الثلاثاء، 20 مارس، 2012

مصر بين الاستبداد السياسي والاستعباد الديني


الكاتب فرنسواه باسيلي
هل سيحل الاستعباد الديني محل الاستبداد السياسي الذي أطاح به ثوار التحرير في مصر في مطلع العام؟ هذا هو السؤال الذي يعتمل في صدر المؤيدين للدولة المدنية في مصر اليوم، سواء صرح به بعضهم أو تهامس به البعض الآخر، ولا شك أن هواجسهم هذه لها ما يبررها فنحن نشهد ليس فقط صعود التيار السلفي كحركة وأحزاب سياسية ضاربين عرض الحائط بنص الدستور الذي يمنع قيامأ
حزاب على خلفية دينية، ولكن نشهد أيضا لجوء أتباع هذا التيار إلى العنف اللغوي والفعلي حين راحوا يصفون الانتخابات بأنها «غزوة» صناديق منادين بتطبيق الشريعة وداعين الرافضين لهذا للخروج من البلد، إلى جانب العنف الفعلي حين هاجموا الأضرحة وهدموها على عظام من فيها، وحين راحوا يطبقون الحدود بمعرفتهم ويهدمون الكنائس ويقطعون السكك الحديدية ويحاصرون المحافظ القبطي لمنعه من ممارسة مهام منصبه ويقتحمون الحفلات الغنائية لكي «يقدموا النصيحة» للشباب الحاضرين بأن الغناء حرام، كما شاهدنا الخلط الفاضح بين الشعارات السياسية والدينية في ملصقات المرشحين وحملاتهم الانتخابية في خرق صريح لقوانين الانتخابات مما يفقدها شرعية الديمقراطية الحقيقية.
كل هذه وغيرها من مئات الحوادث والتصريحات والتعديات التي تملأ اليوتيوب تكشف عن ردة حضارية هائلة تبدو مقبلة لتعصف بمصر وتلقي بها في غياهب الماضي وكهوف التاريخ وتخرجها تماما من مسيرة العصر وهو ما يبعث بأشد المخاوف في قلوب المصريين الذين رأوا في الثورة أملا باهرا للخروج من نفق الاستبداد السياسي نحو تأسيس دولة مدنية عصرية تنعم بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتنطلق واثبة لتلحق بركب المستقبل المتطور الحافل بالإبداعات العلمية والفنية والإنسانية.
فما الذي جري في مصر؟ وكيف ولماذا سمح المجلس العسكري بقيام أحزاب سياسية لجماعات دينية بحتة في مخالفة فاضحة للإعلان الدستوري؟! وهل هناك علاقة بين المجلس العسكري وجماعات الإسلام السياسي حيث يلتبس المشهد فيبدو أحيانا أنهم على وفاق وأحيانا أخرى أنهم في حالة صدام؟
حين تتأمل التاريخين الحديث والقديم لهذه المنطقة العربية ستجد أن شعوبها قد ابتليت دائما بتلك العلاقة الحميمة أحيانا الدموية أحيانا أخرى بين الطغاة والدعاة، حيث يتنازع، أو يتعاون، الاثنان على التسلط والتسيد على الشعوب المطحونة، ويتنافس الطغاة والدعاة على الاستحواذ على عقول العامة وقلوبهم وأجسادهم لتسخيرها لصالحهم باسم القبيلة أو الطائفة أو العقيدة أو الله أو الوطن أو باسم خليط من هذه كلها، ولأن هذه المنطقة هي مهبط الرسالات وموطن الأنبياء فشعوبها هي أكثر شعوب الارض تدينا وتطلعا للسماء، وفي قلب المنطقة نجد أن مصر هي أكثر هؤلاء قاطبة في انشغالها بالتدين (ولا أقول الدين)، حيث تصبح ممارسات وأدبيات التدين جزءا لا يتجزأ من كافة أشكال الممارسة الحياتية اليومية، ومبررا أساسيا لكافة السلوكيات والتوجهات الإنسانية، ومنها علاقة الفرد بالحاكم وبالشيخ أو القسيس، التي تصبح صورة مصغرة لعلاقته بالخالق نفسه جل جلاله.
فإذا عدنا لأكثر من خمسة آلاف سنة لوجدنا أن فرعون مصر كان يقدم نفسه – بمساندة الكهنة – على أنه إبن الإله أو صورة الإله أو الإله نفسه – فهو يحمل إسم الإله رع وصورته وبهاءه وسلطانه ويحكم به شعبه - أى شعب الفرعون أو شعب الإله لا فرق، وكان الدعاة – الكهنة يقدسون مباركتهم للطغاة لكي يستتب الحكم ويستقر السلطان وتكون الهيمنة على العبيد أو العباد كاملة وشاملة، وفي النموذج الإسلامي للخلافة بدأت الإغتيالات السياسية - المتذرعة باختلافات دينية – مبكرا واستمرت في الدولتين العباسية والأموية حتى سالت الدماء أنهارا تكتب تاريخا من المؤامرات والاغتيالات والصراعات والحروب والفتن، كلها مسربلة بأوشحة دينية ورايات منمقة يالآيات وسيوف مصبوغة بالصفات والكنيات الدينية فهذا سيف الإسلام، وذاك أمير المؤمنين وآخر هو المعز لدين الله، وقامت الجماعات والفرق بتكفير بعضها بعضا مناصرة لهذا الحاكم بأمر الله أو ذاك الناطق باسم الله، وإلى يومنا هذا نجد ذلك الإقحام لإسم الجلالة في أسماء الحكام وأولادهم وأصحابهم ودعاتهم حتى يضمنوا إذعان الناس لهم كنوع من الأذعان لخالقهم الذي يحكمون بأمره وينطقون باسمه.
ولم يحدث هذا في الدول الإسلامية وحدها، إذ عرف الأذكياء الأفاقين والمدفوعين بشهوة السلطة أن الطريق إلى الاستحواذ على عقول وقلوب الناس وضمان إذعانهم لابد أن يمر عبر السماء، وكان ذلك منذ القدم، وحدث في كل مكان وكل جماعة وكل دين، فحين آمن قسطنطين الإمبراطور البيزنطى بالمسيحية التي كانت قد انتشرت بين أفراد شعبه أعلن أنها هي دين الدولة، وراح يضطهد كل من يؤمن بمفهوم للمسيحية مخالف لمفهومه، وفي التاريخ الأوربي الوسيط كان الأباطرة يتحالفون أو يتصارعون مع البابوات نزاعا على التفرد بالتسلط على الشعوب، واستخدمت الاختلافات الدينية كعامل إثارة للنعرات الطائفية وتأجيج العاطفة الدينية لتجييش الجيوش وإرسالها لأراضى الآخرين نشرا للدين أو حماية للمقدسات أو إنقاذا للمدن المقدسة أو أنتصارا للإله الأوحد على الكفار من عبدة الآلهة المزيفة أو المشيطنة أو المحرفة!!
الطغاة بطبيعة تكوينهم النفسي ونوعية الشهوة التسلطية والتوسعية لديهم لا يرتدعون عن الاستئثار بالحكم والاستبداد به إلا إذا أرغموا على هذا لذلك لم تكن الحرية تعطى أبدا ولكن تنتزع انتزاعا، ولم تصل الدول الغربية إلى ديمقراطياتها الحالية إلا عبر ثورات دامية مثل الثورة الفرنسة والأمريكية (حرب الاستقلال والحرب الأهلية) والروسية وغيرها، حتى استطاعت هذه الشعوب المتوثبة أن تنزع عنها أغلال الاستبداد السياسى والاستعباد الدينى معا وأسست نظما جمهورية وملكية دستورية لا سلطان فيها سوى سلطان الدستور والقانون الذى يضعه الشعب مع ضمان حقوق عامة للإنسان وللأقليات تمنع كل أشكال الإضطهاد والاستعباد سواء للفرد أو الجماعات، وأنفرطت تماما علاقة الطغاة والدعاة في هذه الديمقراطيات بل أختفى أو كاد تعبير الطاغية والداعية من الساحة العامة.
أما في التاريخ الحديث للمنطقة العربية فقد استمر اقتران الطغاة بالدعاة في الخلافة العثمانية التي فردت سلطانها على بلاد المنطقة، حيث كان السلطان هو الخليفة الحاكم باسم الله الذي يملك أحكام الدنيا والدين معا، وماتت تحت هذا الحكم الديني كافة أشكال الابداعات الانسانية والحريات والحقوق الفردية والجماعية واستبد من استبد ودخلت المنطقة بأسرها في حالة موت سريرى استمر حوالي خمسة قرون لم تنته في مصر إلا حين جاء محمد علي وأسس الدولة العصرية على غرار الدول والنظم الاوربية التى أرسل لها البعثات تتعلم وتنقل منها أساليب الدولة الحديثة، فإذا بمصر تنتقل في أقل من نصف قرن إلى مصاف الدول الكبرى ولم يكسر محمد علي سوى جشعه الذي دفعه إلى إرسال أسطوله إلى اسطنبول للاستيلاء على مقر الخلافة فتصدى له الاسطولان البريطاني والفرنسي محطمين أحلامه، ولم يمر وقت طويل حتى قامت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية بتقسيم المنطقة وأحتلالها.
بعد سقوط الخلافة العثمانية ظلت أحلام استعادتها تعاود الطغاة والدعاة معا فكيف لحاكم دنيوى أن يقاوم إغراء أن يكون أيضا الحاكم الديني الأعلى فيمسك بمفاتيح الأرض والسماء معا لأفراد شعبه؟ حتى الشاب الصغير فاروق بعد وفاة والده الملك فؤاد داعبه نفس الحلم فأراد أن يكون تتويجه في الأزهر حتى يتسربل بوشاح الخلافة فتصدى له الزعيم المصري مصطفى النحاس معارضا ومصرا على أن يكون القسم والتتويج في البرلمان المصري أمام ممثلي الشعب، وكانت هذه بداية كراهية الملك المطلقة للنحاس ولحزب الوفد التي استمرت طيلة حكمه حتى أخرجه الضباط الأحرار من مصر.
أما الدعاة فلم يتخلوا عن الحلم بالسلطة التي تأتيهم عن طريق الخلافة وتزويج الدولة بالدين، فنجد في التاريخ المصري هذه اللحظة اللافتة التي قام فيها مصطفى النحاس وكان رئيسا للوزراء في أربعينات القرن الماضى باستدعاء الشيخ حسن البنا زعيم جماعة الإخوان المسلمين في مقابلة تاريخية قال له فيها أن الجماعة مرحب بها كجماعة دعوية دينية طالما حصرت نشاطها في المجال الدعوي - أما وان تمارس نشاطا سياسيا فهذا محظور عليكم - فإن كنتم تريدون السياسة عليكم الكف عن النشاط الدينى وتكوين حزب سياسى بحت، أما الخلط بين الدين والسياسة فمحظور وستكون له عواقب وخيمة عليكم.
كان هذا موقف حزب الوفد الوطنى ذو التاريخ المشرف في الحركة الوطنية المصرية وهو موقف كان على المجلس العسكري الحاكم اليوم باسم الثورة المصرية أن يتخذه بحزم مع نفس الجماعة التي راحت اليوم تلعب لعبة خلط الدين بالسياسة فأسرعت الجماعات الإسلامية المختلفة تؤسس أحزابا سياسية قالوا أن مرجعيتها إسلامية وهو تلاعب فاضح فأي حزب سياسي يجب أن تكون مرجعيته سياسية هي إرادة الناخبين والدستور والمصلحة الوطنية وليس عقيدة سماوية حتى لو كانت هي عقيدة الأغلبية فهو يعني أن الحزب طارد بالضرورة لمن لا يتبع عقيدته الدينية حتى لو ضم عدداً رمزيا منهم، ولكن هذه هي أحلام الراغبين بالدولة الدينية المتطلعين إلى الهيمنة الكاملة على أمور البشر الدنيوية والدينية معا وهو ما يؤدي دائماً إلى الاستبداد السياسي والإستعباد الديني، ولذلك كان توصل الغرب إلى صيغة الدولة المدنية والمجتمع المدني الذي لا يضطهد فئة باسم الدين أو المذهب وتتعايش تحت مظلته أتباع مختلف الأديان والمذاهب في مساواة ومواطنة كاملة الحقوق هي الصيغة الأنجح التي أدت إلى الانطلاقة الحضارية الهائلة التي حققتها المجتمعات في الغرب الحديث.
في الأشهر القليلة الماضية وحدها شاهدنا أحداثا دموية وسمعنا أقوالا عدوانية فظة لها صبغة دينية وطائفية هي نفس التي صبغت تاريخ المنطقة والعالم بدم النزاعات والحروب - تهدد مصر بخطر الدولة الدينية التي يتوحد فيها الطغاة والدعاة ويقترن تحت أعلامها الظلامية الاستبداد السياسي بالاستعباد الديني، حيث سرعان ما تعلو الأصوات التي تكفر الخروج على طاعة الحاكم أمير المؤمنين كما تكفر وتحرم كافة مظاهر التفكير والتعبير والابداع العلمي والفني والثقافي والاجتماعي ويصبح الهم والهوس الاساسي هو كم مساحة ما يجب أن يظهر من جسد المرأة، وماذا يأكل الإنسان وماذا يشرب، وعلى أى ذراع يلبس الساعة، وبأى قدم يدخل أو يخرج من المرحاض، وهل يجلس فيه أم يقف أم يقرفص، هذه هى أدبيات وسلوكيات التشدد الديني الذي يصاحبه دون تأخر الانحدار الحضاري، ولهذا كان على المجلس العسكري ومن يأتي بعده حاكماً لمصر أن يقف بحزم كما وقف مصطفى النحاس من قبل ضد الحالمين بالدولة الدينية الطامحين إلى توحد الطغاة والدعاة لكي يحمي مصر من مصير الدول الفاشلة التي أخرجت نفسها من العصر وارتدت إلى كهوف التاريخ حين سمحت لحاكميها أن يرتدوا مسوح الدعاة ويفرضوا تفسيرهم لعقيدتهم على الآخرين ويكفروا المخالفين لهم كما نرى بأعيننا اليوم كيف يقوم دعاة الدولة الدينية في مصر بتكفير الليبرالية والليبراليين والعلمانية والعلمانيين، فالتكفير هو سلاحهم الأمضى الذي يذبحون به كل معارضة ويرهبون به كل حر يرفض الخضوع للطغاة والدعاة.
إن مصر في مفترق الطرق وأستغرب كثيراً صمت وإستسلام النخب الثقافية في مصر اليوم أمام الصاعدين المطالبين علنا بالدولة الدينية دون كثير مواراة، لقد قامت هذه النخب من المفكرين والأدباء والفنانين في بداية عهد السادات بتوقيع العرائض والخروج في المسيرات وكان لها دور كبير في رفع صوت الضمير الوطني المصري ضاغطين على السادات لكي يبدأ معركة التحرير والآن مصر مقبلة على معركة تحرير العقول وتحرير المستقبل من أغلال الاستبداد السياسي والاستعباد الديني معا وعلى هذه النخب أن تنزل بكل ثقلها المعنوي والتاريخي الكبير إلى الساحة معلنة وقوفها ضد توحد الطغاة والدعاة وضد الدولة الدينية ومن أجل مصر الحديثة التي لن تستطيع طرق أبواب الحداثة إلا تحت أعلام الدولة المدنية التى تقدس الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. إنني أعتقد أن تحرك هذه النخبة سيكون حافزا على عودة شباب مصر الواعي الذي كان أول من نزل الشارع في 25 يناير – شباب الفيسبوك المثقف المنفتح على العالم الذى هو صاحب الثورة ومفجرها الأول – ومازال الأمل هو في هذا الشباب المصرى الجميل.

ليست هناك تعليقات: