الجمعة، 17 مايو، 2013

الأخونة في مسارها الصحيح


وحدة البحوث السياسية
عاشت مصر المحروسة على مدى أكثر من خمسة أسابيع متواصلة، حالة من الترقب والانتظار لتعديل وزاري شامل يعبر عن تطلعات ورغبات عموم المصريين، وعلى الرغم من طول فترة الانتظار، والاجتهاد والاتفاق من قبل جميع الأحزاب والقوى السياسية –بما فيها من بعض أحزاب الإسلامية- حول ضرورة إجراء تغيير وزاري شامل؛ فإن التعديل الوزاري جاء مخيبًا للآمال، ودليلاً قاطعًا على أن جماعة الإخوان ليس لديهم نية حقيقية في النزول إلى رغبات وتطلعات الشعب المصري، ومما يدلل أيضًا ويؤشر على نية الجماعة وما تضمره للمرحلة القادمة، وما يثار حول الانتخابات البرلمانية المقبلة والتوافق الوطني.
إن أقل ما يقال عن هذا التعديل هو تكريس واضح لمزيد من الانقسام داخل أطياف المجتمع، ويؤكد على محاولة الجماعة فرض مزيد من "الأخونة" على مؤسسات الدولة، فبهذا التعديل يرتفع نصيب الإخوان (التنظيميين) إلى 15 حقيبة وزارية، وبذلك تكون نسبة الجماعة في الوزارة43%، وهذه نسبة مرتفعة للغاية، وبإضافة المحبين والمريدين ومن ينفذ سياسات الجماعة في هذا التعديل تكون الجماعة فرضت سيطرتها التامة على مؤسسات الدولة.
وبعدما أعلن رئيس الوزراء بأن التعديلات الوزارية الجديدة ستطول 11 وزارة، خرج علينا بتعديل تسع وزارات فقط؛ مما فتح باب التأويل والاجتهاد على مصراعيه، وأكد على ضعف قنديل أمام الجماعة، حيث تولى المستشار أحمد محمد سليمان وزارة العدل، والمهندس شريف حسن رمضان هدارة وزيرًا للبترول، وفياض عبد المنعم وزيرًا للمالية، وعمرو دراج وزيرًا التخطيط والتعاون الدولي، وعلاء عبد العزيز وزيرًا للثقافة، وتولى المستشار حاتم بجاتو وزارة الشؤن النيابية والقانونية، وأحمد عيسى وزيرًا الآثار، ومحمود على الجيزاوي وزيرًا للزراعة والاستصلاح الزراعي، ويحيى حامد عبد السميع وزيرًا للاستثمار.
واللافت أن هذا التعديل الوزاري اتسم بالضبابية والغموض فيما يخص الأسس والمعايير التي تم على أساسها اختيار الوزراء الجدد، والسؤال هنا: هل الدكتور قنديل هو بالفعل الذي قام باختيار هؤلاء الوزراء أم الرئاسة؟ وما هو دور حزب الحرية والعدالة في هذا التعديل؟ وهل تعديل تسع حقائب وزارية كان بحاجة إلى كل هذا الوقت؟ أم كانت الجماعة تحاول كسب مزيد من الوقت والرهان على أن الشعب سيصمت بعد ذلك؟

·  انتماءات الوزراء الجدد:
جاءت التعديلات في ظل مطالب واسعة بضرورة التغيير الشامل للوزارة، ومشاركة كافة الأطياف السياسية وضرورة الاختيار على معيار الكفاءة والقدرة على حساب اعتبارات الثقة والولاء والحزبية. وهو ما لم يحدث؛ مما سبب حالة "إحباط" شديدة، وخيبة أمل للمصريين بعد طول انتظار، خاصة بعدما خلا التعديل من وجود أسماء قوية وتكنوقراط تستطيع أن تقنع الرأي العام المصري.
وقد أغفل التعديل مطالب تغيير حقائب الداخلية والإعلام والتنمية المحلية، بعد تراجع الأمن والتعاون مع الإخوان أكثر من الصالح العام، وتمادى وزير الإعلام، صلاح عبد المقصود، في تصريحاته وسلوكه المثير للجدل؛ مما يعطي انطباعًا عامًّا بأن الرئيس مرسي والحكومة تتعمد السير في طريق آخر مختلف عما يراه الشعب.
وقد كشف التعديل عن زيادة عدد الوزراء الإخوان إلى 15 وزيرًا، مقارنة بـ10 وزراء في التشكيل القديم؛ وهو ما دفع قوى المعارضة إلى تأكيد أن التشكيل النهائي يثبت أنها "حكومة تزوير الانتخابات". ويشمل التعديل عددًا من الوزراء الأعضاء في تنظيم الإخوان، أو المحسوبين والمتعاطفين معه، ومنهم عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي، ويحيى حامد للاستثمار، وشريف هدارة للبترول، والدكتور أحمد الجيزاوي للزراعة، وفياض عبد المنعم للمالية، ومعهم وزراء الإخوان الباقون: محمد علي بشر، وزير التنمية المحلية، وإبراهيم غنيم في التربية والتعليم، ومصطفى مسعد في التعليم العالي، وطارق وفيق في الإسكان، وخالد الأزهري في القوى العاملة، وصلاح عبد المقصود في الإعلام، وأسامة ياسين في الشباب، ومحمد بهاء الدين سعد، للموارد المائية والري، وأحمد إمام في الكهرباء، وحاتم عبد اللطيف في النقل.
 وقد كشفت مصادر بمجلس الوزراء أن الاعتذارات الكثيرة كانت سببًا لتقلّص التعديل الوزاري من 11 إلى 9 حقائب، وكان أبرز الاعتذارات بين المرشحين لوزارة الصحة، ومنهم الدكتور أحمد عبد الصبور، كما اعتذرت 6 شخصيات عن تولي الإعلام رغم الاستقرار على اختيار الدكتور حسن علي، عميد كلية إعلام المنيا والمعروف بميله إلى الإخوان؛ حيث تدخل مكتب الإرشاد للإبقاء على صلاح عبد المقصود.
ومن الوزراء المثيرين للجدل أيضًا، والذي أثار تعيينه تساؤلات حول معيار الكفاءة في اختياره، وزير الاستثمار يحي حامد، الذي تخرج من كلية الألسن ولم يدرس الاقتصاد من قبل، وحاصل على شهادة الدكتوراة في الإدارة العامة. فقد كان يحيى حامد المتحدث الرسمي للحملة الانتخابية للدكتور مرسي "رئيسًا لمصر"، كما أنه أحد الأعضاء المؤسسين للجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة. وبعد فوز الرئيس مرسي بمنصب رئيس الجمهورية انتقل حامد إلى قصر الاتحادية ليعمل مستشارًا له، كما أنه محسوب كأحد رجال الشاطر المقربين، وهو أحد مؤسسي الكتائب الإلكترونية على الفيس بوك للرد على معارضي الجماعة، وبخاصة الشاطر، وقام بتأسيس ومتابعة صفحة "أنت عيل إخوانجي".
فيما ينتمي وزير العدل، أحمد محمد سليمان، إلى تيار الاستقلال، وهو التيار الذي يسير على نهج المستشارين محمود الخضيري، والأخوين مكي، وزكريا عبد العزير، وتولى رئاسة نادي قضاة المنيا مرتين، وشغل منصب رئيس محكمة الاستئناف، ومساعد وزير العدل لشئون الدراسات القضائية. ولقد أكد سليمان، في تصريح سابق على التعديل، بأنه سيسير على خطى ونهج وزير العدل السابق أحمد مكي؛ لأنه أستاذه الذي تربى على يديه، وتعلم منه مبادئ وأفكار استقلال القضاء.
وجاء اختيار الدكتور أحمد الجيزاوي، كوزير للزراعة واستصلاح الأراضي، بناء على ترشيحه من حزب الحرية والعدالة بعد استبعاد الوزير صلاح عبد المؤمن؛ بسبب عدم انتمائه لجماعة الإخوان، ورفضه الدائم للخضوع للتعليمات الصادرة عن الجماعة، ورفضه لمطالب أعضاء التيار الإسلامي للبناء على الأراضي الزراعية.
بينما تم اختيار الدكتور أحمد محمد عمرو دراج كوزير التخطيط والتعاون الدولي كونه عضو لجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، أما الدكتور علاء عبد العزيز السيد عبد الفتاح، وزير الثقافة الجديد، فهو أستاذ مونتاج بمعهد السينما وبأكاديمية الفنون، وله العديد من المقالات على بوابة الحرية والعدالة.
فيما يأتي المهندس شريف حسن هدارة كوزير للبترول والثروة المعدنية، وهو يعمل بالأساس كمهندس ميكانيكا، وهو محسوب على جماعة الإخوان، ومن الأسماء التي رشحها حزب الحرية والعدالة. كما أن المفاجأة كانت في وزارة الآثار، التي اختير لها الدكتور أحمد عيسى، والذي لم يكن مطروحًا أو متوقعًا لدى الأثريين أنفسهم، فلقد انحصر الاختيار بين الدكتور رأفت النبراوي، أستاذ الآثار والعميد السابق لكلية الآثار في جامعة القاهرة، والدكتور ناجي نجيب ميخائيل، رئيس الإدارة المركزية للمخازن. 
وقد شاب هذا التعديل أيضًا مفاجأة من العيار الثقيل، والتي تتمثل في تعيين المستشار حاتم بجاتو وزير الدولة لشئون المجالس النيابية، ليكون الأكثر إثارة للجدل والشكوك؛ فهو نفسه الذي وصفه الإخوان في السابق بالفلول، واتهموه بأنه من ترزية القوانين الذين يحاربون الثورة، وهو الذي قبل أوراق الدكتور مرسي كمرشح رئاسي، رغم الحديث عن هروبه من السجن وتقديمه للعدالة. كما أثار تعيين بجاتو العديد من التكهنات والملاحظات والاجتهادات، والتي تتمثل فيما يلي:
أولاً، أن الرجل بالفعل خبرة كبيرة؛ ومن ثم جاء به ليطوع لخدم الجماعة، بعدما تأكد الجميع من عدم دستورية الكثير من القوانين التي يسنها مجلس الشورى.
 ثانيًا، طبيعة الدور الذي قام به ولعبه بجاتو في الانتخابات الرئاسية، خاصة وأن الفريق شفيق تقدم بالفعل ببلاغات للطعن على نتيجة الانتخابات الرئاسية، فهل هذا التعديل بمثابة الجزرة لبجاتو حتى يصمت عما جرى من شبهة التزوير في هذه الانتخابات؟
ثالثًا، الخصائص الاجتماعية والنفسية لبجاتو ذاته ربما لا تؤهله بالمرة إلى هذا المنصب؛ حيث عرف عنه بأنه سريع الانفعال، وحاد في تعاملاته، وغير ملتزم بالوقت، في حين أن هذا المنصب بالتحديد يحتاج إلى سياسي من الطراز الفريد؛ لأنه سيتعامل مع جميع الهيئات البرلمانية داخل المجالس المنتخبة.
رابعًا، وطبقًا لتصريحات أنصار التيار الإسلامي، من أمثال ياسر برهامي والنائب ممدوح إسماعيل، اللذين سخطا على اختياره، مثيرين العديد من الأسئلة حول الصفقة أو المقابل، فلقد فتح الإسلاميون النار على تعيينه؛ حيث أكد حزب النور على أن تعيينه مكافأة لصمته بعد استبعاده من "الدستورية"، بينما رأى حزب "الشعب" السلفي أنها مفاجأة كبيرة ولا نعرف الجهة التي تقف خلف اختياره، فيما جاءت تبريرات الحرية والعدالة بأن تعيينه بأنه يأتي في إطار سعي مؤسسة الرئاسة لاحتواء الأزمة مع القضاة.

· بين القبول والرفض
وأثارت التعديلات ردود فعل متباينة بين القوى السياسية والنشطاء السياسيين؛ حيث وصف رموز المعارضة والحركات الثورية التعديل بأنه خطوة جديدة للنظام في اتجاه "أخونة الدولة"، والسيطرة على مفاصلها قبل الانتخابات المقبلة. كما أبدت الجبهة تمسكها بتشكيل حكومة جديدة، محايدة، ذات كفاءات، وأكد الأمين العام المساعد للجبهة أن قادتها متمسكون بمطالب "الإنقاذ" السابقة، ومنها إقالة الحكومة بالكامل. وقال علي نجم، القيادي بحزب النور: إن الحكومة تضم أسماءً مبهمة لا تمتلك الخبرة ولا المصداقية.
كما اعتبر النائب الوفدي محمد الحنفي أبو العينين أن ما يحدث "أمر كارثي، يجر البلاد إلى نفق مظلم". وقال عماد حمدي، المتحدث الإعلامي للتيار الشعبي: إن نظام "مرسي" ماضٍ في طريق الفشل، والانحراف عن مسار الثورة. واعتبر نبيل زكي، المتحدث الرسمي لحزب التجمع، أن "هذه الحكومة ستكون مهمتها الرئيسية تزوير الانتخابات لصالح الفصيل الإخواني، ثم تمرير القوانين التي تتيح أخونة كاملة للدولة".
 ومن جانبه أكد الدكتور محمد أبو الغار، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن التعديلات الوزارية مجرد مسرحية على الشعب؛ لأنه لا يوجد أسس واضحة ومعلنة تستند إليها التعديلات. وقال محمد سامي، رئيس حزب الكرامة والقيادي بجبهة الإنقاذ: إن
التعديلات الوزارية لا معنى لها، وإنها لا تمت لمطالب جبهة الإنقاذ لا من قريب ولا من بعيد. ووصف إصرار الرئاسة على الإبقاء على حكومة قنديل بأنه عناد للمعارضة، ووصف استمرار هذه الحكومة بأنه استكمال لمخطط التمكين.
وطالب تيار الاستقلال الشعب المصري بعدم الاعتراف بهذه التعديلات الوزارية، واصفًا إياها بأنها إهدار للمال العام، ومحاولة لصرف الأنظار عن أخطاء وجرائم النظام الحاكم. وأكد على أن هذه التعديلات لن يكون لها مردود واقعي في تحقيق مطالب القوى السياسية وإنقاذ الاقتصاد وحل المشاكل التي تعاني منها البلاد.
واللافت للنظر قيام عدد من المثقفين بإصدار بيان ضد رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل، احتجاجًا على تولي الدكتور علاء عبد العزيز منصب وزير الثقافة، ودعوا إلى وقفة احتجاجية أمام ديوان الوزارة في الزمالك.
وكالعادة، جاء موقف جماعة الإخوان من التعديل الوزاري أشبه بمسرحية هزلية، وبمثابة نوع من الكوميديا السياسية؛ حيث يرى الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، أن حزبه يتفهم الصعوبات التي تواجه تشكيل الحكومات في المراحل الانتقالية، وأنها لا تلبي كل الطموحات. فهو بتلك التصريحات يريد أن يقفز على كل الأدوار، ليقوم الحرية والعدالة بدور المعارضة، والحكم، وكل شيء، قاطعًا الطريق على أحزاب المعارضة، وكأن من اختار تلك الحكومة هو حزب آخر!!
والخلاصة، أن التعديل الوزاري لا يرقى لتلبية الحد الأدنى من مطالب الشعب والقوى الثورية والحزبية، فهو حلقة أخرى في سلسلة حلقات أخونة الدولة؛ مما سيؤدي -بما لا يدع مجالاً للشك- إلى مزيد من الفرقة، والخلاف السياسي، وتكريس الانقسام بين طوائف المجتمع.

ليست هناك تعليقات: