى من أجله فأنت في حالة عداء مع الدين ورب الدين، وفي النشيد الإخواني العقائدي الذي وضعه القطب الإخواني عبدالحكيم عابدين يقول مبتداه: "وطني الإسلام لا أفدي سواه .... وبنوه أينما كانوا إخواني". وهو ما يفسر لنا الإقصاء المستمر المتعنت والهستيري للأقباط والنوبيين وقراء القرآن، لأنهم هم سكان الوطن والشاهد الحي على امتداده الحقيقي في تاريخه وفنه المصري العريق، والمنكر الحي والمستنكر لمحاولة الغازي المستوطن سلب المصريين الولاء لوطنهم، وتوجيه الولاء إلى بوادي الحجاز شرقي البحر الأحمر.
السؤال المتوتر يفرض نفسه عن سبب اختصاص خصيان الأعراب لأهل النوبة الآن بالإهانة والتبخيس واعتبارهم أغرابًا عن مصر لأنهم ليسوا مواطنين مصريين، ويدهشك هنا حجم الجرأة الهاذية والذهانية بقوم لا يعترفون أصلًا بشيء اسمه الوطن، لكن أبدًا لا يدهشني ذلك لأني أعلم جيدًا الأسباب التاريخية التي لم ينسَها الإسلاميون ورثة الثقافة الحجازية لأهل النوبة المصرية، وهو ما يعود بنا إلى زمن الغزو البدوي الهكسوسي الذي سجله التاريخ كأبشع زمن مر على مصر، ويصفه علم المصريات كأنه ستارة سوداء نزلت على التاريخ المصري، فلا إنتاج ولا إبداع ولا فن ولا معمار بل انقسام وقتال وتناحر بين الفرق حتى عادت مصر أقاليم منفصلة، وذو العلم يخبرنا أن مصر الحقيقية لم تعد للظهور بعلمها وفنونها وتحضرها ورقيها الإنساني إلا في الأسرة السابعة عشرة، التي حررت مصر من الغازي البدوي ومعها عاد انقشاع الستارة السوداء مع طرد الهكسوس من مصر لتعود مصر تعزف للدنيا معزوفة الحياة.
والاسم "هكسوس" يعيده المؤرخ اليوناني "هيرودت" إلى كلمة يونانية من شقين ملصقين هما "هيك" وتعنى الملوك و" سوس" وتعني الرعاة، وهي كلمة مأخوذة من الكلمة المنطوقة بالمصرية القديمة "حجازوت" وحرف الواو للإضافة وحرف التاء للجمع، فتكون الكلمة هي "الحجازيين" التي نقلها اليونان (حجاز) "هكاس" وأضافوا إليها التصريف اليوناني للأسماء (و" س" أو U S ) فأصبحت "هيكسوس"، أو "هكسوس"، وفي كتابي "النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة"  (ثلاثة مجلدات كبرى) قدمت بحثي عن أصول الهكسوس الذين كانوا ملوكًا بدوًا متحالفين يعودون إلى بوادي الجزيرة الممتدة من المحيط الهندي جنوبًا إلى جبال طوروس شمالًا. وكان بدو هذه المناطق عبئًا دائمًا على المصريين، يكمنون للفلاح في بواديهم لينتظروه حتى يحرث حقوله ويبذر حبوبه ويروى زروعه، حتى يأتي موسم الحصاد، لينزلوا على الحدود الشرقية كالجراد ليقتلوا الرجال ويأخذوا النساء والأطفال ويفروا بالمحصول، ولا تجد فرعونًا واحدًا لم يقُم إبان ملكه بحملة ولو واحدة على الأقل لتأديب "الشاسو" وهي كلمة تعني "المتحركين دومًا" أي البدو، وتأديب "الحجازوت" ومطاردتهم حتى شرقي خليج العقبة الحالى. 
ومع بدايات القرن السابع الميلادي جاءت غزوة "حجازوت" أخرى كبرى لتكتسح بلاد الحضارات شرقي المتوسط، وضمن قوادهم كان ابن النابغة (والنابغة هي أمه وكانت داعرة من صويحبات الرايات الحمر، وكان قد عاشرها أربعة من قريش، اختارت منهم العاص بن وائل السهمي أبًا لمولودها، فسمي عمرو بن العاص). الذي دخل مصر فاتحًا، وطال الزمن بالغزاة ما ينوف على الستة قرون دون أن يتمكنوا من إخضاع الجنوب المصري حصن المصريين التاريخي، فقد ثبت النوبيون للعرب الغزاة وصمدوا، وأطلق عليهم العرب "رُماة الحدق" لحسن تصويبهم السهام على عيون الجند العربي، ونكاية فيهم أطلق عليهم العرب اسم "السودان" من لونهم الأسود على وزن فعلان، لتأكيد شرهم وشيطنتهم، وتبخيسًا لهم وتحقيرًا، حتى قال الحافظ بن كثير في التفسير: "إن الحبش وسائر السودان فلعمري إنهم إن لم يكونوا من نوع البهائم، فما نوع البهائم عنهم ببعيد/ تفسيره آية 24 / النساء".
لقد تحصن النوبيون المصريون في الجنوب في تكرار لذات المشهد القديم زمن أحمس، حين تحصن المصريون عند الأقصر، وحافظوا هناك على ثقافتهم ولغتهم حتى تمكنوا من قوتهم وطردوا الهكسوس من مصر جميعًا وأسسوا الأسرة السابعة عشرة، وقد تم ذلك بمساعدة الحبش (سكان كوش امتداد النوبة الأفريقي) بحكم العلاقات النسبية والعنصر الأصيل المشترك.
هذا هو الثأر التاريخي الذي دفع مرسي والعريان و عبدالمقصود وغيرهم للإفصاح عن كراهيتهم الدفينة للنوبيين، الذين اضطروا مع مرور الزمن وتكاثر الحرب عليهم ستة قرون وربع القرن لأن يعودوا للوطن الأم ويسلموا ويستعربوا، لكنهم حتى لا يفقدوا هويتهم المصرية احتفظوا بلغتهم القديمة، بينما تمكن العرب الفاتحون من فرض جزيتهم على نوبت/ النوبة/ أرض الذهب اللماع، في شكل عدد من النوبيين يتم تسليمهم ليستخدموا عبيدًا للعرب، حتى صار اسم العبد الدارج في العربية مرادفًا للون الأسود، فنقول عن الأسود عبدًا حتى لو لم يكن كذلك، ورغم أن العبيد تاريخيًّا كانوا من كل لون أبيض وأصفر وأحمر، فقد ظل العبيد هم أصحاب اللون الأسود في الثقافة العربية، وصكوا المثل الذي كرره المتنبي عن ملك مصري لكنه أسود مسميًا إياه بالعبد في قوله "لا تشترِ العبد إلا والعصا معه، إن العبيد لأنجاس مناكيد". وكل هذا لأن المصري الأسود كان هو الأصيل في مصر، والأكثر استعصاء على العبودية والإرغام والانقياد، وهو الوحيد بين ألوان العبيد المعروف بأنه "يحرن" على سيده، أي يواجهه بالرفض والعنف إذا عامله بسوء أو أهان كرامته الإنسانية.

ليست هناك تعليقات: