الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

إلغاء الانتخابات الرئاسية


ابراهيم عيسى
إذن فقد انتهت الانتخابات الرئاسية!
انسَ يا عزيزى.. الموضوع خلص!
لا مرشحين ولا سباق ولا طعون ولا يحزنون!
ندخل إلى نفق من الفوضى والهرتلة والعبثية والارتجال والعشوائية بقيادة حكيمة رشيدة من المشير طنطاوى ومجلسه العسكرى الذى يصمم على أن ننتقل معه من سيئ إلى أسوأ، ومن دحديرة إلى حفرة، ومن بلوى إلى مصيبة!
والعيب ليس على الجنرالات الذين أفسدوا المرحلة الانتقالية بقرارهم العجائبى الأخير بوضع الدستور قبل انتخابات الرئاسة، بل العيب كذلك على البكوات الذين جلسوا أمامهم ووافقوا على ترهات سياسية، لا يمكن أن تعنى إلا أن رؤساء الأحزاب ونواب البرلمان قد وافقوا على استمرار حكم المجلس العسكرى ومد المرحلة الانتقالية التى يجلس فيها العسكر على صدر الوطن، بينما الأفواه المفتوحة والرؤوس المهزوزة والألسنة المعقودة وافقت بمنتهى البساطة على خريطة عكّ جديدة، تزيد من ضياع مصر وتوهانها فى مرحلة من الفوضى السياسية والقانونية والأمنية والاقتصادية لا تريد أن تنتهى أبدا!
واضح فعلا أن مبارك لم يترك الحكم إلا عندما تأكد من انهيار العقل السياسى المصرى إلى مستوى متواضع ووضيع من الذكاء والفهم، فالعسكرى يفشل بنجاح ساحق فى إدارة البلاد على كل الأصعدة، وها هو يزيد الطين بلة، والذين يبصمون على طلبات العسكرى من إخوان وأحزاب ورقية كرتونية إنما يجعلون من البلد أسيرة مرة أخرى لمادتين فى الدستور، يسعى لهما العسكرى قبل أن يعود إلى ثكناته (هذا إذا عاد إلى ثكناته) وطبعا الإخوان والسلفيون يدخلون فورا فى غمار الصفقة مع الجنرالات لخدمة مصالح متبادلة على حساب حاضر البلد ومستقبله المبدد فى الهرتلة والهرجلة!
أما رؤساء الأحزاب ومنافقو الجنرالات فصَغَار فى الذهاب وفى الإياب.
دعونا أولا نذكركم جميعا بأننا بتوع «الدستور أولا» ونحن مَن بُحَّ صوتنا لإقناع ملتحى وملتحقى السياسة الجدد بأن «الدستور أولا» هو الاختيار السليم لبناء المستقبل وإعداد البلد للانتقال الديمقراطى، ولكن التيار الإسلامى بغطرسة رجاله وجهل شيوخه بالسياسة وطمع إخوانه كفَّروا كل من وقف فى صف هذه الفكرة ودفعوا جماهير مصر المغلوبة على عقلها بدعاية فجة وغير شريفة، تستند إلى أن من يقُل «نعم» فى استفتاء مارس يدخل الجنة، ومن يقُل «لا» شخص كافر يريد إلغاء الشريعة الإسلامية التى لم تكن موجودة أساسا فى الاستفتاء!
هذا التضليل الذى مارسه التيار الإسلامى هو الذى جعلنا اليوم فى حالة يُرثَى لها من الارتباك والفوضى، كما كانت رغبة هذا التيار المحمومة فى الاستحواذ على الدستور والانفراد به وبصياغته والسيطرة والتسلط الأحمق على تشكيل لجنة الدستور من أجل صياغة دستور طالبانى قندهارى وراء هذه النهاية للجنة نفسها التى خرجت سِفاحا من رحم طغيان الأغلبية، وإذا بنا اليوم أمام مشهد آخر للتأجيل والتسويف لن يستفيد منه إلا المجلس العسكرى الذى اصطنع سببا لعدم تخليه عن إدارة شؤون البلاد محتجا بأن الدستور لم تتم كتابته حتى الآن، رغم أن الجنرالات أنفسهم هم الذين زعموا أن عدم الانتهاء من الدستور لن يعطل تسليمهم السلطة، وأنهم سيرحلون ملتزمين بالموعد المزعوم فى الثلاثين من يونيو القادم، ويمكن لأى متشكك أن يراجع تصريحات ممدوح شاهين، مشرِّع العبث القانونى فى المجلس العسكرى، وهو يتغزل منذ أيام فى لجنة الإخوان لكتابة الدستور، وامتدح تمثيلها لكل الأطياف ويزعم الالتزام بتسليم السلطة حتى لو لم يكن الدستور قد اكتمل!
اليوم يغير العسكرى من موقفه ويتمسك بالبقاء فى السلطة حتى نكتب الدستور على عينه كى يضمن أن يأتى الدستور الجديد طائعا ملبيا مستجيبا لتعليمات وتحذيرات اللواء محمود نصر، عضو العسكرى، الذى أتحفنا صراحة بأن المجلس لن يترك مشروعاته التجارية وعَرَق القوات المسلحة متاحا مباحا مشاعا للدولة (بالمناسبة الدولة دى مصر!)، بما يعنى أن هؤلاء الجنرالات يريدون بالفعل موادَّ ضامنة لتفردهم بإدارة مشروعاتهم التجارية، فضلا عن حصانة ما لأنفسهم قبل أن يسلموا السلطة، وهو ما لن يتوفر لهم إذا سلموها دون أن تنتهى كتابة الدستور وتمريره، فقد يأتى رئيس «جديد» ليمنح السيد المشير تقاعدا سريعا مشفوعا بوسام الجمهورية من الطبقة الأولى (على حسب ذوق الرئيس الجديد).
وبينما مصر تنتظر رئيسها بعد ستة وثلاثين يوما إذا بالمجلس العسكرى على لسان مشيره يأمر التيارات السياسية المأمورة بأمره أن يكتبوا الدستور أولا، وهو المستحيل بعينه، فلا يمكن أن يفرغ المصريون من كتابة دستور مستقبلهم، دستور ما بعد الثورة، دستور مصر الحديثة العصرية المدنية، ولا حتى دستور مصر الباكستانية الأفغانية، فى قرابة عشرين يوما قبل الانتخابات الرئاسية، إلا إذا كنا ننوى اعتماد كتاب «سلاح التلميذ» باعتباره دستور مصر الدائم، بل إن «سلاح التلميذ» نفسه كى نجهز استفتاء للموافقة عليه فنحن نحتاج إلى وقت أطول.
إذن انتخابات الرئاسة بين التأجيل أو الإلغاء تماما.. بل هى تمضى نحو الإلغاء بكل ثقة!
لماذا؟ فضلا عن أن الفترة القصيرة لن تسمح إلا بتأجيل مستمر لانتخابات الرئاسة ولا شك، فلا يمكن أن ننتهى من الاتفاق على معايير لجنة الدستور ثم اختيار الشخصيات المئة ثم كتابة مواد الدستور بكل الخلافات والصراعات ثم عرضه على الرأى العام ثم الاستفتاء عليه بنعم أو لا فى عشرين يوما!
يبقى الحل عند العسكرى هو تأجيل الرئاسة، وبمجرد تأجيل موعدها سيتم إلغاء الرئاسة، لأن دستورا «جديدا» يعنى موادَّ «جديدة» لشروط ترشح الرئيس، فمن قال إن شرط الجنسية سوف يستمر فى الشروط الجديدة؟ ومن يتصور أن شرط العفو العامّ عن المحكوم عليهم عسكريا أو فى عصر مبارك سيكون واردا فى الدستور الجديد؟ نحن إزاء شروط رئاسة «جديدة» تعنى بطلان الانتخابات المزمعة أصلا وفتح باب الترشح من جديد، ويعيش موسى وحمدين وأبو الفتوح والعوا وشفيق وياخدوا غيرها.. ويا حسرة على عشرات الملايين من الجنيهات التى راحت وعلى الجهد والوقت والحلم والأمل والطاقة والرغى واللغو!
خلاص انسوا.. انتهت هذه الانتخابات الرئاسية!

ليست هناك تعليقات: