الجمعة، 10 مايو، 2013

المصريون أقلية في مصر - سليمان شفيق


دعا الرئيس محمد مرسي للحوار الوطني ودماء الضحايا لم تجف بعد، والجثامين لم يواريها التراب، بل وبورسعيد بالأمس لم تتمكن من دفن شهدائها في سلام، كل ذلك يذكرني بقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:
سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعدما  *  تبزّل ما بين العشيرة من بالدم
هذه الدعوة إن دلت على شيء فهي تدل على أن المتنفذين في الجماعة التي تحكم الآن لا يدركون ماذا يحدث، فلا مراكز أبحاث، ولا جماعات "تفكير" بل كل المحيطين بالرئيس مجرد جماعات "تكفير".. تمتلك ذهنية ما وراء السياسة وعصور ما قبل القبيلة، حيث إنه منذ التسعينيات من القرن الماضي كتب الباحث الكبير نبيل عبدالفتاح سلسلة دراسات نشرت في كتاب بعنوان: "سياسات الأديان" أكد فيه على أن عوامل الاندماج القومي للدولة المصرية انتهى عمرها الافتراضي، وكان الرئيس السابق مبارك يهدد قائلا: "أنا أو الفوضى"، وكأنه كان يعلم بما ذهب إليه عبدالفتاح، لكن القبضة الحديدية الأمنية أخرت ذلك التفكك.. ثم جاءت ثورة 25 يناير كاشفة وليست منشئة لأعراض ذلك التفكك، وبدأت تظهر الأعراض من سيناء "آخر خمس سنوات في عصر مبارك تمردت سيناء 12 مرة".. ومنذ 29 يوليو 2011 انطلاقا من الهجوم على قسم ثان العريش وحتى الآن صارت أغلب أراضي سيناء تحت سيطرة "أصحاب الرايات السوداء"، وقام هؤلاء المتمردون من الجهاديين التكفيريين بـ"91 عملية" ضد كمائن القوات المسلحة والشرطة سقط فيها "211" بين قتيل وجريح، وتجلى عدم السيطرة الأمنية على شبه جزيرة في عدم قدرة الرئيس محمد مرسي للوصول إلى رفح والاكتفاء بزيارة العريش، كذلك تقابل وزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسي مع زعماء القبائل السيناوية في القاهرة، ومن سيناء إلى أهالي النوبة المسالمين الذين أعلن بعضهم الانفصال والكفاح المسلح، ثم خرجت علينا مجموعات من "البلاك بلوك" و "الريد بلوك" ليعلنوا وفاة شعار سلمية الثورة، ثم نصل الآن إلى مدن القناة "خط الدفاع الثاني".. وصدق أو لا تصدق! إنه وللمرة الأولى تشعر مدن القناة "السويس- الإسماعيلية – بورسعيد" بشعور "الأقليات"، وتجلى ذلك الشعور بالاضطهاد في التضامن بينهم في رفض الطوارئ وحظر التجول في رسالة لم يدركها الرئيس وعشيرته. 
هكذا وصل الخطر إلى بوابة مصر الشرقية، كل ذلك خطيئة حكامنا الجدد الذين حولوا المسلمين من أغلبية اجتماعية ودينية إلى مجموعة أقليات: "إخوان، سلفيين، جهاديين، صوفيين، جماعة، إلخ..."، ومن ثم فقد الوطن أغلبيته وتحول إلى مجموعة أقليات "مسيحيين، مسلمين، علمانيين، ليبراليين، صعايدة، وأخيرًا مدن القناة".
والأخطر من ذلك أنه ووفق تقارير التشريح للشهداء فإن 90% منهم أصيب بطلق ناري في منطقة الرأس، وأغلب الأعيرة "8.5 مللي" من غير المستخدمة في القوات المسلحة أو الشرطة، مما يفتح المجال للتكهنات حول ماهية هؤلاء القناصة الملثمين الذين كانوا يطلقون الرصاص أمام أعين الآلاف من المشيعين أمس الأحد من فوق أسطح شارع الثلاثيني، وبالطبع تتردد إشاعات حول كون هؤلاء من حركة حماس، وإن كنت أرجح أن يكون هؤلاء من جماعات الرايات السوداء "الجهاديين التكفيريين" نظرًا لتقارير سابقة أكدت على أن لهؤلاء خلايا في مدن القناة، ومن ثم يفتح المجال للحديث عن أذرع لتنظيم القاعدة تنشط جهارًا نهارًا في مصر وليس أدل على ذلك من مظاهراتهم ضد السفارة الفرنسية الأسبوع الماضي التي طالبت بطرد السفير الفرنسي من مصر لتدخل فرنسا في شئون مالي!!، إنها أول مظاهرة في مصر لجماعة "إرهابية" ولم يحرك النظام ساكنًا لها. وكذلك تجدر الإشارة إلى إرهاب أولاد أبوإسماعيل لمدينة الإنتاج الإعلامي، ثم حرق حزب الوفد، وتهديد قسم شرطة الدقي بل ووصل الأمر إلى الضغط الذي أدى للإفراج عن متهم في قضية حيازة سلاح والإطاحة بوزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، كل تلك المؤشرات تؤكد على وجود ميليشيات تنظيم القاعدة في مصر، وميليشيات أولاد أبوإسماعيل الحليفة للنظام الإخواني الحاكم، وعوامل التفكك الهيكلي وصلت للأمة.
إننا أمام نخب تحكم وأخرى تعارض وكلاهما لا يملكون قدرة حقيقية لا على الصدام أو الحوار.. ودولة نخر عظامها فيروس التفكك وأمة تتعرض لأول مرة في تاريخها إلى الانتقال من السماحة إلى العنف، ومن الوسطية إلى التطرف، من التعددية إلى الأحادية، والموت "المجاني" يتحول إلى قيمة لدى زهرة شباب الوطن بعد خيبة آمالهم في النضال السلمي وبعد اغتصاب الوطن وسرقة الثورة بالإكراه!! 
نحن أمام سيناريوهات لن تخرج عن:
 أولاً: تدخل سياسي خارجي لفرض الحوار على الجميع على غرار نموذج "الطائف" في الأزمة اللبنانية.
ثانيًا: حرب شوارع تؤهل مصر للانتقال من الفوضى الخلاقة إلى "الحرب الأهلية المتقطعة" نموذج أمريكا اللاتينية وليس النموذج اللبناني.
ثالثًا: خروج فصائل الإسلام السياسي على الإخوان حرصًا على الذات والمشروع الإسلامي مثلما يحدث الآن بين السلفيين والإخوان.
مصر لم تعد مصر التي عشتها ما يقارب الستين عامًا، وليس أمامي سوى أن أردد ما قاله الشاعر الراحل الكبير نجيب سرور
 لا حق لحي إن ضاعت في الأرض حقـــوق الأموات * لا حق لميت إن هتك عرض الكلمـــات
 إذا كان عذاب الموتى قد أصبح سلعة أو أحجبة أو أيقونة * فعلى العصــر اللعنة والطوفان قريـب.  
والله أعلم.
ملاحظة: كتب هذا المقال مساء يوم الأحد 27 يناير، وقد تحقق الكثير مما تم توقعه. وهذا للعلم فقط!

ليست هناك تعليقات: