الثلاثاء، 20 مارس، 2012

نحو الأمية الديمقراطية



تعانى الشعوب العربية عامة والمصرية خاصة من امية خطيرة فيما يتعلق بفهمها للديمقراطية. فلا أظن ان هناك كلمة أسىء فهمها والتبس استعمالها عندهم قدر كلمة "ديمقراطية". فالبلاد
على أن أكبر إساءة لفهم الكلمة هو ربطها كلية بصندوق الانتخاب. فالبعض يعتقد ان الديمقراطية هي مجرد رأي الغالبية كما يعبر عنها صندوق الانتخابات. وهو فهم بسيط قاصر لمفهوم كبير وعميق. ولذلك فالكثيرون ممن لا يؤمنون بالديمقراطية لا يمانعوا من استخدامها في الانتخابات كوسيلة لاقرار مكاسب لهم وظلم لغيرهم، واذا تذمر المظلومون سارعوا بتوبيخهم قائلين "أليست هذه هي الديمقراطية التي تطالبون بها فكيف ترفضوها إن عملت لغير صالحكم؟"

الديمقراطية فعلا تتضمن رأي الغالبية، ولكنها لا تقتصر عليه. الديمقراطية هي منظومة كاملة شاملة، اما ان تطبقها كلها أو تتركها كلها، ولكن لا يجوز ان تطبق منها ما يروق لك وتترك ما لا يعجبك. ولكي يكون هناك ديمقراطية لابد من توافر مناخ في المجتمع يتسم بأركان هامة :
مجتمع واعي مدرب على الديمقراطية
الديمقراطية ثقافة كاملة يتعلمها الناس فى مجتمعاتهم منذ نعومة أظفارهم. والاطفال هناك يتدربون على الديمقراطية منذ مرحلة الحضانة بطريقتهم الخاصة فى نطاق عالمهم الصغير وبذلك يتعرفون على أخلاقيات وضوابط هذه الممارسة. فى تلك المجتمعات لا تحتاج الى أمن يدير عملية الانتخاب، ولا توجد مظاهرات أمام دوائر الاقتراع، ولا يحاول شخص ان يؤثر على قرارك أو يشترى صوتك. كل واحد يلتزم بمكانه فى الطابور. وعندما يدخل كابينة الاقتراع لا يحاول آخر ان يتلصص عليه. لا يوجد احتياج الى قضاة يشرفون على نزاهة الانتخابات لان الشعب كله هو حارس لديمقراطيته. وعندما تظهر نتيجة الانتخابات يندر ان ترى من يرفضها. فالناس هناك متعودون على قبول رأى الآخر المختلف طالما تم اقراره بطريقة ديمقراطية شرعية.
حكومة نزيهة تطبق الديمقراطية
الحكومة بفروعها الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية تضمن العدل لجميع الأطراف. وبذلك لن تجد البرلمان يشرع لقوانين ظالمة ولن تجد القضاء يظلم فئة من الناس لأغراض خاصة ولن تجد للحاكم عصابته التى يوظفها لتزوير الانتخابات وترويع المعارضين أو جمعهم ليلة الانتخاب ووضعهم فى السجون لحين الانتهاء من الاقتراع وحتى يتم تمديد انتخاب الرئيس الحالى مرة بعد الاخرى. ولن ترى مرشحا مهما كانت شعبيته ينجح بنسبة 99.99% بل امعانا لضمان عدم ظهور ديكتاتور تحرص الدول الديمقراطية على تحديد المرات التى يستطيع الرئيس اعادة انتخابه. وبعد ذلك يتحول الرئيس الحالى الى "رئيس سابق". وهو لقب غير معروف فى البلاد العربية فقبل ان يتحول الرئيس عندنا الى "رئيس سابق" غالبا يكون عزرائيل قد استدعاه أو يكون شخص آخر طامع فى المنصب قد قام بقلب نظام الحكم وقتل الرئيس الحالى أو خلعه من منصبه ثم نفاه أو أودعه السجن.



حقوق انسان واضحة تكمل الديمقراطية.

فى البلاد الديمقراطية هناك حد أدنى لحقوق الانسان معترف به ومفروغ من أمره. هذا الحد الادنى لن تجده معروضا للتصويت لان التصويت يكون فقط فى القضايا التى تحتمل التغيير . لن تجد قانون ينظم بناء دور العبادة معروض للتصويت لان حرية بناء دور العبادة لا تحتاج الى قانون فهى مكفولة للجميع. ولن تجد هناك تصويت لمنع التحيز الوظيفى لأن التحيز الوظيفى ضد اساسيات المجتمع ولا يحتاج لقانون يؤيده أو يلغيه. حقوق الانسان هناك ينظرون لها على انها حق من حقوق الميلاد تأخذه طالما انت انسان حى. وكما قال رامزى كلارك: حقوق الانسان هى ليست ما يمنحها لك انسان بل ما لا يستطيع ان يمنعها عنك.



دستور قوى يحمى الديمقراطية

الدستور هو الحصن المنيع الذى يضمن حقوق المواطن. وفى القضايا التى تعرض على الناخب فان الدستور هو الذى يحمى المواطن من اساءة استخدام صندوق الانتخابات. فتصور مثلا ان أحد المتشددين الاسلاميين فى مصر (طلع فى مزاجه) أنه لا يجوز وجود كنائس فى مصر. وقرر أن يعرض على الناخبين مشروع قانون بهدم جميع الكنائس وحظر بناء كنائس جديدة. مثل هذا القانون قد يحظى حاليا بالتأييد من الناخبين فى مصر لأن نسبة تعداد المسيحيين يبلغ مجرد 15% مقابل 85% للمسلمين. صمام الامان فى مثل هذه الحالات هو دستور قوى واضح يمنع التمييز ويضمن للناس حقوقهم. وهذا للاسف غير موجود فى الدستور المصرى فى ضوء وجود المادة الثانية التى تنص على أن مبادىء الشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. ولكن اذا كان هناك دستور يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين، فان مشروع القانون هذا سيرفض لعدم دستوريته حتى قبل عرضه على الناخبين. ولذلك فالمطالبة بوضع الدستور قبل الانتخابات أمر منطقى لأن الدستور هو الذى يضع قواعد اللعبة الديمقراطية ويحدد ما هو مباح فيها وما هو غير مباح.

أقولها بكل أسف أن مصر حاليا غير جاهزة لممارسة الديمقراطية. فالبلد الذى يبلغ 40% من سكانه أميون بالقراءة والكتابة، والبقية معظمهم أميون بمبادىء حقوق الانسان، والتى يميز دستورها بين المواطنين على أساس الدين، والتى يذوق فيها المسيحيون المر قبل ان يصرح لهم ببناء كنيسة يصلون فيها الى الله - لا أظن أن هذا البلد قادر على ممارسة الديمقراطية الحقيقية.

تحتاج مصر ان تدخل مدرسة محو الامية الديمقراطية، والتى ينطقها بعض العامة، ربما عن صدق، مدرسة "نحو" الأمية.

ليست هناك تعليقات: