الثلاثاء، 24 يوليو، 2012

تهاني الجبالي



ليس بسبب حملة التمزيق «الركيكة» التى تتعرض لها هذه الأيام المستشارة «تهانى الجبالى»، لأننى أصدق بيتَ المتنبّى الشهير: «وإذا أتَتكَ مذمّتى من ناقصٍ.. فهى الشهادةُ لى بأنىَ كاملُ»، ولا يستحقُ أولئك «الناقصون» إلا لمحة خاطفة لنرثى لحالهم، ونقول: «سلاما»، كما علّمنا القرآن فى مخاطبة الجهلاء. يستحقون الرثاء لأنهم حُرموا نعمة من أغلى ما أنعم الله على بنى الإنسان: العقل، الذى به يُميّزُ المرءُ رموزاً ونفائسَ تفخر بها مصرُ. من بينهم، دون شك، تلك السيدةُ التى اخترقت الحُجُبَ الكثيفة التى يسدلها رجعيون مصدوعو الروح على عقل المرأة، لكى تظلَّ أبدًا تابعةً، أسيرةً. صبيّةٌ متفوقة من أوائل الجمهورية بالثانوية العامة، التحقت بكلية الحقوق جامعة القاهرة، لتتخرج حقوقية نابهة تمتهن المحاماة ثلاثين عامًا، ثم تغدو أول «قاضية» فى تاريخ مصر الحديث، فى سابقة حضارية، تشيرُ إلى أن مصرَ مازالت «تكافح» الرجعيين الذين يتعلّقون بثوبها لكى يهبطوا بها للحضيض، إلا أن مصرَ تأبى إلا أن تُعيد مجدها القديم، حين جعلتِ المرأةَ ملكة قبل خمسين قرناً، بل و«إلهة» للحقّ والخير والعدل، كما تعلّمنا الميثولوجيا المصرية الساحرة. تُنبئُنا الجدارياتُ والبرديات الفرعونية أن أولَ قاضية ووزيرة عدل فى تاريخ البشرية، هى المصرية: «نبت»، قبل 7000 عام.، كانت «نبت» رأس المحكمة المصرية، قراراتُها نافذة وفق بنود «قانون العدالة»، الذى وضعه كبار حكماء ومستشارى ملوك مصر القديمة. هكذا حققت مصر أسطورة «ماعت»، ربة العدل، حاملة الميزان، معصوبة العينين، التى تُزيّن تماثيلُها الآن محاكمنا المصرية، وهكذا غدت «الجبالى» امتداداً لحضارتنا الراقية، لتطوى كلَّ الحقب الظلامية التى أخمدت صوت المرأة المثقفة. فى حضورها عودة لثقافة مصر التى تؤمن أن فاعلية المرأة تكريس لتوازن الكون وسيادة الأمن والسلام والخصب، ونبذ العنف والاقتتال. ولم تكن «الجبالى» قاضية وحسب، بل قاضية فى المحكمة الدستورية العليا، فى بادرة رفيعة تُحسب لمصر، ولم تكتف بما حققت، بل كافحت لتفتح الباب لقاضيات ونيابيات أخريات، معربة عن حزنها من توجّه بالقضاء المصرى ضد استكمال التجربة النسائية فى القضاء، وتساءلت متى تتواجد المرأة فى كل ساحات القضاء بمصر، لكى تغدو تجربة جماعية، لا فردية؟ طالبت بوجود المرأة فى النيابة العامة والقضاء الإدارى وغيرهما من مجالات السلك القضائى، إذ من العبث أن يكون أوائل الخريجين فى كليات الحقوق فتيات، ثم يُستبعدن بسبب جنسهن! فى حين يجب أن تكون الكفاءة، لا النوع، المعيار الحقيقى والعلمى للاختيار! وجود أمثال «الجبالى» يصنع لى معادلاً موضوعياً يُعزّينى فيما وصلت له حال المرأة العربية من تبعية وخنوع، بيدها لا بيد عمرو. أفخر، مثل كل مصرى مثقف ذى وعى، بتلك القامة التى تؤكد لى أن مصر لن تسقط بإذن الله، مهما تكاثر الظلاميون. لن يضيف هذا المقال، وعشرات غيره، لتلك السيدة المحترمة، مثلما لم تنتقص منها بذاءات البذيئين. الفاعلون الحقيقيون، الذين ينبشون كهوف الظلام ليشقّوا كوّة تُدخل النور لأوطانهم، لا يُطربهم الثناء ولا يوقفهم الهجاء. المستنيرون الذين يضطلعون بمهام تنوير مجتمعاتهم، يُلقون الحجر فى البركة الراكدة، ولا يتوقفون ليراقبوا الدوامات التى صنعت أحجارهم، بل يمضون نحو بركة آسنة أخرى، تنتظر حجراً جديداً

ليست هناك تعليقات: