الأربعاء، 20 يونيو، 2012

قبل أن يحل الخراب: ابتسامة "بايبس" الغريبة



د. عصام عبدالله

في أغسطس عام 2011 ألتقيت الباحث والكاتب الأمريكي - اليهودي "دانيال بايبس" مدير منتدي الشرق الأوسط في "فيلادلفيا" - الولايات المتحدة، كانت ابتسامته تحمل قدرا لا بأس به من (الاستغراب) وهو يستمع لرؤيتي عن الثورة في مصر وتوقعاتي لما تحمله الأيام القادمة.. باغتني "بايبس" بهذه العبارة الصادمة: "23 يوليو 1952 كانت "ثورة" قادها الجيش، أما 25 يناير 2011 هي "انقلاب" إسلامي علي ثورة يوليو".. أو قل إنقلاب إخواني علي ستة عقود من حكم العسكر.
السؤال الذي شغلني بعد هذا اللقاء القصير مع " بايبس ": ما مصلحة الولايات المتحدة في وصول الإسلاميين للحكم في الشرق الأوسط، وما تأثير ذلك علي مستقبل الصراع في المنطقة واتفاقيات السلام مع إسرائيل؟.. طرحت ذلك في مجموعة من المقالات نشرت في " إيلاف " منذ شهر أكتوبر الماضي مثل: "أين يتجه اللوبي الإخواني وأوباما بالولايات المتحدة" و"لاهوت العسكر: خطة أوباما لإجهاض الثورة في مصر" و"كارثة علي الحافة: مقال لن يقرأه أوباما" و"الولايات المتحدة والليبرالية في الشرق الأوسط" وغيرها من المقالات التي كانت تترجم علي عشرات المواقع الأجنبية المهمة عقب نشرها في "إيلاف"، بل ويعاد نشرها من جديد علي مواقع أجنبية أخري – ولأسباب مختلفة – بعد مرور شهور من النشر (أنظر هذا الموقع، علي سبيل المثال). اضغط هنا

الضغوط الجبارة التي مارستها إدارة أوباما – ولاتزال - لتمكين الإخوان المسلمين من الوصول إلي الحكم في مصر، هي تطبيق حرفي لاستراتيجية الولايات المتحدة ليس في الشرق الأوسط فقط – وهذا هو الخطير في الأمر – وإنما علي العالم في مطلع الألفية الثالثة. فقد كشف السياسي الأمريكي المخضرم "مارتن إنديك" عام 2004: "أن فشل الرئيس بل كلينتون في تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل قد جعل الاستراتيجية التي تجعل من السلام العربي– الإسرائيلي مفتاحا للشرق الأوسط استراتيجية فاشلة، حيث لا يوجد كثرة من الأمريكيين يتبنونها، وعلى العكس.. لم يبق أمام الولايات المتحدة والغرب كله سوى واحدة من استراتيجيتين: العنف والحرب، والضغط السياسي والدبلوماسي، من أجل تغيير طبيعة المنطقة المغرقة في التقليدية والتطرف، أو الحجر (الكارنتين) الذي يمنع الإرهاب من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية والسواحل الأمريكية".
ولأن الرئيس السابق جورج بوش الإبن قد جرب الاستراتيجية الأولي.... وفشل، فلم يبقي أمام الرئيس أوباما سوي الإستراتيجية الثانية وهي " الحجر " علي هذه المنطقة الحاضنة لكل الأمراض والأوبئة حتي تصفي نفسها بنفسها عن طريق الإسلام السياسي (وقود الحروب القادمة).
وما علاقة الإسلام السياسي بإستراتيجية الولايات المتحدة في العالم؟
مفتاح فهم هذه العلاقة هو ما قاله الرئيس "أوباما" نفسه عقب تنحي الرئيس مبارك، قال: "أن التغيير الذي حصل في مصر يوازي في أهميته سقوط جدار برلين"، ما يوحي بأن الولايات المتحدة تقود مخططا لتقسيم العالم وإعاده تركيب مكوناته، وما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن – وفي الطريق سوريا والأردن – ما هو إلا استكمال للمخطط العالمي الذي بدأ بالفعل. الجزء الأول منه تمثل في تفكيك الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية منذ عام 1989 حيث تمت إعادة رسم خريطة أوروبا بعد "سقوط جدار برلين" وإدماج اقتصادها في المنظومة الرأسمالية العالمية.
أما العام 2011 فقد شهد بداية الجزء الثاني من المخطط العالمي وعنوانه تطبيق "الحجر" علي منطقة الشرق الأوسط، وإعلان موت "الحداثة" - Modernity في المنطقة والقيم المرتبطة بها مثل "التنوير" و"الحرية" و"العدالة". حيث بلور شعار الثورة الفرنسية عام 1789: الحرية والإخاء والمساواة، أهم أهداف الحداثة، وهي: الإقرار بحق جميع شعوب العالم في التطور وبلوغ مستوى الشعوب الأخرى المتقدمة.
المخطط الذي تقوده الولايات المتحدة حاليا هو علي النقيض تماما من منطلقات هذه "الحداثة" وأهدافها، لأنه يستند إلي فكرة تقسيم العالم إلي قسمين كبيرين: القسم الأول (العالم المتحضر) الذي دخل عصر الحداثة وما بعدها (وأغلق الباب خلفه) تاركا بقية الشعوب الأخري (الميئوس منها) تتخبط وتغرق في مستنقع الفقر والتخلف.
الشعوب في القسم الثاني من العالم "خاملة" و"محافظة" تزداد تخلفا وتدينا يوما بعد يوم، لاتستطيع فهم "الحداثة" أو استيعابها ولا تقدر علي مبارحة العصور الوسطي لا زمنيا ولا عقليا، وفي تصوري أن الأيام القادمة سوف تكشف عن الدور الخطير الذي لعبه "جون برينان" النائب السابق لمدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويعمل حاليا مستشارا للرئيس أوباما لشئون الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، في تأجيج الثورات في المنطقة ووصول الإسلاميين إلي سدة الحكم، ولا يوجد أفضل من الإسلاميين للمضي قدما في تنفيذ مخطط التقسيم العالمي وتلك الاستراتيجية الأمريكية.
المشكلة التي تواجه أمريكا في الشرق الأوسط – بعد نهاية الحرب الباردة - ليست "الإسلاميين" وإنما "إسرائيل"، التي أصبحت عبئا ثقيلا وحجر عثرة في سبيل إحكام سيطرتها علي العالم، وليس من المستبعد أن تقدم الولايات المتحدة، في وقت لاحق، على التضحية بإسرائيل خدمة لأهدافها بعيدة المدى.. وهو ما يفسر – جزئيا - سر "إبتسامة" دانيال بايبس (الغريبة) وحديثه عن "الإنقلاب الإسلامي" علي ثورة يوليو 1952.
Dressamabdalla@yahoo.com


عن ايلاف

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

http://www.jingab.com/Free.php
أحصل على حساب خط تليفون فويس أوفر أي بي مجانا وكذلك كل مكالماتك مجانا ثورة في عالم الأتصال تخيل كل واحد عنده خط تليفون مجانا ممكن يشغله على الكمبيوتر وعلى المحمول وعلى عدة تليفون تعمل على النت وكذلك على الجيت واي, وهذا عامل ثورة في عالم الأتصالات في أمريكا الأن.