السبت، 18 مايو، 2013

تنظيم المدارس الأخوانية



ثروت الخرباوي


حين أنشأ المرشد الأول، حسن البنا، مدرسة "حراء" كان يضع اللبنة الأولى في تنظيم المدارس الإخوانية، لم يقم البنا باختيار اسم "حراء" لمدرسة الإخوان الأولى من باب المصادفة، ولكنه كان متعمدًا هذا الاختيار؛ فغار حراء هو الغار الذي خرج منه الدين الإسلامي.. هو الغار الذي كان بداية تلقي الرسالة.. نزل فيه سيدنا جبريل لأول مرة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه انطلقت رسالة الإسلام إلى العالمين.. كان حسن البنا يظن أن شمس الإسلام غابت ولكنها ستعود على يديه، وها هو الرسول الجديد يخرج من مصر.. ولكي تنطلق الرسالة لا بد له من غار يكون هو بداية انطلاق الدعوة، وليس أفضل من مدرسة يطلق عليها "حراء"، وكأنها غار الدعوة!! ومن هذه المدرسة ظن البنا أن جيوش الإسلام التي سيكون هو قائدها ستنطلق كما انطلقت جيوش وجحافل ابن الوليد.
وعلى "خُطى الحبيب" البنا بدأت مدارس الإخوان الإسلامية تشق طريقها في المجتمع المصري، فكانت مدارس "الجيل المسلم"، ومدارس "الرضوان"، ومدارس "المدينة"، ومدارس "الجزيرة"، وتحولت هذه المدارس إلى مصانع بشرية يتم فيها صناعة أجيال يتم التحكم فيها بـ"الريموت"، بعد أن يقوم أولو الأمر الإخواني بمسح عقولهم وتلقينهم أفكار الإخوان، وتدريبهم بدنيًّا ورياضيًّا ليكونوا نواة لجيش قادم، جيش يظن أن مصر تقع تحت احتلال، وأن كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي في مصر هم أعداء الإسلام، وأنه يلزم التدريب الجهادي انتظارًا لإشارة بدء الحرب المقدسة.. حرب الفتح الأعظم.. حرب نشر الإسلام.. وكأن الإسلام غاب واندحر -لا فض فوهم- وكأن الإخوان هم رسل العصر الذين سينقذون مصر من جاهلية أشد وأنكى من جاهلية القرون الأولى، على حد قول محمد بديع، مرشدهم القطبي التكفيري.
تبدلت في مدارس الإخوان تحية الوطن.. تحية العلم.. تحية الشرف والرجولة.. تغيرت التحية في هذه المدارس الإخوانية ، فبدلاً من "تحيا جمهورية مصر العربية" أصبحت التحية في مدارس الجيل المسلم، هي: "يحيا الإسلام.. وطني حبيب هو الإسلام".. وبدلاً من نشيد "بلادي بلادي لكِ حبي وفؤادي".. أصبح النشيد الوطني هو: "لم يعد إلا السلاح فاقتلوا جيل السِّفاح".. وبدلاً من أن ينشد التلاميذ في حصص الموسيقى والأنشطة نشيد "وطني حبيبي الوطن الأكبر"، أصبحت الموسيقى حرامًا، وأصبح النشيد المعتمد في الأنشطة هو النشيد الحماسي القتالي: "لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى"، ونشيد: "يا جنود الله سيروا واهتفوا تحت اللواء".
لم يكن أحد يمانع لو كان ما تبثه هذه المدارس في عقول الصغار هو العلم والخلق القويم وحسن التدين؛ فكلنا نحب أن ينشأ أولادنا -مسلمون ومسيحيون-  على حسن التدين، ولكن كلنا يبغض التطرف والتنطع ووضع الدين في غير موضعه الصحيح، كلنا يكره أن يتحول الدين إلى قنبلة شديدة الانفجار تجرف أمامها كل الخير.
  لم يفهم الإخوان أن مصر بلد حر، بها مؤسسات وطنية حرة، لها جيشها الوطني  الذي يحميها ويذود عن حياضها.. مصر ليست بلدًا محتلاًّ، وليس الإخوان فرقة وطنية تقاوم الاحتلال.. ولكنهم عاشوا تحت هذا الوهم.. وورَّثوا الأجيال التي اؤتمنوا على تربيتها هذا الخيال المريض؛ لذلك لم يكن مستغربًا أن تقوم مدارس الرضوان بمدينة نصر بإجراء تدريبات قتالية عنيفة لتلاميذ صغار لم يتعد أكبرهم الخامسة عشرة من عمره، ولذلك أيضًا كان من الطبيعي أن تخرج جحافل من تلاميذ مدارس الجيل المسلم بالغربية إلى معسكرات عسكرية في مرسى مطروح، حيث يتم في هذه المعسكرات تربية الصغار على مفاهيم القتال.
ولعل البعض يضع سؤالاً ساذجًا هو: جماعة تزعم أنها تمارس عملاً سياسيًّا داخل منظومة الوطن، ما الذي يلجئها إلى تدريب كوادرها منذ نعومة أظفارهم وفي مدارس تتبع وزارة التعليم على تدريبات قتالية عنيفة؟ ولماذا تقوم بتلقينهم تلك الأناشيد الجهادية القتالية؟ ولماذا تبث في روعهم أنهم جند الله الذي سيسير على طريق النصر وسيعود الإسلام –الغائب- على أيديهم؟.. 
أما الإجابة فقد تكفلت بها وثيقة "فتح مصر"، التي انفرد بكشفها الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ حمدي رزق منذ أعوام، والتي رأينا تطبيقها العملي يسير على قدم وساق بعد الثورة، ثم أصبح هذا الفتح هو واقعنا الذي نقاومه الآن، مجموعة تظن في نفسها أنها تقاوم احتلالاً لمصر، وفي الحقيقة هي نفسها ذلك الاحتلال الذي ينبغي أن نقاومه جميعًا.. والحقيقة المروعة هي أن الإخوان يكوّنون من أطفال المدارس جيشًا إسلاميًّا مهمته المقدسة هي الانضمام لجيش "فتح مصر" بقيادة خيرت الشاطر ومحمد بديع ومحمد مرسي ومحمود عزت.. 
ولكن يغيب عن الإخوان دائمًا أن الشعب ليس معهم، ولم يكن معهم في يوم من الأيام، ولن يكون معهم، وأظن أن توقيعات "تمرد" لسحب الثقة، التي باتت حديث العالم، هي أكبر لطمة على وجه أولئك المهاويس القراصنة، الذين خطفوا سفينة مصر في غفلة من أهلها.. هؤلاء القراصنة يغيب عنهم -أو غاب عنهم- أن مصر لمسلميها وأقباطها منذ أن فتحها عمرو بن العاص.. ولن تكون أبدًا لهم.

ليست هناك تعليقات: