الجمعة، 10 مايو، 2013

أزمة الإعلام - مصطفى بيومي



قبل صدور قوانين تنظيم الصحافة سنة 1960، لم تكن مصر تعاني من أزمة كالتي نعيشها في أيامنا هذه، فالصحف قبل "التأميم"، أو "التنظيم"، كانت مشروعات خاصة يصدرها أفراد وترعاها مؤسسات ذات ملكية خاصة، أما الإذاعة الرسمية فقد كانت خاضعة لإشراف الحكومة، وتعبر عن سياسة عامة شبه متفق عليها، بحيث يغلب على إدارتها الطابع "الوطني" دون "الحزبي".
انتقال الصحف إلى ملكية الدولة، تحت مسمى ملكية الشعب، وتفويض الأمر في إدارتها إلى التنظيم السياسي السلطوي، الاتحاد الاشتراكي العربي، كان بداية الأزمة الخانقة، ومن المثير للدهشة أن المالك لم يعد قائمًا، بعد إلغاء التنظيم الواحد والاتجاه إلى التعددية السياسية، لكن الملكية بقيت للدولة، باسم الشعب، دون أن يدري أحد ما الذي تعنيه ملكية الشعب!.
"ملكية الشعب" مجرد كلمات وردية براقة لا يُراد بها الحق، ولابد أن تفضي إلى سيطرة الباطل!. الشعب ليس كيانًا محددًا واضحًا، وهو ليس كتلة متجانسة المصالح والأهداف. من الناحية "النظرية"، كان الاتحاد الاشتراكي تعبيرًا عن تحالف قوى الشعب العامل، بعد استبعاد "أعداء الشعب"، والترجمة العملية لمثل هذا التنظيم الهزلي الهش، وغيره من التنظيمات المشابهة، أنه بمثابة الامتداد للسلطة الديكتاتورية التي تحكم وتتحكم وتحتكر الوعي الوحيد الصحيح بمصالح الشعب واحتياجاته!.
أكثر من نصف قرن حافلة بالتخبط والارتباك والارتجال والعشوائية وغياب الرؤية الواعية، وكان منطقيًا أن يسفر هذا "العك" عن تفاقم المشاكل بحيث يستحيل علاجها بأسلوب الشعارات والمسكنات. المؤسسات الصحفية القومية لا تربح ولن تربح، من المنظور الاقتصادي، ولن تعبر عن الشعب، كل الشعب، بقدر تعبيرها عن السلطة الحاكمة، دون النظر إلى طبيعتها، فالسلطة هي التي "تعين" القيادات شريطة الولاء الكامل غير المنقوص، ولا أهمية هنا لمبادئ وأفكار السلطة ورموزها: أهم من الناصريين أم من المؤمنين بعبقرية الزعيم مبارك أم يدينون بالولاء للمرشد وجماعة الإخوان المسلمين!.
لكي نبدأ السير على الدرب الصحيح، لابد من "تحرير" الإذاعة والتليفزيون من قبضة السلطة، والسبيل إلى ذلك أن يكون الجهازان الجماهيريان المؤثران خاضعين لهيئة وطنية مستقلة، غير حزبية، كما هو الحال في الدول المتحضرة المتقدمة. الاستقلالية هي الأداة الضرورية لامتلاك القدرة على منافسة القنوات الفضائية الخاصة والإذاعات المستقلة في الداخل والخارج على حد سواء، فأي معنى لوجود تليفزيون رسمي لا يشاهده أحد، ولا يملك أن يقدم خدمة إخبارية ودرامية وثقافية جيدة متميزة؟!.
لابد من تخفيض جيوش العاملين بلا عمل، وإعادة تأهيل الباقين منهم، والبحث عن وظائف مناسبة منتجة للآخرين، داخل قطاع الإذاعة والتليفزيون أو خارجه. نظره سريعة على أعداد العاملين في التليفزيون المصري، ثم مقارنة عابرة مع الأعداد في القنوات الناجحة، مثل قناة "الجزيرة" على سبيل المثال، ستكشف بلا عناء عن حقيقة أن "الكم" لا يمثل مقياسًا للتقييم، وأن "العدد في الليمون"!.
ليكن اتحاد الإذاعة والتليفزيون مؤسسة وطنية حقيقية، لا تعرف إلا الانتماء للشعب بمختلف طوائفه، وللوطن الذي يعلو فوق الأحزاب باتجاهاتها المتنافرة، أما عن الصحف القومية فلا معنى لبقاء مجلس الشورى متحكمًا فيها وراعيًا إجباريًا لها ومسئولاً عن اختيار قياداتها. لابد من تمليك هذه المؤسسات للعاملين فيها، وأن يكون اختيار القادة بالانتخاب الحر المباشر، وفق قواعد ومعايير مهنية يحددها العاملون أنفسهم. وفي السياق نفسه، لا معنى لاستمرار إصدارات فاشلة يصل مرتجعها إلى أكثر من 90% من المطبوع، شريطة أن يتم ذلك كله بمعرفة الإدارات الجديدة المنتخبة، التي تقدم برنامجًا عمليًا للنهوض بالمؤسسات في مرحلة زمنية محددة، فإما النجاح والاستمرار، وإما الإخفاق والرحيل.

ليست هناك تعليقات: