الأربعاء، 11 يناير، 2012

قانون أزدراء أديان الخدعة والتمييز وحقيقته قانون التمييز في أزدراء الدين الأسلامي بينما الدين الأسلامي نفسه يزدري المسيحية ويطلق عليها الدين المحرف

خالد البرى
بعد إحالة رجل الأعمال نجيب ساويرس إلى المحاكمة بتهمة «ازدراء أديان»، قال صاحب الدعوى، نائب رئيس حزب الأصالة السلفى المحامى ممدوح إسماعيل، إن قرار إحالة ساويرس إلى المحكمة «يؤكد أننا بالفعل بدأنا تطبيق سيادة القانون وتحقيق العدالة بالمعنى الصحيح للكلمة».
لا أدرى من أين جاء صاحب الدعوى بهذا الادعاء عن «بداية سيادة القانون»؟ فلو صح أن ساويرس أجرم، ولو أُدين، فإن الموضوع لن يكون أكثر من عادى، لن يخرج عن الإطار الذى تعودنا عليه سابقا، فساويرس ليس «فاطمة بنت محمد» لكى نحتفى بالعدل، بالعكس، هو رجل أعمال، وسياسى منافس لأحزاب السلطة الجديدة، ومسيحى، وصاحب نشاط اجتماعى، وهى تركيبة ليست موجودة بكثرة فى مجتمعنا ذى الأغلبية المسلمة، والأهم أنها غير مرغوب فيها من جانب أحزاب الأغلبية البرلمانية الجديدة.
سنشعر أن العدالة تحققت، فى هذا السياق، لو سمعنا عن زعيم إسلامجى يقدَّم إلى المحاكمة بنفس التهمة لأنه وصف الدين المسيحى بأنه مُحرَّف، ولأنه وصف المسيحيين بأنهم كفار. وهو أمر يحدث بشكل يومى فى وسائل الإعلام.
لاحظ أن تسمية القانون المصرى هى «ازدراء الأديان»، وهذه صيغة جمع تفيد فى اللغة العربية ثلاثة أو أكثر، أى أن القانون المستخدم ضد ساويرس يعاقب على ازدراء أى من الأديان السماوية، لا الإسلام وحده. فهل ثمة ازدراء لدين أكبر من أن تقول إنه دين مُحرَّف، وإن أتباعه كفار، كما يفعل شيوخ سلفيون على قنواتنا الفضائية؟ أما إن أصررت على أن من حقك أن تقول هذا لأنك تعتقد أن هذا ما يقوله دينُك، فبها ونعمت، اسمح للآخرين بنفس الحق فى أن يعلنوا على الملأ ما يقوله دينهم بشأن دينك. وإن قلت لا، لأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، فبها ونعمت، اجعل اسم القانون «ازدراء الدين الإسلامى»، وكن واضحا صريحا وصادقا مع نفسك. أما هذا التدليس فى اسم القانون أولا، ثم فى استخدامه ضد المختلفين معك والادعاء بأنك «تحقق العدالة» فهذا لا يصح. أما أن يكون قانون ظاهره احترام كل الأديان، وباطنه تنزيه دين واحد وفتح الباب للانتقاص من الأديان الأخرى، فهذا لا يصح. ولا ينبغى أن يوصف بأنه بداية «لتحقيق العدالة بالمعنى الصحيح للكلمة».
كونك قادرا على أن تضع قانونا تمييزيا لا يمنحك وسام العدالة. بل يشينك بتقنين التمييز، وهى درجة أسوأ من التمييز الناتج عن تصرفات فردية. أصحاب العقول الراجحة يعرفون ذلك، أنصار المساواة على دراية بالخدعة. للأسف لديك جمهور كثيف من المستعدين لوضع المختلفين فى درجة أدنى، لكن، للأسف أيضا، هذا لا يعتبر بداية «لتحقيق العدالة بالمعنى الصحيح للكلمة».
ساويرس نفسه شخصية عامة، من الواجب انتقادها، وقد فعل كاتب هذه السطور ذلك غير مرة، لكنه أيضا له جوانبه الإيجابية. هو أحد رجال الأعمال القلائل الذين لم يهربوا من البلد بسبب ديون لم تُسَوَّ، وهو أحد رجال الأعمال القلائل الذين لهم نشاط اجتماعى، تزامن قرار إحالته إلى المحكمة مع الإعلان عن جوائز مؤسسة «ساويرس للتنمية الاجتماعية» فى مختلف المجالات. أتوقع إذن أن نحتفى بكون نجيب ساويرس مسيحيا كسر طوق العزلة المفروض ذاتيا واجتماعيا ومؤسسيا على المسيحيين المصريين. فإن لم نحتف، فليس أقل من أن ننسى أنه مسيحى، وأن نتعامل معه كشخصية عامة معارضةً وقبولًا. لكنكم للأسف لا تفعلون ذلك: أنتم والإسلامجيون الآخرون «تضعونه فى أدمغتكم»، وتستخدمون كونه مسيحيا فى الدعاية ضد حزبه، والآن ترفعون عليه دعوى فى قلبها وجوهرها كونه مسيحيا. وهى دعوى لا أظنها ستأتى بأى حكم قضائى ضده، بل ولا أظن رافعيها يتوقعون ذلك ولا يكترثون به، إنما غرضها التشويه، غرضها ترسيخ فكرة أن ساويرس المسيحى «يهزأ من الإسلام» فى أذهان العامة، فلربما أفادهم ذلك فى أى إجراء مستقبلى.
بالصدفة أو غيرها، تزامنت إحالة الدعوى إلى القضاء مع نهاية الانتخابات البرلمانية التى أعطت الأغلبية للإسلامجيين. وتزامنت الدعوى مع دعاوى قضائية كثيرة جدا تلاحق شخصيات عامة بارزة، وقيل إن ساويرس مغضوب عليه بسبب أداء قناته التليفزيونية التى لا تزال تعطى لشباب الثورة صوتا. والأهم أنها تزامنت مع جرائم حقيقية واضحة قامت بها السلطة بلا محاسبة -قتل، وتشويه سمعة، وسحل، وتحرش، واعتداءات- لكننا لم نسمع لكم صوتا مناصرا للحق. قعد العدل عن هذا كله، وأردتم أن تقيموه على «نجيب بن ساويرس».

ليست هناك تعليقات: