الجمعة، 10 مايو، 2013

العزف مع حركة "كتالة" النوبية (3)..الإخوان وإعادة فتح مصر


وكيل الحزب الإخواني الفلتان "عصام العريان"، عندما قدم أطروحته التاريخية في الأصل الهكسوسي لأهلنا في النوبة بغرض سلب المواطنة المصرية عنهم، إنما كان يعمل وفق منهج بحثي هو "تكلم الداعرة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك"، لأن ما قاله لا علاقة له بعلم ولا بتاريخ إنما هو لون من كيد العواهر اللائي يستشعرن النقص في دواخلهن ويعلمن بنقصهن يقينًا عن غيرهن فيلقين عارهن على غيرهن، ويختصصن به أشراف الخلق دون أصحاب النقائص، لأن الناقص لن يعيبه تعييره بالانتقاص، فالعريان وجماعته ينتميان لثقافة لا علاقة لها بمصر، لأنها ثقافة بدوية واردة تختلف بالكلية عن ثقافة المزارع وخبراته التاريخية الطويلة مع نهره وزرعه، لذلك عندما دخل الإسلام مصر قام المصريون بتمصيره لتكييفه مع ظروفهم ومع بيئتهم ونظمهم، وهو مالم يُرضِ الإسلاميين المحدثين ممن تابعوا ابن عبدالوهاب الحجازي، واعتبروا أن كل المصريين قد خرجوا على صحيح الإسلا، وصار الواجب إعادتهم إلى هذا الصحيح، لذلك أقاموا جماعتهم "الإخوان المسلمين" لتمييز أعضائها عن بقية المجتمع من الإخوان الكافرين، وعنهم خرج شكري مصطفى وجماعة التكفير والهجرة ثم عمر عبدالرحمن - الجماعة الإسلامية، ثم الشوقيين ثم تنظيم الجهاد.. إلى آخره، على مختلف التسميات التي تحتكر صحيح الإسلام وتنفيه عن غيرهم من المسلمين المصريين، وبنظرة سريعة غير مدققة تكتشف بسهولة اجتماعها جميعا عند الإسلام البدوي الصحراوي، والوهابي التيمي المودودي القطبي بشكل خاص. ومع هذه الثقافة التي تحمل العداء للمجتمع وتكفره لكي تعطي نفسها حق إعادته للصواب، وهي الإعادة التي لا تتم إلا بالسيادة عليه والتمكن من مفاصله، وتحمل كراهية مركزة للتاريخ المصري القديم والتاريخي للمزارع، بل تحتقر العمل اليدوي عموما زرعًا كان أم صنعًا بحسبان الشرف كله إنما يكون تحت شبا الرماح وظلال السيوف، لذلك كان شعارهم السيفين المتقاطعين، لا منجل فلاح ولا مطرقة عامل، لذلك أشد ما كانوا يكرهون الرمز الشيوعي للمنجل والمطرقة. أما الكراهية العميقة والتي تعيب أي مواطن لو كان مواطنًا فهي تحقيرهم للمجد المصري القديم وتصويره وثنية مبغوضة وفنونًا كافرة وصناعة وحرفًا يدوية وفنية هي "الإكارة" أي العبودية، فالأكّار هو من يعمل عملًا يدويًّا، و"يكريه" أي يستخدمه الحر ليقوم له بما يأنف عمله، و"الأُكري" أو (الأُجري) هو العامل بيديه، والحر غير الأُجري هو تحديدًا العربي المسلم المقاتل الفاتح الغازي المستوطن، وعداه عبيد له، ولو أسلموا يظلون "موالي" للسيد الفاتح ومجرد أكارين لديه يدفعون الخراج بدلًا عن جزية من لم يسلموا.
العريان وجماعته هم بقايا احتلال حقيقي حدث لمصر مع الفتوح الإسلامية التي حملت لمصر دينًا كريمًا لكنها حملت معها أيضًا جاهلية العرب وعادات وتقاليد ونظم الجزيرة البدوية، فكان احتلالهم مصر هو الأكبر كارثية من أي احتلال سبقه، وأشد نكرًا من احتلال الهكسوس والفرس واليونان والرومان والفرنسيس والإنجليز مجتمعين. والعريان يعود بثقافته وولائه لهذا الغزو الاستيطاني، الذي أخذ على عاتقه محو الثقافة المصرية وقطع المصريين عن حضارتهم وبتنجيس وتبخيس هذه الحضارة وتدعيرها وتوثينها، بتنجيس الفراعين مقابل موسى وشعبه، وهم (العبرانيون) أبناء عمومة العريان ويشاركونه نسبه الأصيل، مع اعتبار كل إنجازات مصر القديمة عارًا يجب محوه محوًا لنسيانه تمامًا، بتحويل الروح المصرية عن الاعتداد بالذات استنادًا للأصل الحضاري، إلى انكسار النفس وانتكاس الذات للشعور بالعار من صناع المجد القدامي، الذين كانوا من المغرقين، لأنهم كانوا من الكافرين برب اليهود ورب الإخوان المسلمين. وأمسى الفرعون رمزاً لكل ما هو شر من تجبر وعتو وكفر واستبداد.
وبسبيل تحقيق هذا الغرض والقضاء على المد الحضاري القديم في الروح المصرية، تقرر تعريب الدواوين، حتى لا يتمكن المواطن المصري من الحصول على العمل دون إتقانه لغة الغازي المحتل، واستكمل الولاة الغلاظ القساة المهمة بقوانين تجريم التحدث بلغة مصر، وكانت العقوبة بقطع لسان من يتكلمها، وأبرز هؤلاء الغلاظ العتاة كان "قرة بن شريك" الذي لايزال يتواجد بيننا في شارع يحمل اسمه عند ميدان الجيزة، حتى اليوم، اعترافا بذل المصري أمام الغازي!
كان مطلوبًا أن يفقد المصري الوعاء الحامل لثقافته وعاداته وتقاليده وتراثه وحضاراته لينقطع عن تاريخه، وأن يبدأ لمصر تاريخ جديد من لحظة دخول الغزو الحجازي إلى حصن نابيلون.
وقبل مرسي وقبل العريان وقبل التمكين، كتب خيرت الشاطر وثيقته "إعادة فتح مصر" في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، لاستعادة ميراث الفاتحين الحجازيين مرة أخرى، بالتخطيط للتمكين من السيادة، بعد أن تمكنوا من العقل والروح المصرية، بالتمكن من مفاصل الدولة وهياكلها الإدارية، وصولًا بعدها إلى الكرسي الأعظم للوطن.
وقد كان لهم ما أرادوا في فرصة تاريخية ذهبية لا يجود بها الزمان مرتين، فقفزوا فوق الثورة المجيدة بغزو جديد وبدين جديد لا علاقة له بما عرفه المصري عن الإسلام، دين أسسه ابن تيمية وجدده ابن عبدالوهاب في براري وفيافي وقفار الحجاز، فبما أن الإسلام قد أكد انتهاء زمن النبوات وأن الإسلام خاتم الديانات ونبيه خاتم النبوات، لم يعد ممكنًا أمام المتنبئين الذين يريدون النبوة من حل سوى الإعلان أن دينهم الجديد هو ذاته الإسلام القديم لكن بعد التجديد والتحسين والتكميل. 
إن الجزء الأخير من وثيقة الشاطر "إعادة فتح مصر" يعني بوضوح إعادة فتح مصر بدين جديد، هو ما جاء به الوهابيون واعتنقه الإخوان المسلمون، بثقافة أكثر إمعانًا في البداوة وأكثر انغراسًا في التوحش البدائي، ولأنهم يربطون الدين الجديد بالدين الإسلامي الكريم، فإنهم يكونون أصحاب الحق في استعادة ميراث الفاتحين القدامي. فالمعلوم أنه بعد الفتوحات الإسلامية الأولى لبلاد العراق والشام ومصر، زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، جاءته المراسلات من رؤساء الجيوش، فجاءه كتاب من سعد بن أبي وقاص يسأله أن يسمح لجنوده بتقسيم المواطن التي فتحوها مغانم لهم وفيئًا أخذوه بسيوفهم، وكتاب من أبي عبيده بن الجراح يخبر الخليفة أن جنوده قد سألوه أن يقسم بينهم المدن وأهلها، كذلك جاءته الكتب من العراق والشام تطلب "أن يقسم الخليفة الأرضين المفتوحة على الصحابة الفاتحين، كما كانت تقسم غنيمة العسكر وكما تم في خيبر". وكان جيش سعد بن أبي وقاص قد بدأ بالفعل عملية التقسيم، فقسم المنازل والدور بين رجاله، وأنزل العيالات/ القبائل العربية المرافقة  في الدور فأقاموا فيها، بعد أن تركها أهلوها وهربوا فزعًا وذعرًا ورعبًا وتفرقوا عنها. ويحكي أبو يوسف في كتابه "الخراج" ص 24  وأبو عبيدة في "الأموال" ص 59 قولهما "والذي رآه عمر الامتناع عن قسمة الأرضين بين من افتتحها"، "وقد انتهى الخليفة إلى هذا القرار عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك، توفيقًا من الله كان له فيما صنع، وفيه كان الخيرة لجميع المسلمين (يقصد العرب)، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين لعموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفًا على الناس (يقصد العرب) من الأعطيات والأرزاق لم تشجن الثغور، ولم تقوَ الجيوش على السير في الجهاد". وهكذا تم تحويل الأرضين من فيء يوزع على المحاربين حسب شريعة الجهاد، إلى فيء موقوف دخله على العرب كملكية عامة على المشاع لجميع أجيالهم من بعدهم، وهو ما طبقه عمرو بن العاص في مصر، حين رفض تقسيمها على الفاتحين، وأقر ذات الرأي عثمان بن عفان، وكذلك الإمام على بن أبي طالب الذي قال: "إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير شيئًا وضعه عمر"، وهو ما استمر قائمًا في الزمن الأموي والعباسي والعثماني، ولم تسترد هذه الشعوب أرضها ومقدراتها وحدودها إلا مع سقوط الخلافة العثمانية، وبسبب اتفاقية سايكس بيكو المنعوتة بالمشئومة!!
وهكذا بقى أهالي البلاد المفتوحة أقنانًا يعملون على أرضهم ويفلحونها ويسددون الفيء للحكام ولاة وخلفاء وسلاطين، حتى لا تبور الزراعات وتتدهور الصناعات في حال توزيعها على الجند الفاتحين بحكمة عمرية معلومة. لكنهم مع أرضهم ظلوا ملكًا للخلافة وقفًا على سلالة الفاتحين، فنحن وفق هذا الميثاق العمري وبلادنا معنا إنما وقف وميراث لورثة الفاتحين، واليوم عاد الإخوان والسلفيون وخيرت والعريان لاستلام ميراثهم الموقوف عليهم باعتبارهم الامتداد لهؤلاء الأوائل، بدليل ما بيدهم من وثائق تاريخية، ودين فاتح جديد، يزعمون أنه امتداد توضيحي للدين القديم.  
ومازال لموضوعنا امتداد وتوضيح.

ليست هناك تعليقات: