السبت، 13 أكتوبر، 2012

عادل حمودة يكتب: من يعلِّم الرئيس فنون الحكم ؟





عادل حمودة 


ما أن قرر أنور السادات اختيار حسنى مبارك نائباً له حتى كلَّف أسامة الباز بمحو أميته السياسية.. وتدريسه فنون الحكم.. وتدريبه على ممارسة السلطة.. وكثيرا ما استخدم المعلم الشدة مع تلميذه.. وكثيراً ما كرر عليه الدروس أكثر من مرة كى يطمئن على أنه فهمها.. واستوعبها.

تنوعت المناهج التى استمرت نحو سبع سنوات بين معرفة صفحات وشخصيات وأحداث التاريخ واستيعاب بروتوكول الكلام والطعام والاستقبال.. بين كيفية اتخاذ القرار وأساليب حفظ الأسرار.. بين طرق التهرب من الأسئلة المحرجة وتدريبات التحكم فى ملامح الوجه خلال المفاوضات واللقاءات الرسمية.

وما لم ينشر من قبل أنه شارك فى المدرسة «الخاصة» التى تشكلت لتأهيل الرئيس الذى بقى فى منصبه نحو ثلاثين سنة ضابط مخابرات أمريكى شاب.. هو جون كيرك.. وصف يوم هبط مطار القاهرة بأنه «حامل مفاتيح السفارة الأمريكية».. فهو الذى أعاد فتح السفارة بعد أن أغلقت فى أعقاب حرب يونيه 1967 وجاء السفير هيرمان أيلتس ليكون على رأس بعثتها الدبلوماسية.

وجون كيريك أصبح فيما بعد سفيرا لبلاده فى سلطنة عمان.. وبعد هجمات سبتمبر عين مستشارا لوزير الأمن الداخلى بجانب ثلاثة آخرين.. وبسبب اعتراضه على غزو أفغانستان والعراق ترك منصبه.. وبعد شهور قضاها فى بيته تعاقد مع شركة يوينج ليتولى أعمالها فى الشرق الأوسط.. وكان مقره فى دبى.

كانت مهمته إعطاء مبارك دروسا خصوصية فى الوصول إلى أعماق الغرباء الذين يلتقى بهم.. وكشف الجواسيس منهم.. وعدم التورط معهم فيما يمس الأمن القومى.

إن كل المهن فى بلادنا تفرض على من يمارسها دراستها والتدريب عليها قبل احترافها.. إلا مهنة الرئيس.. ليست هناك مدرسة سياسية يستوعب فيها الرئيس أصول الحكم.. البرلمان يعلم نوابه الثروة.. الأحزاب تعلم أعضاءها الثرثرة.. والجماعات الدينية تعلم أمراءها الدعوة.. وكلها خبرات لا تصنع حاكماً.. ولا تؤهل رئيساً.. وكل من تربع على عرش السلطة فى بلادنا تعلم فى الشعب.. ودفعه للأمام خطوة.. وللخلف مائة خطوة.. وكان الثمن ما نحن فيه من فقر وقهر وتخلف وتعصب وأمية وعشوائية.

حاول جمال عبد الناصر جاهدا تشكيل مؤسسة رئاسية قوية تضم أفضل الخبراء فى مختلف المجالات بغض النظر عن ميولهم السياسية ومواقفهم الثورية.. وكل من بدأ معه شاباً أصبح فيما بعد نجماً لامعاً فى تخصصه.. الدكتور مصطفى خليل.. الدكتور عبد المنعم القيسونى.. المهندس صدقى سليمان.. الدكتور عبد العزيز حجازى.. الدكتور يحيى الجمل.. وغيرهم.

بل إنه استعان بشخصيات لمعت فى العصر الملكى.. الدكتور محمود فوزى.. السفير الذى أصبح وزيراً للخارجية مثلاً.. وصلاح الشاهد أيضا.

صلاح الشاهد ظل فى مكانه مسئولاً عن البروتوكول فى مؤسسة الرئاسة.. لم يقل أحد إنه «فلول» من «العصر البائد».. بل استفادوا من خبرته فى وضع قواعد صارمة لضبط الشكل والمظهر.. السلوكيات والتصرفات.. وبجانب كتائب الخبراء المشهود بتميزهم، تمتعت مؤسسة الرئاسة بهيبة مؤثرة سهلت تنفيذ ما يصدر عنها من سياسات وتوجيهات وقرارات وتصرفات.. وحرمت من فيها من تكرار الخطأ.. فالقاعدة هناك.. إن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير.

وفيما بعد.. تولى مبارك تفريغ الرئاسة من الخبراء.. واكتفى بمجموعة قريبة منه تسوى ما يطرأ من مشاكل أو أزمات باتصالات شخصية مع الأطراف الأخرى.. وانقلب دور المستشارين من تقديم المشورة قبل إصدار القرار إلى تبرير القرار بعد صدوره.. وهو ما منح الصحفيين والإعلاميين دوراً أكبر.. وإن لم يكن ظاهراً فى كثير من الأحيان.. ويعرف سكرتيرو الرئيس السابق أسماء رؤساء تحرير صحف مستقلة من المعارضين الآن كانوا جاهزين لتمرير وتبرير التوريث.. كما يعرفون أسماء مذيعات من قنوات مستقلة وحكومية حصلن على مكافآت مالية من الرئاسة بأمر مباشر من مبارك.

وبغياب أهل الخبرة والمشورة قويت شوكة زكريا عزمى.. ونجح فى السيطرة الباطشة على كل إدارات الرئاسة.. فقد أطاح بكل من شعر بتهديد بقائه.. وامتد نفوذه إلى خارج المؤسسة ليصبح من أهم مراكز القوى فى البلاد.. وتضاعف تأثيره فى صناعة القرار.. وتحكم فى اختيار وزراء ومحافظين وقضاة ورؤساء تحرير ومديرى بنوك.. فانهارت الرئاسة قبل أن ينهار النظام.. أو عجل انهيار الرئاسة بانهيار النظام.

وجاء محمد مرسى إلى السلطة.. حماسه أكبر من خبرته.. مشاكله أكبر من نشاطه.. انتماؤه للجماعة بتواجدها المحلى وتنظيمها الدولى أقوى من استقلاله الذاتى.. واختير له مستشارون يعيدون ترتيب ثيابه وسفرياته قبل ترتيب أفكاره وأولوياته.. فتضاعفت المتاعب.. وأزمنت المشاكل.. وراح يبحث عن دور فى الخارج بينما الداخل يغلى ويفور. 


وقد وجدناه يصرح بأنه لن يهدأ إلا إذا حلت مشكلة سوريا.. فى الوقت الذى لم يتوقف فيه طويلاً أمام مأساة تهجير الأقباط من قراهم وبيوتهم.. ووجدناه يعد بحل مشكلة تهرب مهاجرين مصريين فى إيطاليا من التجنيد دون أن يعد بحل مشاكل المعلمين والأطباء المضربين بسبب ضعف رواتبهم.. ووجدناه يرسم لنفسه صورة الرئيس «المؤمن» بنقل صلواته على الهواء دون أن يفكر فى صورة الرئيس «المنجز».

وراح رجاله يوحون لنا بأنه «ملهم».. «مبروك» .. «وش خير وسعد».. ما أن جاء إلى الحكم حتى فاض النهر.. وزاد إنتاج القمح.. وباركت السماء مصر.. وانخفض سعر كيلو المانجو إلى ثلاثة جنيهات.. وهو إيحاء ينفيه انفلات أسعار الغذاء والدواء والكهرباء.. ومئات الإضرابات التى عمت البلاد.. رفضاً للبلاء.

وشاءت سفرياته المبكرة أن تضعه فى طريق عبدالناصر.. فى إثيوبيا وجد صورته محفورة بالموزاييك فى منظمة الوحدة الإفريقية مع باقى مؤسسيها.. وفى الصين وجد إشادة به لأنه أول من اعترف بها.. وفى طهران كان عليه حضور مؤتمر لحركة عدم الانحياز التى فجرها.. ورغم ذلك وجدناه يلعن الستينيات « وما أدراك ما الستينيات» .. إشارة إلى ما تعرض له الإخوان وقتها.. وإن لم يكن ساعتها عضوا فى الجماعة.. فقد ضم إليها فى الولايات المتحدة خلال دراسته للدكتوراة.

إن الستينيات رسمت له سياسة خارجية مستقلة.. وإن لم تصل إليه بالعمق الكافى.. فإثيوبيا وما حولها فيما يعرف بالقرن الإفريقى منطقة مؤثرة فى الأمن القومى المصرى بما يتجاوز قضية المياه.. والصين بقوتها المتصاعدة أهم بكثير من التجارة معها.. وإيران التى تحدث منها عن عدم الانحياز تورط فى الانحياز ضدها.

حملت كلماته عن الصحابة مزيداً من التفرقة بين السنة والشيعة.. وهى تفرقة تغذيها الولايات المتحدة وإسرائيل لتكون سلاحاً عقائدياً فى الحرب ضد إيران.. بل إن هناك من يعتقد أن مساندة الغرب للإخوان فى مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا سببه المباشر عزلة إيران قبل ضربها.. وتحجيم رد الفعل فى حالة كسرها.. فبدعوى أنها شيعية لن تجد من يساندها من أهل السنة.. لتكون إسرائيل اليهودية أقرب إليها من إيران المسلمة.

وحملت كلماته هجوما حادا على نظام بشار الأسد.. وهو هجوم يستحقه.. بل يستحق أكثر منه.. محاكمته دولياً كمجرم حرب.. لكن.. العمل على التخلص من النظام السورى وما يستتبعه من انهيار لحزب الله هو إضعاف لإيران.. وقطع لبعض أذرعتها.. وهو ما يصب فى مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وعندما تحدث عن تجربته من السجن إلى الحكم والسلطة فإنه كان يحرض المعارضة الإيرانية كى تسقط النظام فى بلادها.

إن أخطر ما فى تحركات وسفريات الرئيس أن لها عمقاً خطيراً يتجاوز ما على السطح من تكبير وتهليل.. وهو ما يعنى أنه فى حاجة لمستشارين يكشفون له الأخطار قبل وقوعها.. ينصحونه قبل أن يتكلم ويتصرف.. وربما يعلمونه أيضا قبل أن يأخذ قراراً.. فليس عيباً أن يتعلم الرئيس.. بل يجب أن يتعلم الرئيس.. فخطأ واحد منه ندفع جميعاً ثمنه.. فمن يقوم بهذه المهمة؟
 

ليست هناك تعليقات: