الجمعة، 12 سبتمبر، 2014

الأمعاء الخاوية







نقلا عن الفجر


■ أحد السجناء الشباب أرسل رسالة واضحة للنظام بأنه تاب وتأدب.. ولن يرتكب أيا من حماقاته إذا خرج من السجن.. ولم يستجب له أحد.


■ الشباب الغاضب يعيد شبح معركة «الأمعاء الخاوية» التى قام بها 1600 أسير فلسطينى فى سجون إسرائيل.. فلماذا نتركهم يتعاملون مع النظام على أنه احتلال؟


■ السيسى كان مستعدًا للعفو عن السجناء.. هناك تخوفات من أن يزايد السجناء على قراره




كان الرئيس عبدالفتاح السيسى يدرك جيدا ما يقوله.. تحسس الحروف قبل أن ينطقها، تبدت أمام عينيه مشاهد ربما أزعجته، فأفصح عما فى صدره، قال لمجموعة العلماء التى استدعاها لتشكيل المجلس الاستشارى العلمى إنه لو قامت ثورة ثالثة فلن تكون هناك مصر من الأساس.

هل يتحدث الرجل الذى كان مديرا للمخابرات الحربية (مارس 2010 – أغسطس 2012) بمعلوماته، أم يفصح عن مخاوفه، هل يشير إلى تقارير وضعتها أمامه أجهزته الأمنية، أما عن تنبؤات قائد يعرف أن الأقدار لا تضع كل بيضها فى سلة واحدة، هل يرى نهاية محتومة لشعب أدمن الثورة.. أم لديه ما يخفيه عن مؤامرة كبرى يمكن أن تدخلها مصر بقدميها؟

لا أملك إجابة محددة، لكن أملك تحذيرات واضحة ومباشرة.. فتخوفات السيسى لها ظلال على الأرض لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يتنكر لها.

أعرف أن ما سأقوله سيغضب كثيرين، يعتقدون أن الدنيا طابت لهم، وأن جنين ثورة 30 يونيو استقر ولا يحتاج إلى مثبتات، دون أن ينتبهوا إلى أن الاطمئنان الزائد عن الحد هو الخطر بعينه، وأن الإحساس بالأمان المبالغ فيه هو أول الطريق إلى فزع لن يقدر عليه أحد.

ما رأيكم أن نبدأ من سرادق عزاء؟

نعم هو بالتحديد، هو سرادق عزاء المحامى الشهير والمناضل عبر العصور أحمد سيف الإسلام، كانت القاعة الملحقة بمسجد عمر مكرم مزدحمة، جمعت كل المتناقضات السياسية والفكرية، لكن كان هناك خيط واحد لملم شمل المتنافرين.. اظهرهم وهم متكاتفين، ظهورهم محمية بظهور بعض.. وللأسف الشديد كان هذا الخيط هو كراهية النظام كله.. وهى الكراهية التى ترجمت فى هتافات محددة، يمكن أن تكرهها، لكنك وجدت نفسك مرغما على سماعها.

لا تسأل عن أصدقاء سيف، ولا عن المعجبين بأولاده من الشباب، ولا الإعلاميين الذين حرصوا على تقديم واجب العزاء – مؤكد أنك تكرههم وتعتبرهم جزءا من المؤامرة على البلد– ولكن ركز فى شباب القوى الثورية الذين يبحثون عن رمز يلتفون حوله، وعن حدث يبعث فيهم الروح من جديد، ثم تأمل قليلا وجود زوجة محمد البلتاجى، وابنة خيرت الشاطر.. كل من يكره النظام كان موجودا وبحماس.

لكن ما الذى جعل كل هؤلاء يكرهون النظام؟

لا اسأل بالطبع عن الإخوان المسلمين، فهؤلاء أسبابهم معروفة، فهم لا يكرهون السيسى ونظامه وشعبه فقط، ولكن يتمنون ويعملون على زواله من الأساس، ولكنى اسأل عن شباب كان فى صدارة ثورة 30 يونيو، عمل من أجلها وفرح بها، واعتبر نفسه شريكا فيها، كيف تحول هؤلاء الشباب إلى خصوم وأعداء؟

والإجابة ببساطة، لأن النظام الآن وعبر آليات كثيرة لا يعمل على تخليق معارضة ناضجة، وفرز معارضين أقوياء، ولكن يعمل فقط على تصنيع كارهين وحاقدين وغاضبين منه ومن سياساته.

المعارض يمكن أن يُقَوّم أداءك، يرشدك إلى ما يرى أنه صواب، لكن الكاره لن يتردد فى هدمك وهدم نظامك وتحطيم المعبد كله على رأسك ورأس من يسيرون خلفك.

فى قلب هذه الصورة لا يمكن أن يخطئ النظام الشباب الثائر، الذى انصرف مبكرا عن التصويت على الدستور، وقاطع تقريبا انتخابات رئاسة الجمهورية.. وهؤلاء الآن يلتفون حول من ارتضوا أن يكونوا رموزا لهم، صنعوا منهم أيقونات للنضال، ولديهم الحق فى ذلك، فماذا تحتاج أكثر من دفع ثمن مواقفك وآراءك من حريتك وسنوات عمرك لتتحول إلى زعيم ومناضل وقائد شعبى؟

فى لحظة معينة رأى النظام السياسى أن قانون التظاهر مهم وضرورى وحيوى، وفى المقابل رأت مجموعات من الشباب التى تنتمى إلى قلب ثورة يناير أن القانون يخالف كل ما يسعون إلى تحقيقه، فالحرية مطلبهم الأول، وأن تضع قانونا لتنظيم التظاهر فأنت بذلك تمنع التظاهر من المنبع.. قرروا كسر القانون، اعتبر النظام أن هيبته تتعرض للانتقاص، فقرر أن يكسر رقبة من تجرأوا عليه.

كان لهذه المعادلة أن تنتهى بصورة بسيطة جدا، من حاولوا كسر هيبة النظام تمت مواجهتهم بعنف، ووجدوا أنفسهم على حافة السجن، لكن هناك من أصر على أن يضيف إلى المعادلة ما يعقدها، فتم الحكم على بعض الشباب بخمسة عشر عاما، وبعيدا عن كونه حكم قضائى إلا أن هناك من استبشع ما جرى.

هؤلاء الشباب الآن جمعوا شتاتهم وبدأوا فى تنظيم معارضتهم.

أحدهم – وأنا هنا لست فى حل من ذكر اسمه– أرسل إلى النظام رسالة عبر صديق لعب دورا أساسيا فى ثورة يونيو، قال فيها إنه تعب وتاب، وسيخرج من السجن إذا وافقوا دون أن يرتكب أى حماقة من حماقاته، حمل صديقه الرسالة، لكن لم يسمع له أحد، ولم يتجاوب معه أحد.

هناك من يريد أن يغلق كل الأبواب إذن.. وكان رد الفعل الطبيعى هو أن يطور الشباب أدواتهم، ويبدأون التصعيد، لنجد أنفسنا وجها لوجه أمام حملة «الأمعاء الخاوية».. حملة إضراب عن الطعام بدأها الشباب المسجونين، لإجبار النظام على أن يتجاوب معهم، ويستجيب لطلباتهم..

يجيد الشباب اختيار أسماء حملاتهم.. فقد التقط شباب «جبنا آخرنا» طرف الخيط من أصحاب الأمعاء الخاوية، وبدأوا التضامن من خلال الدعوة إلى إضراب من هم خارج السجون عن الطعام، فيخرج الاعتراض من خلف القبضان ليصبح خارجها فى محاولة للتنفس.

لقد انزعجت من «الأمعاء الخاوية» كاسم لحملة احتجاج، لقد تماهى الشباب مع حملة لـ 1600 أسير فلسطينى أعلنوا إضرابهم عن الطعام فى إبريل 2012 احتجاجا على ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلى حملت اسم «الأمعاء الخاوية»، فهل قصد الشباب المصرى نفس المعنى.. هل قادتهم كراهيتهم للنظام إلى اعتبار أنفسهم أسرى لديه، والنظر إلى النظام على أنه لا يختلف عن جيش الاحتلال الإسرائيلى، هل دفعوا أحمد دومة الذى تنسب إليه فكرة «الأمعاء الخاوية» إلى حد الكفر بالوطن إلى هذه الدرجة؟

حتى كتابة هذه السطور وصل عدد المضربين إلى 91 من بينهم 56 داخل السجن والباقى خارجه.. فهل ننتظر حتى يصبح الإضراب عن الطعام هو الصورة التى يتم تصديرها عن مصر.

إذا كنا وصلنا إلى هذه الدرجة، فنحن نقف بالفعل على مشارف الخطر.

ستقولون إن هؤلاء الشباب لا يستطيعون أن يحركوا الشارع، وأنهم بتوع شعارات، وبتوع أجندات، ومتورطين فى مؤامرة كبرى على مصر، سأقول لكم:

أولا: ثبت فعليا أن هؤلاء الشباب ومن على شاكلتهم ليسوا بالأمر الهين، يستطيعون أن يتحركوا ويحركوا إذا ما تراكم الغضب، وإذا ما أصبحت الكراهية هى اللغة المشتركة التى تجمع كل من لا يرضى عن النظام، وإذا استهنتم بهم، فخذ درسا ممن استهانوا بهم قبل ذلك.

وثانيا: حتى لو فرضنا أن هؤلاء الشباب يتم استخدامهم فى مؤامرة، فلماذا لا نقطع الطريق على أى مؤامرة، لماذا يترك الرئيس شبابًا وقفوا بالفعل فى خندق واحد مع من خرجوا فى 30 يونيو تتخطفهم الذئاب كما يقولون.

لقد جمعت الرئيس جلسة مع بعض مستشاريه، كانت المناقشة تدور حول عفو رئاسى عن السجناء، أبدى استعداده لذلك، لكن كان هناك من رأى أن الشباب بعد أن يخرجوا من السجون سيعودون إلى سيرتهم الأولى، فتوقفت المناقشة.

الآن يقف السيسى على قمة شعبيته، كل الاختبارات تؤكد ذلك، لن يضيره أن يصدر عفوا رئاسيا عنهم، أن يستجيب لنداء الأمعاء الخاوية، أن يحول طاقة الغضب إلى طاقة إيجابية.. بدلا من أن نواجه حالة من الفوضى نحن فى غنى عنها، لا تسمع يا سيادة الرئيس لمن يهونون من أمر الغاضبين، فالغضب نار يحرق ما يصادفه دون عقل، تقرب أنت إلى مواطنيك.. حتى لو هاجموك.. حتى لو انتقدوا ما تفعله.. فلم يقم المصريون بثورتين ولم يطردوا الإخوان إلا من أجل أن يشعروا أنهم فى وطنهم الخالص، ومن أول معانى الوطن أن تقول رأيك دون أن ينتقم منك أو ينكل بك أحد.

الخطر قادم، وهذا ليس تهديدا.. بل إنذار.. ويا سادة نرى الفزع قادم فلا تمكنوه منا.

ليست هناك تعليقات: