الثلاثاء، 20 مارس، 2012

شبشب وجلباب


بقلم حلمي النمنم
فتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية، وتقدم فى اليوم الأول حوالى مائتى مواطن لسحب أوراق الترشح، وفى اليوم الثانى ارتفع العدد، وهناك تركيز إعلامى على هذا الحدث غير المسبوق عمليا، صحيح أنه كان هناك فى 2005 انتخابات رئاسية، لكن باب الترشح كان محكوماً بشروط تعجيزية، جعلت الانتخابات أقرب إلى الاستفتاء، هذا العام هناك صعوبة كذلك تتمثل فى حصول كل مرشح أو راغب فى الترشح على مساندة «توكيل» من ثلاثين عضوا بالبرلمان، أو توكيل من ثلاثين ألف مواطن من عدة محافظات «15 محافظة»، ومن الناحية الفعلية فإن العدد الكبير من المواطنين الذين سحبوا استمارات الترشح قد لا يتمكنون جميعاً من استيفاء شروط الترشح، ومن ثم فإن هناك من سيقتصر دوره على سحب الاستمارة فقط.

غير أن برامج الـ«توك شو»، أو عدد غير قليل منها، اختزلت الأمر كله، مساء الأحد، وتبعتها عدة صحف صباح اليوم التالى، فى أن مواطناً بجلباب وآخر يرتدى «شبشباً» سحب أوراق الترشح، وانطوى الأمر على حالة من التهكم لا مبرر لها، فإذا كنا ارتضينا الديمقراطية وقواعدها، فمن حق المواطن الذى يرتدى جلباباً أو شبشباً أن يتقدم للترشح، ومن حق صاحب الموتوسيكل أو الدراجة أن يترشح، كما هو حق صاحب الطائرة الخاصة، فى الواقع نحن لسنا إزاء معرض خاص لأزياء المرشحين، لو كان الأمر كذلك لاخترنا المرشح الأكثر أناقة، وفى حدود علمى ليس هناك زى محدد لرئيس الجمهورية، كان اللواء محمد نجيب، وهو رئيس للجمهورية، يرتدى البدلة العسكرية، وكان الرئيس السادات يطل علينا يوماً بالبدلة الإيطالى ويوما بالجلباب والعباءة، ومرة بعصا المارشيالية، وهكذا.. وظهر مبارك مرة سنة 2005 بالقميص فقط دون كرافت وجاكت فأثار استياء الكثيرين، وكان الرئيس عبدالناصر أحياناً بالقميص، نصف كم، خارج البنطلون، وكان ذلك موضع إعجاب الكثيرين.

والحق أننا منذ عام نكرس فى الإعلام بعض شخصيات بصفة «مرشح محتمل» للرئاسة، وصارت أشبه بهوية خاصة للبعض، بالتأكيد هناك شخصيات تعمل فى المجال العام، وكل منهم معروف للرأى العام منذ سنوات بعيدة.

لكن فى خانة المرشح المحتمل دخل - خلال العام - أناس لم يعرف لهم أى نشاط من قبل، وربما يكون ذلك أغرى بعض البسطاء للتقدم وسحب استمارة الترشح، وربما لأن ذلك المنصب أحيط بهالة أقرب إلى القداسة منذ تأسيس الجمهورية فى مصر، أراد بعض المواطنين الاقتراب من هذه المنطقة ولو بالخيال، ولعل الصورة بالغة السوء التى ظهرت للرئيس السابق بعد أن اضطر للتخلى عن الحكم، تدفع أى مواطن، مهما كان به من ضعف أو سوءات ألا يطمح لهذا الموقع.. كل هذا يجب أن نتوقعه وأكثر منه، المهم أن نضعه فى حجمه الطبيعى كفارقة عابرة، لكن لا يصبح هو الشاغل الأساسى لنا.

الغريب أن هناك قضايا كبرى فى انتخابات الرئاسة ولا نحاول أن ننشغل بها، ومن أهمها أن هؤلاء الساعين إلى الترشح - جميعاً - يغامرون وربما يقامرون بدخول حلبة لم يتحدد فيها بعد اختصاصات ولا دور صاحب هذا المنصب، نحن إزاء وضع دستور جديد، فماذا لو جاء الدستور الجديد بجمهورية برلمانية، يصبح الرئيس فيها مجرد منصب شرفى أو بروتوكولى، كما هو الحال فى العراق وفى إسرائيل وغيرهما.. وماذا لو قرر الدستور الجديد حداً أقصى لعمر رئيس الجمهورية بما لا يمكن بعض أبرز المرشحين «المحتملين» الآن من تولى الموقع الرئاسى، وماذا لو اشترط الدستور خلو الرئيس من أمراض بعينها، وطلب أن يكون الرئيس بحالة صحية معينة.

المرشح المحتمل حمدين صباحى، أعلن أكثر من مرة، أنه لن يقبل بالرئاسة إذا كانت الجمهورية برلمانية.. فماذا لو جاءت كذلك؟ هو يتحرك منذ عام، ويبذل جهداً كبيراً، وبالتأكيد هناك اتفاق، هل يذهب كل ذلك هباء.. هل يقامر أم أن لديه تأكيداً بأن النظام فى الدستور الجديد لن يكون برلمانيا؟ هذا فقط مجرد نموذج لقضايا وتساؤلات عديدة مسكوت عنها فى الانتخابات الرئاسية.

حتى على مستوى سحب أوراق الترشح، جرى الاهتمام بصاحب الجلباب وصاحب الشبشب، والتاجر، والعامل، والعاطل، وسط هذا كله هناك - حتى لحظة كتابة هذه السطور ظهر الاثنين - غياب للمرأة باستثناء المرشحة المحتملة بثينة كامل، التى تقوم منذ شهور بجهد وجولات عديدة بالمحافظات، وهناك اختفاء تام للأقباط، لم يتقدم أى مواطن قبطى ولو من باب إثبات هذا الحق فقط كمواطن.

نحن إزاء تجربة وطنية وسياسية جديدة تماماً فى تاريخنا الطويل والممتد، ولم نتعامل معها بالجدية اللائقة، لقد انتظرنا طويلاً ومازال بعضنا ينتظر ظهور المرشح الخفى فى اللحظة الأخيرة، وكأننا ننتظر من يقرر ومن يختار لنا، وهذا يكشف أننا لم نؤمن بعد بالديمقراطية.

ليست هناك تعليقات: