السبت، 18 مايو، 2013

المسلم بين الإيمان الحق.. والتأسلم


  د.رفعت السعيد

وإذا كانت ثورة الزنج "علوية" الاتجاه (أي تستند في دعوتها إلى حق علي بن أبي طالب في الخلافة وإلى مناهضة خصومه)؛ فإنها –كما رأينا- تطورت إلى تأليه أمير المؤمنين علي بن محمد. فهكذا يبدأ الموقف إسلامًا، ثم يمتد ويتطرف، وتأتيه غواية السلطة والتسلط؛ فيصبح تأسلمًا. 
وهو ما يتمادى الآن في صورة "ولاية الفقيه" في السلطة الحاكمة في إيران. 
ويجري في مصر الآن توزيع كتاب مطبوع في طهران طباعة فاخرة، ويجري توزيعه مجانًا في أماكن عدة، والكتاب عنوانه "بين ولاية الفقيه وحكم الشعب". 
والفكرة المحورية لهذا الكتيب هي الدعاية "لولاية الفقيه"، وهي النظرية الرسمية للحكم الإيراني. وتتبلور هذه الفكرة وتتلخص في نظرية تقول إن ولاية الفقيه تعني أنه يمتلك وحده كل السلطة والسلطان دون أية مشاركة من أحد، حتى لو كان هذا الأحد هو الشعب بأكمله. والفقيه صاحب الولاية يمتد حكمه إلى المسلمين جميعًا، ليس في إيران وحدها، وإنما في العالم أجمع.. ونقرأ في هذا الكتيب المجاني والكثيف التوزيع عبارات نوردها نصًّا:
•"والفقيه يتزعم الأمة ويقودها؛ بوصفه نائب الإمام المنتظر، عجل الله تعالى فرجه الشريف" (ص5).
•"إن ولاية الفقيه هي أساس الحكومة الإسلامية، وبدونها لا يكون النظام إسلاميًّا (ص7).
ولكن من أين تأتي هذه السلطة كلها؟ يجيب الكتاب:
•"تنشأ ولاية الفقيه من ولاية الإمام، فيما تنشأ ولاية الإمام من ولاية الرسول الكريم" (ص9).
•" أما ولاية الرسول فتنشأ من ولاية الله تبارك وتعالى.. يقول الإمام الصادق (عجل الله فرجه الشريف): ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبي قط إلا بها" (ص 12)، وهو الأمر الذي يثير تساؤلاً حول: من هذا الذي يضع نفسه في مصاف الأنبياء؟
•وعندما يثار الحديث عن "التشريع" يجيب الكتيب: "إن هناك قوانين ثابتة هي الشريعة، وهناك القوانين المتغيرة والمؤقتة التي تشرع وفقًا للحاجات والظروف"، وحتى هذه القوانين المتغيرة "يجب أن تشرع من جانب ولي أمر المسلمين، أي الشخص الذي تفوض له هذه المسئولية من جانب الله"، ويقول: "إن وضع هذه القوانين هو من حق ولي الأمر، وبدون إقراره لها وموافقته عليها لا يكون القانون شرعيًّا، أي لا يكون إسلاميًّا وإلهيًّا" ( ص 25).. ولا تعليق.
•ثم "إذن ومن خلال الأخذ بنظر الاعتبار إلى هذين النوعين من القوانين (الثابتة والمتغيرة) تتبين لنا الحاجة إلى مسألة الوحي، ووجود شخص من قبل الله، بمثابة ولي أمر المسلمين، يستطيع في جميع الأزمنة وضع القوانين المطلوبة، سواء أكان هذا الشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الإمام المعصوم، عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو نائب الإمام المعصوم في زمان غيبته" (ص 27).
•وإذا كان الجميع متساوين عندهم: الرسول الكريم، والإمام المعصوم، ونائب الإمام المعصوم في زمان غيبته؛ فهم جميعًا مختارون من قبل سبحانه وتعالى؛ فإن هذا الكتاب يؤكد: "إذن فالشخص الذي يصل إلى الولاية من قبل الله تكون ولايته حقه، ويستطيع أن يأمر الناس، كما يجب على الناس إطاعة أوامره؛ لأن طاعة الله واجبة، ولهذا تجب طاعة الرسول والإمام المعصوم والقادة الإلهيين" (ص 28).. أتمنى أن تلاحظ عزيزي القارئ تعبير "القادة الإلهيين".
•ومن هنا تكون الديمقراطية وحكم الأغلبية والإرادة الشعبية كلها أمور مرفوضة، ويقول الكتيب بضرورة رفض هذا النوع من الحكومات "التي يكون هدفها الاستجابة لمطالب الشعب، أي مطالب أكثرية الشعب فيكون الحق والباطل، والصالح والطالح، والمصلحة والمفسدة هي رغبات الأغلبية، ويكون الحق هو ما تقبله الغالبية، هذا كله مرفوض، وعلينا أن نتمسك  بما أسماه الكتيب "الحكومات الإلهية والسماوية التي تهدف إلى ضمان مصالح الشعب، حتى وإن خالفت –في بعض الحالات– رغبات أبناء الشعب" (ص 50).
•وإذ يلح علينا سؤال: من سيختار هذا الحاكم.. أو الفقيه.. أو الإمام.. أيًّا كانت تسميته، والذي يمتلك سلطات إلهية لا ينازعها أحد؟ 
ويجيبنا الكتاب في ترفع: "إن تأييد الرأي العام ليس شرطًا لإثبات الولاية؛ فإذا جعل الله شخصًا ما وليًّا للأمر؛ تكون له الولاية، حتى وإن رفض الشعب قيادته" (ص 61). 
وهكذا يتجسد التأسلم في صورة حاكم مستبد، يغلف استبداده بأن يعلن أنه المتحدث باسم السماء، ويرفض الديمقراطية، ويفرض طاعة القائد الإلهي.

ليست هناك تعليقات: