الأحد، 19 فبراير، 2012

هوامش على الأنتخابات المصرية



الكاتب شكري بسطوروس
الانتخابات:
مرت المرحلة الاولى من الانتخابات البرلمانية المصرية تمهيداً لتأسيس برلمان ما بعد الثورة وليس برلمان الثورة... لم تكن نتائج المرحلة الاولى للانتخابات منشئة لواقع جديد للمجتمع المصري بقدر ما كانت كاشفة لهذا الواقع. كما أن عملية الانتخابات جاءت - في غير وقتها المناسب - لتكرس دكتاتورية تُحكم بها مصر منذ 60 عاماً، لا لتؤشر لبدأ عهد جديد من الديمقراطية التي من أجلها قامت ثورة 25 يناير.
هنا يجب التفريق بين ثلاثة أمور: العملية الانتخابية والتصويت والمشاركة في التصويت. نعم نحن رأينا اقبالاً شعبياً رائعاً على عملية المشاركة في التصويت. أما عملية التصويت نفسها فقد شابها مخالفات كثيرة وجسيمة، كالدعاية الانتخابية داخل اللجان وخارجها خصوصاً الدعاية الدينية المتعصبة، مروراً بتواجد اعضاء من الاخوان المسلمين والسلفيين خلف ستائر التصويت بكثير من اللجان، وفي وجود القضاة. فضلاً عن الرشاوى الانتخابية او وصول بطاقات التصويت متأخرة للجان او عدم وجود القضاة في بعض اللجان الانتخابية وبالتالي عدم فتح اللجان او فتحها متأخرة وبدون اشراف قضائي بل حدث أن ترك القاضي لجنة مدرسة دي لاسال بالظاهر وتوقفت عملية التصويت منذ الثانية عشر ظهر اليوم الاول لأن القاضي لم يرتح لغالبية المصوتين، والمعروف ان منطقة الظاهر يسكنها نسبة عالية من الاقباط. فضلاً عن مخالفات فنية لا مجال للخوض فيها الآن.
اما عملية الانتخابات ذاتها فهي اوسع واشمل من ذلك .. فهي تتعلق بقانون الانتخاب بصورة اساسية. فالآلية المتبعة في توزيع المقاعد في نظام القوائم النسبي الجديد في مصر تجعل ثلثي المقاعد البرلمانية مخصصة للأحزاب الكبيرة دون الصغيرة، لسببين: الأول، هو توسيع نطاق الدوائر الانتخابية بحيث تخدم الاحزاب الكبيرة. أما الثاني فهو اعتماد قاعدة فوارق الاصوات الانتخابية حيث يتم توزيع اصوات الناخبين الذين صوتوا لأحزاب لم تنجح على الاحزاب التي حصلت على اعلى نسب تصويتية! أي أن قانون الانتخابات الجديد يكافئ الحزب الفائز بأعلى نسبة تصويت بهدية مجانية اسمها فوارق الاصوات الانتخابية التي قد تضاعف عدد مقاعده في البرلمان وكان الاولى ان تعمل هذه القاعدة لا لصالح الاحزاب الكبيرة بل الصغيرة لضمان تمثيل كل فسيفساء الوطن في البرلمان. فضلاً عن انها طريقة فيها اجحاف بالناخبين الذين صوتوا للاحزاب الصغيرة التي عادة ما تكون احزاب معارضة اذ ستذهب اصواتهم على غير إرادتهم إلى الجانب الذي يعارضونه، علاوة على ظلمها الشديد لهذه الاحزاب الصغيرة. ما نود قوله هنا ان حزباً كالحرية والعدالة (الاخوان المسلمين) إذا فاز بنسبة اجمالية 40% فسيحصل على نسبة اضافية من المقاعد قد تصل إلى 25% هدية من ناخبين لم يريدوه وصوتوا لأحزاب تعارضه، وذلك بسبب عوار قانون الانتخابات.
نتائج الانتخابات:
نتائج الانتخابات بل والعملية الانتخابية بكاملها ليست بداية طريق الديمقراطية بل هي عملية كاشفة للمجتمع سياسياً .. فالديمقراطية ليست صندوق انتخاب، من يعتبر الديمقراطية مجرد صندوق الانتخابات هو كمن يعتبر الزواج مجرد علاقة جنسية! لابد ان تجتمع عدة عوامل معاً داخل المجتمع حتى يمكن ان نعتبره مجتمعاً قادراً على ان يقيم نظاماً ديمقراطياً. اول هذه العوامل هو حرية التفكير، ثانياً حرية التعبير بكافة اشكالها وهذه جميعها يلزمها قدر كبير من الوعي المجتمعي الناشيء عن تعليم وثقافة منفتحين. ثم يستتبع العاملين الاولين وهما حرية التفكير والتعبير عامل ثالث هو حرية تكوين الاحزاب، ثم رابعاً التداول السلمي للسلطة، وخامساً الاقتصاد الحر، وسادساً علمانية الدولة.
هنا مربط الفرس، فالعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وليس فصل الدين عن المجتمع.. فالدولة العلمانية تحكم بقوانين يضعها البشر لا بنصوص وقوانين إلهية مقدسة. المقدس مطلق لا يحتمل التعديل او الخطأ. اما الانساني فنسبي يحتمل الصواب والخطأ وليس له قداسة. لابد ان نفرّق هنا بين ما هو مقدس وما هو بشري بل بين ما هو إلهي وما هو تأويل للإلهي الذي هو بالضرورة تأويل بشري يحتمل الحذف والاضافة والتغيير، والصواب والخطأ. من يدعون انهم يحكمون بشريعة إلهية شاملة وكاملة، ما حاجتهم بعد للبرلمان الذي وظيفته الاساسية سن التشريعات؟
يُعَّرف الفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة العلمانية بأنها: «التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». موضحاً انه بتقدم الكشوف الفلكية اكتشف الانسان ان الارض التي يعيش عليها ليست مركزاً للكون. ومن ثم فأن الانسان ايضاً ليس مركزاً للكون. وعندما لا يكون الإنسان مركزا للكون، فمعني ذلك أن الإنسان لم يعد في امكانه توهم اقتناص الحقيقة المطلقة».
ثم يكمل: «وإذا توهم الإنسان ذات يوم انه قد اقتنص الحقيقة المطلقة فأنه في هذه الحالة يقال عنه إنه دوجماطيقي. ودوجماطيقي لفظ معرب من اللفظ اليوناني دوجماطيقوس والمقطع الأول من هذا اللفظ هو دوجما يعني المعتقد المطلق، الدوجماطيقي إذن هو نقيض العلماني... والسؤال بعد ذلك: من هو الدوجماطيقي في مجال السياسة؟ إنه الديكتاتور لأنه هو الذي يتوهم أنه وحده المالك للحقيقة المطلقة، وليس أمام الشعب سوي الإذعان له، الديكتاتور إذن ليس في امكانه أن يكون علمانيا».
«وإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب، وإذا كان الشعب متطور ومتغير فإن تفكيره بالضرورة يكون علمانيا، ومن ثم تكون العلاقة حتمية بين الديمقراطية والعلمانية، وليس بين العلمانية والديكتاتورية، ومن هنا يمكن القول بأنه «لا ديمقراطية بلا علمانية»، ولا ديمقراطية مع الأصولية الدينية لأن هذه الأصولية تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتكفر من يكون علي نقيض هذا الوهم». هنا نجد ان الدكتاتورية والاصولية الدينية يلتقيان في وحدة نهج الحكم السياسي. إذن فأكثر من نصف الشعب المصري صوت للدكتاتورية الدينية!
ماذا بعد:
الانتخابات لم تنتهي بعد، فالمرحلتان الثانية والثالثة من الانتخابات مازالا في الافق. ونحن ندعو كل القوى الليبرالية وكل المؤمنين بالدولة المدنية للتنسيق فيما بينهم لمنع تفتيت الاصوات. كما يجب ألا نلتفت لأي من الاصوات اليائسة التي تقول أن الانتخابات انتهت او أن البلد ضاعت.. في هذا يقول الاستاذ مجدي خليل: «هناك حرب نفسية يشنها الأخوان المسلمون واتباعهم من اصحاب اللحى بأن الإنتخابات قد حسمت لهم، علينا أن لا نلتفت نهائيا إلى هذا الكلام ونستمر حتى النهاية... على الجميع أن يذهبوا فى المرحلتين الثانية والثالثة، علينا كذلك أن لا نشتت عملية التصويت ونركز جميعا لإنتخاب الكتلة المصرية حتى تستطيع أن تحقق نتائج أفضل في المرحلتين الثانية والثالثة. لا تلتفتوا إلى ما يقال ولا تيأسوا من النتائج فهذا هو غرضهم وهذه هي طريقتهم وهذا هو اسلوبهم. فلنتوجه جميعا فى المرحلتين الثانية والثالثة لإنتخاب الكتلة المصرية».
اما د. طارق حجي فيقول: «على كل المصريين الأحرار المهتمين بصنع مستقبل أفضل ومن بينهم كل الليبراليين والنساء المتمسكات بحقوق المرأة العصرية (وليس حقوق «إمرأة الشادور») وعلى كل المسيحيين ان يطلبوا من كل انسان سيصوت فى المراحل القادمة ان يكون تصويتهم لأفراد ولقوائم ينتمون للكتلة المصرية، فهى الوحيدة القادرة على تحقيق توازن أمام التتار الهاجمين علينا بعقلية وسحن إنسان الكهف .... لذلك على كل منا عدم الإستسلام لليأس أمام الهجمة التتارية، وعلى كل منا تشجيع كل من لم يصوت بعد على التصويت للكتلة المصرية».

ليست هناك تعليقات: