الجمعة، 10 مايو، 2013

شهادة زمن ما قبل التمكين - 1


منذ نهاية حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وصاحب هذا القلم ينبه ويوضح ويشرح ويبين ويحذر وينذر، من ارتكاب جريمة السماح بإقامة أحزاب مصرية على مرجعية دينية، وأن دستور البلاد يجب أن ينص بداية على تحريم وتجريم العمل بالدين في السياسة؛ ولذلك تحديدًا، ولهذا الغرض، يجب أن يكون هذا هو الهم الأول قبل أي قول أو فعل سياسي؛ وذلك لصالح الدين ولصالح السياسة (وهو ما استفضنا في شرحه وتبسيطه لذوي العقول عساهم يفقهون)، وألا ننخدع بخطاب الإسلاميين المراوغ والمُرائي، والعمل على منعهم من العمل السياسي إلا في إطار أحزاب مدنية، وبخاصة الإخوان المسلمين منهم وبالتحديد. 
وبسبيل ذلك قدمت المئات من الشواهد والقرائن والدلائل والبينات، سواء من أدبياتهم، أو من تاريخهم، أو من الأيديولوجيا الدينية التي يقيمون عليها مسلماتهم، في الوقت الذي انحاز فيه زملائي من دعاة الدولة المدنية الحديثة للمنافحة عن حق هؤلاء في إقامة أحزابهم الدينية؛ أسوة بالأحزاب الدينية المسيحية في الدول الأوروبية (وغني عن الذكر أن المسيحية ليس فيها شريعة وحدود للتطبيق، وبهذا الشأن نحيل إلى العهد القديم من الكتاب المقدس بقول المسيح في الأناجيل: ما جئت لأنقض الناموس بل جئت لأكمل).
 وأفسح زملائي للإخوان ومن لف لفهم الأعمدة الثابتة في صحفهم المستقلة، مع حمل قضيتهم عنهم، والدفاع عن حقهم في الخروج من عملهم السري تحت الأرض إلى العلن؛ بذريعة نزع أشواكهم الإرهابية؛ حيث ستفرض عليهم ضرورات العمل السياسي العلني الانخراط في منظومة الدولة الحديثة وفق متطلباتها وآلياتها، وكان أكثر ما يزعجني في زملائي التحدث عن أصحاب الاتجاهات الإسلامية باعتبارهم فصيلاً وطنيًّا له كامل الحق في الممارسة السياسية الديمقراطية بأوامر هذه الديمقراطية، بينما كنت أزعم طول الوقت أنهم لا علاقة لهم بمفهوم المواطنة والوطنية، وأن ولاءهم ليس لِهُنا إنما لأجدادهم الغزاة الفاتحين في بلاد ابن عبد الوهاب؛ لذلك كان زملائي يعتبرونني مُغاليًا وأزعم الدراية بشئون انتهت من التاريخ وتنتمي إلى ماض مضى وانتهى من ألف وأربعمائة عام، وإصراري على أنها رغم قِدم عهدها فهي عقائد قائمة لديهم إلى اليوم، هو لون من المزايدة أو التَوهُم الكاره.
ومن جانبي ظللت على إصراري أنهم يحملون مشروعًا مختلفًا تمامًا عما نفهمه من معنى الدولة، بعيدًا عن معاني الحُب والكراهية، مشروعًا قديمًا يعود إلى أزمنة موغلة في القدم، وفي بيئة شديدة البدائية موغلة في القسوة، نسخة من قسوة الصحراء ولهيبها الحارق وبردها القاتل، بادية لم تكن عرفت بعد معاني مثل الدولة ونظام الحكم ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني والأحزاب والمعارضة والانتخابات، لكنه مشروع عند أصحابه هو الحل لكل مشاكلنا؛ لأنه قُدسي محمول بيد صاحبه خالق الخلائق.
 فالمسألة لا علاقة لها بالزمن، وأن ما يبدو في نظرنا كلامًا ابتدائيًّا هو نصوص قُدسية، هو بالقدرة الربانية يتجاوز كل مُستطاعات البشر وممكناتهم في أي زمن وأي مكان، ويمكنه أن يحقق مجده بنا، هو على الوجه الآخر -المستور غير المُعلن- مشروع يقسّم المجتمع إلى فرق وطوائف والانتماء فيه للجماعة لا للوطن، مع انتماء الجماعة لجماعات مثيلة في الطائفة خارج الوطن، تجتمع عقائدهم وقلوبهم وأرواحهم جميعًا حول بوادي الحجاز، دون مواطنين بداخل الوطن المصري يخالفون عقيدتهم، وهو ما لا يحمل معنى الفصيل الوطني بقدر ما يرجح خيانة الوطن لصالح الجماعة الأوسع الممتدة خارج حدود الوطن القُطر، وأن أول مهامهم ستكون تفكيك الدولة المصرية وتدميرها وصوملة المجتمع المصري، والعودة به إلى قرن الشريعة في القرن الأول الهجري حيث أفضل القرون؛ للعودة إلى القبلية الأولى التي تحتمل وحدها المفاهيم الشرعية الإسلامية وتصلُح لها.
ولو طبقنا الشريعة مع التنوع العرقي والديني والمذهبي في مصر لصار الأمر أقرب إلى المسخرة والكاريكاتور الهزلي الأسود والأزرق و"المنيل بستين نيلة" معًا. وأول المطاليب العملية سيكون هو تطهير البلاد من الداخل من المعارضين الذين ثبتت معارضتهم بالصوت والصورة، وبدأت البوادر مع الأزهري (محمود شعبان) بفتواه بذبح قادة جبهة الإنقاذ لأنهم خرجوا على الإمام محمد مرسي، أرسلوه للإعلام كقرون استشعار يجسون بها رد فعل الواقع قبل زيادة الغوص في الوحل. 
ومما لم يقله شعبان إنهم من الخارجين على إجماع الأمة، وهي الجريمة التي قُتل بسببها الصحابي الأنصاري سعد بن عبادة بأمر من الخليفة العادل عمر بن الخطاب، وليس شخصًا كالبرادعي أو عمرو موسى أو عمرو حمزاوي مع حفظ المقامات (لسعد بن عبادة طبعًا!!!)، ولأنهم –بالحديث الذي لم يقله شعبان- خارجون على الإمام؛ فحقت عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، حسب الحديث الشريف (فاقتلوهم).. هكذا بالأمر المباشر.. ولأن -مما لم يقله شعبان- النبي أخبرنا أن فرقة واحدة هي الناجية من ثلاث وسبعين؛ فتكون المعارضة في المعادلة هي الفرقة الثنتين والسبعين، فرقة الذين هم من الهلكى حسبما قال نبينا؛ فيتم إعدامهم حسب الحديث النبوي، مدعومين من الشرع بجمع غفير من الأحاديث يُكفّر من خرج على البيعة أو عصى الإمام أو ولي الأمر.
 وفي مما لم يقله شعبان تذكرة بتأديب خالد بن الوليد لبني يربوع، وهم من المسلمين المعارضين لبيعة أبي بكر، بل وتأديب آل بيت النبي، وفيهم العباس وعلي وفاطمة والحسن والحسين والفضل وغيرهم من آل البيت، بتهديدهم بالحرق داخل بيت فاطمة الزهراء على المجتمعين فيه إن ظلوا معارضين لبيعة أبي بكر، وتم اتهام كل من عارض هذه البيعة من خارج مكة والمدينة بالردة، فتم قتلهم بإلقائهم من شواهق الجبال (ولدينا برج القاهرة) وشيهم بالنار (ولدينا أفران مصانع حديد وصُلب عز)، وتنكيسهم في الآبار( لم أجد له بديلاً مناسبًا من زماننا وبيئتنا غير المجاري على النظام القديم "طرنشات يعني").
 وأغلب ظني أن أول ما يجب أن نقوم به بعد ذاك هو أن نُعيد تفعيل الفريضة الغائبة (الجهاد)، فنبدأ بشن الحرب على قبائل شُبرا المسيحية، وننهب أموالها، وننكح نساءها، ونستعبد أطفالها، كما فعل سيف الله المسلول في غزوات فتوحاته على قبائل عربية مسيحية هي بكر بن وائل، أو نُبيدهم كما أباد أهل (أُليس) ونُريح دماغنا من وجودهم ومن أنينهم المُزعج طوال الوقت، فقد أصبح لهم صوت مسموع، وقد خالفوا العُهدة العُمرية فأظهروا صُلبانهم، بل وهتفوا بكل فُجر بفداء الصليب، وأعلوا صوت نواقيسهم، ورفعوا أصواتهم بالبكاء على موتاهم، وأقاموا لهم السرادقات للتعزية العلنية في الشارع العام.. يا مُسلم!!!!!!، ويبنون ما تهدم من كنائسهم.. يا مواطن!!!!، وكله مما يُخالف شروط الوثيقة العُمرية، ويكونون بما تقدم ذكره قد أصبحوا مُحاربين لا أهل ذمة، بعد نقضهم العهود والمواثيق كبني إسرائيل..
 ونحارب قبائل النوبة؛ لأنها جالية بربرية، أو من أصول هكسوسية كما أعلن الإخوان، ولأنهم من جنس السودان المكروه من العرب الفاتحين، لكثرة ما قاوموا الفتح، ولأنهم أحفاد «رُماة الحدق»، الذين صمدوا للغزو الفاتح ما ينوف على ستة قرون، فثبتت كراهيتهم في قلوب المؤمنين.. ولا يخفى أن ضمن عملية تنظيف المجتمع لإقامة الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، يجب أسر الشيعة الروافض، والتنادي في البلاد بأسرهم، والإسراع بإعدامهم دون محاكمات؛ لأنهم أنجزوا محاكمة أنفسهم سلفًا عندما تشيعوا وسبوا الصحابة، فالمسألة واضحة بذاتها وقرائنها، وأدلتها متضمنة فيها لا ينتطح فيها عنزتان، يعني «بيلت إن». هذا بينما نُفسح المجال لقبائل ألتراس بورسعيد وألتراس المصري لممارسة النقمة والكراهية، مع تزويدهم بفقيه، ومُخترع حديث، ومُفتٍ، وأن يكون أحدهم نجمًا لقناة دينية، كشيخ غزوة الصناديق مثلاً؛ من باب الجذب للشو الإعلامي، تكون مهمتهم أن يجعلوا حرب كل منهم على الآخر، وقتل جمهور الأهلي لجمهور المصري، أو العكس، هو في سبيل الله، مع معاونة الطرفين لنصنع كربلاء عصرية، كربلاء التي فاقت في نسختها الأصلية وواقعها الدموي خيال هوليود؛ كي ينشغلوا ببعضهم البعض؛ لأنهم قوم لهم حُجة مستساغة من الشرع، ولهم قوة ومنعة وغلبة في النفر والنفير لا يُستهان بها، فتقوم الداخلية تنتقم لإهانات ألتراس أهلاوي لها، بعد عشرات المباريات بسب مباشر وعلني نقمة من تسلط الشرطة على المواطنين، وذلك بانتهاز الداخلية لفرصة مباراة بورسعيد بكمين بلطجية وأمن متخفٍّ لإيقاع مجزرة بالأهلي، وتعليقها برقبة ألتراس المصري.. 
ونكون قد عُدنا لزمن الفتن الكبرى؛ فيقتل الخلفاء الراشدون رعيتهم في حروب مُستدامة، ويقتل الصحابة الخليفة الراشد لأنهم لم يرو منه رشادًا، وتخرج عائشة على الخليفة عثمان ثم على الخليفة علي، ونفتح منافذ الفيئ بدول المُحيط الجغرافي، بينما فرعنا القاعدي السيناوي مُتحالف مع حماس يطرقون لنا أبواب بلاد كسرى وقصور قيصر بالضربات الإرهابية في محطات المترو، وتكون هي الموقعة الجهادية المباركة على ديار الحرب في بلاد الفرنجة ونسميها «غزوة المترو المُباركة لتحرير الفرنجة من حُكم الطاغوت بمضارب بني الأصفر»..
 ويكون "من حضر الانفجار أو سمع به قد بلغته الدعوة ولزمته الحجة"، هذا ما عقب به الشيخ السعودي الأشهر المنيع على ضرب بُرجي التجارة في منهاتن في 11 سبتمبر 2001، فنعيد المجد، وتمتلئ خزائن بيت المال، ونرفع عن أنفسنا إصر التقصير في التبليغ، ونفرش الأرض بأجمل الأيدي المقطوعة، مع النظام والترتيب في الرءوس المقصوصة على الحراب المزروعة، و نرفل في العز ونستعيد أمجاد الفتوحات ونتائجها البواهر، بعدما انقشعت غُمة التحرش الجنسي التي كانت تُؤرق راحة المجتمع المصري لزمن طويل، وتحقق الهدف الأخلاقي والقيمي الأول في مشروع النهضة، بعدما وصلتنا حقوقنا من سبايا (بني الأصفر)، وتم توزيعهن، لوفرتهن، على شبابنا بالعدل والقسطاس، حسب القاعدة الفقهية المناسبة للمكنّى عنه كناية وغير المُصرح به: كل حسب حاجته..
 وسيتحقق هذا عندما نعود إلى أم الفرائض (الجهاد)، فنحظى فورًا بالسيادة الموعودة بتحقيق الانتصارات التي سيرعاها الله من فوق سبع سماوات، والشاك فيها وفي نصر الله كافر بإجماع؛ لأن الله كما سبق ونصر الصحابة وهم قلة ضعيفة ذليلة فقيرة هزيلة مهزولة وفتح بهم العالم، حتى صار لكل منهم عشرات الجواري الفواتن وأموال وذهب يُكسر بالمعاول والفئوس، قادر على نصرنا ونحن جُهلاء البشرية.
كُنت أقول هذا لزملائي مرة -كما الفقرة السالفة- في سياق هزل وهو عين الجد، ومرة أُشير إلى حيث كان الجدُ مُمثلاً على الأرض في واقعنا مُرًّا كالعلقم نراه ونسمعه ونتذوقه وهو عين الهزل، لنتعلم كيف نستكشف معًا الخط الفاصل بين الجد والهزل، كان زملائي يصرون على إخلاصهم للمعنى الديمقراطي، مع وصمي بالفاشية والتطرف العلماني؛ حتى تحقق لهم المُراد من رب العباد، واستوى الإخوان وحلفهم على ظهورنا، ومعهم ظهرت العلامات والنذر بتقسيم المجتمع؛ تمهيدًا لإسقاط الدولة، فهنيئاً لزملائي، بئس الزملاء كانوا، وهم من يرددون اليوم كلامًا قلته من سنوات بعيدة، دون ذكر صاحب الكلام، ولو بالتلميح أو الإشارة؛ في انعدام أمانة نادر المثال غير مشكور، أو ربما لا يشيرون، ولا حتى يلمحون إليه؛ مغبة أن تلحقهم وصمة كُفري التي أسسها ونشرها الإسلاميون على صنوفهم في كل وسائل الدعاية والإعلان، أيام كنت أخوض المعركة الواضحة غير المزوقة ولا الملتبسة التي لا تتجمل ولا تُبسمل ولا تُحوقل ولا تتحرج ولا تتخفى، وحيدًا مفردًا، احتملنا بسببها -أنا وأسرتي المسكينة الطيبة المؤتلفة توحدًا في حُب بعضها البعض وفي حُب مصر- كل ألوان المهانة والظلم والمشقة.
 واللهم لا شماتة، فزملائي الأعلام المنتشرون هذه الأيام، يلطمون الخدود، ويشقون الجيوب على ما يفعله الإخوان بمصرنا، مصري الفاتنة، التي عاشت القرون المتطاولة دولة مركزية واحدة، حتى أعاد الإخوان فتحها من جديد، بمعاونة بائسة وغير مشكورة منهم، ومن أنصار الدولة المدنية الحديثة ليبراليين وقوميين وشيوعيين بأصواتهم، في خطأ هو كُبرى الخطايا، ومنحوا الإسلاميين الشرعية بمشاركتهم الفعل السياسي المُرتب والمدروس والمُخطط سلفًا لتسليم البلد تسليم مفتاح للإخوان، وانغرسوا معهم في مؤامرة علنية لا تخجل ولا تستحيي، وواضحة لا تحتاج ذكاءً كبيرًا لإدراكها، فقط كانت تحتاج تنزُهًا عن الغرض والطموح للزعامة وحُلم الرئاسة أو الوزارة، مع الصراحة الواجبة والتي لم تحدث مرة، بل كانت تخجل من صدقها مع نفسها أو اعتزازها بذاتها ومبادئها، وتخشى التكفير بإعلانها الخجول الولاء لشريعة لم تستطع أن تصلح زمانها حتى يمكنها أن تصلح لنا زماننا، تحسُبًا لتيار شعبوي جهول، وكسبًا لأصوات نعلم جميعًا، ويعلمون سلفًا، أننا لسنا أصحابها، وهو الفعل الذي حدث على مدار العامين الماضيين، ويُعد عندي جريمة عُظمى في حق الوطن وزهرة شبابه، وربما مستقبله لسنوات قادمة إذا كان هناك مستقبل، بأي معيار وزنته.
وللحديث بقية..

ليست هناك تعليقات: