الاثنين، 1 أغسطس، 2011

مليونية الخديعة واللحي والجلاليب


بقلم الحمامة الحسنة 


ذكر المؤرخين في مؤلفاتهم التراثية الإسلامية قصة مقتل الحسن إبن على وكيف قتله معاوية إبن أبي سُفيان حين إغتصب الخلافة منه بعد ستة أشهر من توليه الخلافة بعد مقتل أبيه على إبن أبي طالب ،فإستطاع معاوية أن يحرض عليه زوجته جعدة بنت الأشعث فدسَّت لزوجها الحسن السُم في العسل فقتله، وعندما جاء الخبر لمعاوية،هلل ومن معه وكبروا لله حمداً وشكراً أن جريمتهم لإغتيال الحسن قد تمت وقضى نحبه بأمر الله تعالى وبمباركته وقال معاوية فرحاً وشماتة مقولته المشهورة : ( إن لله جنود من عسل ).

هكذا السم في العسل أصبح السمة الفتاكة والأسرع في تولي الخلافة الإسلامية فكثيرين من الخلفاء ماتوا مسمومين حتى من أقرب الناس إليهم مثل الخليفة المنتصر بالله الذي إغتال أبيه الخليفة المتوكل على الله ليعتلي سريعاً المنتصر بالله كرسي الخلافة البراق ويصير وكيلاً وخليفة لله على الأرض، مثلما قال معاوية: (الأرض لله, وأنا خليفة الله ... الحكم حكم الله , والخلافة خلافة الله) ومن هذا المنظور يرون الإسلاميون أن من حقهم أن يحكمون الأرض كخلفاء لله ويقتلون ويستبيحون دماء العباد بإسم الله وبإسم الدين.. فهذه القصة وهذا الفكر هو المشهد عينه الذي في (مليونية لمّ الشمل بالتحرير) يوم 29 يوليو، حين دعت القوى السياسية بكافة أطيافها الحزبية والإئتلافية لمليونية يجتمع فيها الشعب لتوحيد الصف و( لمّ الشمل)، وسرعان ماظهرت الخديعة الكبري والمؤامرة، فأي شمل سوف يتوحد تحته فئات الشعب بأحزابه وإئتلافاته السياسية المختلفة، شمل الدولة المدنية أم شمل الدولة الثيوقراطية والخلافة الإسلامية ؟! 

فرغم أن جميع الأحزاب والإئتلافات نادت بعدم رفع أي شعارات لفصيل معين سواء شعارات دينية أو مدنية لأنها جمعة لمّ الشمل لنا جميعاً كمصريين بغض النظر على الإنتماءات السياسية أو الدينية المختلفة، إلا أننا فوجئنا بما كان يتوقعه الجميع من منشورات إنقلابية على الثورة من جماعة الإخوان لإقامة دولة الخلافة الإسلامية وإعلان دستورهم الإخواني الذي أعلنوا فيه تعيين إمام خوميني ببيعة عامة يحددها القانون وطاعة هذا الإمام واجبة ولأصحاب البيعة من العلماء المسلمين عزل الإمام وأن التبرج محظور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فرض على الناس، فالمنشور الإخواني كُتب بلغة أبو جهل الذي عاش في عصر أهل الكهف ليثبت للعالم مدى التخلف الفكري لهذه التيارات الإسلامية المسيَّسة، التي تحاول أن تتسلق الثورة لتغتالها وتسرقها وتقطف ثمارها على حساب دماء الشهداء وتخدع البسطاء والمغيبين من عامة الشعب لتمتطيهم بعسل الكلام من الشعارات والمتاجرة بإسم الدين مرتديين عباءته ليقفذوا على الثورة لإغتيالها .

من مشاهد هذه المليونية الغبراء،ما شاهدناه من ممثل الجماعة الإسلامية محمد صلاح الشرقاوى الذي أعتبر أن مليونية لمّ الشمل هو بداية الطريق إلى النصر وتمكين الإسلاميين بمصر، وقال للمتظاهرين ( اليوم أنتم الأعلون فوق الليبراليين والعلمانيين وجميع الطوائف"، مشيرا إلى أن الحكم فى مصر سيكون خلافة راشدة).

ومشهد أخر للشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث بإسم الدعوة السلفية الذي طلب من القائمين على المنصة تشغيل الأغاني التي لا يوجد بها موسيقى وقال " نحن نتبع المذهب الذي يقول بحرمة الغناء"، بينما قام البعض بغلق الاغانى الوطنية وتشغيل القرآن فى الميدان لأن الأغاني والموسيقى رجس من عمل الشيطان، وكأنهم في غزوة لإعلان قيام الخلافة الإسلامية لجمهورية مصرستان الطالبانية !

وهنا نسأل هؤلاء الإسلاميين المتسلقين والمتطفلين على الثورة هل دولة الخلافة الإسلامية التي يريدون إقامتها في مصر يمكن أن يجتمع تحتها شمل كافة التيارات العلمانية والليبرالية من الذين يرفضون جملة وتفصيلاً مظلة هذه الخلافة الإسلامية الخومينية.. أم أنها دولة ستخدم مصالحهم وأطماعهم وتخدم فصيل ديني بعينه دون فئات الشعب المصري كله .. وهذا الفصيل الديني بالطبع لايمثل الشعب المصري بفئاته بل هو فصيل لايمثل سوى نفسه ؟ وأي مظلة إسلامية يمكن تحتها لم شمل الشعب بفئاته المختلفة،هل هي مظلة السلفيين أم الإخوان أم الجماعة الإسلامية أم جماعة الجهاد أم الصوفية أم السُنَّة ام الشيعة.... ألخ ؟! 

وهل التاريخ أثبت نجاح تجربة دولة الخلافة الإسلامية الثيوقراطية وتوحدت تحتها الشعوب أم كانت سبب للصراعات والمؤامرات المريرة بدءاً من دولة الخلافة الراشدة التي يحلمون بإقامتها والتي قُتل فيها كل خلفائها مابين مسمومٍ ومطعون،ومروراً بالخلافة العباسية بقيادة خليفتهم الأول "السفاح" والذي قتل وأباد جميع أسرة البيت الأموى بطريقة وحشية يشهد عليها التاريخ ويُحاكي بها، وقامت الدولة العباسية على أنقاضهم وعلى جثثهم وإتصفت بالمجون والفجور، ناهيك بأن معظم خلفائها من أولاد الجواري والإماء الماجنين والمتسترين تحت عباءة الدين ومنهم من مات إما قتلاً أو سُملت أعينهم، وشهد التاريخ على هذه الخلافة العباسية أن الإبن فيها قتل أبيه والأخ فيها قتل أخيه، فإعتلاء كرسي الخلافة الإسلامي البراق حلم الإسلاميين والذي فيه يتصارع ويتآمر المتلهفون للجلوس عليه ولو حتى على جثث وأشلاء أقرب الناس إليهم.

والمشهد نفسه نشهد بوادره اليوم في التحرير الذي إحتشد من كل حدبٍ وصوب، والذي تحول إلى حلبة مصارعة، البقاء فيها للمصارع الأقوى في فرض سيطرته بالبلطجة والهمجية ورفع الشعارات الإسلامية التي تستفز مشاعر فئات الشعب وترديدهم : ’’إسلامية إسلامية’’و’’الشعب يريد تطبيق شرع الله’’ ، وفي أسيوط ردد المتظاهرين: (الشعب يريد تهجير الأقباط )، والهتافات المؤيدة للجيش والمجلس العسكري مثل ’’ الجيش والشعب أيد واحدة ’’ و ’’ ألف تحية للمشير .. من قلب ميدان التحرير’’ لدرجة أن أحد شيوخ السلفيين دعا على منصتهم وهو يبكي بحُرقة ’’ اللهم حكم فينا شريعتك’’ مع رفضهم التام لرفع أي شعارات مدنية في الميدان ناهيك عما حدث في المحافظات في هذه المليونية من قتل وحرق وجرائم بلطجة من هؤلاء الإسلاميين.

فلماذا الآن الجيش والإسلاميين إيد واحدة ،وألف تحية للمشير من مليونية اللحية بالتحرير ؟!

وفي الوقت الذي قام فيه هؤلاء الإسلاميين بإهانة مصر وخيانتها عندما أهانوا العلم المصري ونزع النسر من عليه وكتابة الشهادتين الإسلامية بدلاً منه،ولم يكتفوا بتلك الإهانة لعلم مصر الذي يفتخر به كل مصري من جميع الأديان لأنه رمز لهويتنا المصرية العريقة، بل تمادوا في جهلهم المطبق وتعصبهم الأعمى برفع عشرات الأعلام الخضراء مرددين أنه رمز الإسلام ليثبتوا لنا وللعالم، لأي دولة ينتمي ولاء هؤلاء السلفيين الوهابيين،عندما يعتقدون بأن الهوية السعودية أصبحت رمز للإسلام وللإسلاميين في مصر، ويثبتوا للمرة العاشرة أن هذه الأعلام الخضراء مدفوعة الأجر مسبقاً يوم قبضت الحكومة الإنتقالية الثمن بضع مليارات من الدولارات من دولة تصدير الإرهاب والفكر المتطرف المسموم .

إنها خيانة عظمى لمصر ومسكوتٍ عنها من قِبل الحكومة الحالية، أين المجلس الأعلى للقوات المسلحة من كل هذا الذي يحدث من التيارات الإسلامية المتطرفة، ولماذا هذا الصمت الرهيب منه ؟ وهل سكوت المجلس العسكري يعني علامة الرضا على مايفعلونه من جرائم ومهازل وخيانة للوطن، لمجرد أنهم هتفوا بحياة المجلس وحياة المشير ؟
لماذا لم نتعلم من أخطاء وأحداث التاريخ أن نظام الخلافة الإسلامية الذي يطالب المتطرفين الآن بتطبيقه وفرضه على رقاب المصريين، كان دائماً نظاماً فاسداً وفاشلاً فشلاً ذريعاً، لأنه يبدأ بشعارات إسلامية ولايأخذ هذا النظام بوضع النظريات السياسية أو منهج سياسي معين أولاً ثم يُطبق نظريته أو منهجه ثانياً ؟

والمثال واضح في المنهج الذي ينتهجه الإخوان ببرنامج سياسي زائف لإسكات وخداع البسطاء بينما تطبيقهم الشريعة والحدود هو منهجهم المسكوت عنه والذي سيكشر عن أنيابه يوم يسيطرون على كرسي الخلافة لمصر الإسلامية.

فيقول الكاتب والمفكر المصري المستشار محمد سعيد العشماوى فى كتابه الخلافة الأسلامية بخصوص هذه الشعارات الإسلامية الطنانة : ( كذلك فقد ظهرت الشعارات التي سوف تصبح مذاهب بعد ذلك تحكم كل التاريخ الإسلامي وتسيطر على كل أحداثه مثل: خليفة الله، عمل الله ،حاكمية الله، وصي الله، أهل البيت،.. وهكذا، وقد أدت هذه الشعارات وتلك الإنقسامات إلى ظهور الشيعة، وظهور الخوارج، وتأسيس الخلافة الأموية، ثم تقويض هذه الخلافة وإقامة الخلافة العباسية، وشيوع الباطنية والتقية، وإنشاء الخلافة الفاطمية ... إلى غير ذلك. وفي كل الأحوال فقد بدأ الإنشقاق بشعار، وظهر الإنصداع بقالةٍ، وبدر الإنفصال بلافتة، ثم تحول الشعار مع الأيام إلى مذهب وتجلي القول مع الوقت في مبدأ، وتبلورت اللافتة مع الزمن في إتجاه،وخلق هذا الإتجاه وذلك المبدأ وذاك المذهب مناصرين ومريدين وأتباعاً وأشياعاً ومؤمنين به ومعتنقين له، ومحاربين عنه ومقاتلين في سبيله، مع أنه قد يخالف صميم الإسلام وجوهر الإيمان وصريح الشريعة، كما أنه قد لايجد له سنداً من التاريخ غير شعار، وسبباً من الأحداث إلا قولاً، وأساساً من الواقعات إلا ظناً،...)، وهكذا يتم تعميم وتشييع الشعارات فالتعميم مع الوقت يتحول إلى تبرير، فما يفعلونه الآن هو تهيئة للعقول وللنفوس لتقبُل تطرفهم الفكري المسموم، ومع الوقت يصبح التعميم نظرية سياسية وإتجاه سياسي قام على أساس شعار ديني وفيه يتم تكبيل مظاهر الحياة اليومية وإلباسها ثوب الدين،

رحمة الله عليك يادكتور فرج فودة ياشهيد الكلمة، قتلوك لإسكات صوتك إلى الأبد ولكن ها كلمتك تُمجَّد الآن بتحقيقها، فالكلمة لاتموت أبداً بل تظل سيفاً ينحر في رقاب من يحاول نزعها وإخراسها.. فكتابك ( الحقيقة الغائبة) هو كلمة حق ممجدة والذي تنبأت فيه عن هؤلاء القتلة سافكين الدماء الذين يحاولون الآن أن يقتلوا كل الشعب المصري عن طريق إخراس كل من ينادي بمصر في ثوبها المدني والمتحضر، ولا وألف لا لثوب الرجعية والتخلف. فصدقت ياشهيد الكلمة حين قلت: ( ولعل إحدى مشاكل الداعين للدولة الدينية أنهم يدركون أنها تحجر على كل إبداع أو تفتُح أو إجهاد للذهن أو اجتهاد للعقل، وأن كل ما يعيشه الناس ويتقبلونه تقبلاً حسناً، لا يمكن قبوله بمقاييس الدولة الدينية بحال، فالأغاني مرفوضة، والموسيقى مكروهة عدا الضرب على الدفوف، والمغنيات فاجرات نامصات متنمصات، والمتغنون بغير الذكر ومدح الرسول فاسقون يلهون المسلمين عن ذكر الله ويدعونهم إلى الفاحشة، وممارسة المرأة للرياضة فتنة وإثارة للفتن، واختلاطها بالرجال جهر بالفسق، والتمثيل مرفوض لأنه كذب، ولأن هزله جد وجده هزل ورسم الصور للأحياء حرام، وإقامة التماثيل شرك، والديمقراطية مرفوضة لأنها حكم البشر وليس حكم الله، ومعاملة أهل الذمة على قدم المساواة إن لم تكن منكراً فهي مكروهة، ولا ولاية للذمي، وباختصار عليهم أن يهدموا كل شيء، ويظلموا كل شيء، ويمنعوا كل شيء، وأن تقام دولتهم على أنقاض كل شيء، وبديهي أن الحديث في هذا الإطار عن حرية الفكر لغو، وأن ادعاء حرية العقيدة هراء، وأن تصور نهضة الأدب أو الفن نوع من أحلام اليقظة لا يستقيم مع الواقع، ولا يستقيم الواقع معه، ولعل هذا أحد أسباب حرصهم على الامتناع عن بلورة برنامج سياسي متكامل، به قدر قليل من المواعظ والكلمات الطنانة، وقدر كبير من تصور الواقع أو معايشته، وبه قدر ولو معقول من احترام عقولنا، ناهيك عن احترام مشاعرنا.) 

إن مصر يدق بها الآن ناقوس الخطر إذاناً بخوض حمامات من الدم تحت هذه الشعارات والمنشورات الإسلامية المناهضة لقيام الدولة المدنية. ومايعزز موقفهم وتطرفهم الفكري أن الدستور القديم الذي مازالت الحكومة الإنتقالية وبدون شرعية تعمل به في محاولة لبعثه وإحيائه من جديد وبه المادة الثانية من الدستور ذو المرجعية الدينية تدعم فكر هؤلاء الإسلاميين وهي التي يرتكن عليها الإسلاميين ويجدوا فيها الملاذ والتبرير لما ينادون به من خلافة إسلامية. 
فالتاريخ يكرر نفسه ولكننا لانفهم ولانريد أن نستوعب منه الدرس جيداً، ومن هذا الفكر الديني المتطرف الذي ينادي مجدداً بدولة الخلافة الإسلامية، وكما قال فرج فودة في نفس كتابه الحقيقة الغائبة : ( إن الفرق بين الإنسان والحيوان، أن الأول يتعلم من تجاربه، ويختزنها مكوناً ما نعرفه باسم ( الثقافة ) ويبدو أن المناديين بعودة الخلافة يسيئون بنا الظن كثيراً ، حين يدعوننا إلى أن نجرب من جديد ما جربناه من قبل ، وكأن تجربة ثلاثة عشر قرناً لا تشفع، أو كأنه يفزعهم أن تسير على قدمين ، فيطالبونا بالسير على أربع ). 

فلماذا ياشعب مصر الأصيل تريد أن تكون من ذوات الأربع ليمتطي ظهرك الإسلاميين ويصعدون عليك حياً أو على جثتك لتحقيق أطماعهم السياسية مستغلين نزعتك الدينية وتدينك وأنت شعب مقهور في حريتة منذ عشرات السنين؟. لماذا تثور وتضحي بدماء شهدائك لأجل إسترداد كرامتك وحريتك، لترمي بنفسك في سجن أكبر هو سجن الإسلاميين بفكرهم الرجعي المتخلف ليصبحوا وكلاء لله عليك وعلى حريتك وإرادتك وكرامتك ؟
إن مجد الشعوب وتقدمها في ثأرهم وثوراتهم لأجل كرامتهم وحريتهم، لذلك يجب على شعب مصر الواعي من مسلمين معتدلين ومسيحيين وعلمانيين وليبراليين وكافة فئات الشعب أن يكملوا ثورتهم من أجل مدنية مصر ورقيِّها للحفاظ على حضارتها العريقة لا من أجل ان تلبس مصر نقاب التخلف والرجعية ويُكملوا كفاحهم لينتزعوا حقهم في كرامتهم وحريتهم لأن الحقوق لاتُوهب بل تُنتزع.

ليست هناك تعليقات: