الأربعاء، 29 يونيو، 2011

د. سيد القمني: لو وصل التيار الإسلامي للحكم سيدأ في التصفية الداخلية قبل أن يهزم لمصلحة الليبراليين

د. سيد القمني: لو وصل التيار الإسلامي للحكم سيدأ في التصفية الداخلية قبل أن يهزم لمصلحة الليبراليين



• شيوخ التيارات الإسلامية يعيشون زمن البيداء والبعير ويركبون المرسيدس!
• هناك علامات استفهام حول بقاء الرئيس دون محاكمة غير هزلية إلى الآن!

انحسر الصراع بعد ثورة 25يناير في مصر حول معسكرين؛ هما "الدولة المدنية" أو "الدينية"... الأخوان المسلمون يدعون لدولة مدنية بمرجعية إسلامية، ويطلب السلفيون بقيام دولة إسلامية، ويدعو "صفوت حجازي" لقيام الخلافة الإسلامية؛ واقتربت أولى انتخابات برلمانية في سبتمبر القادم، ليتصارع أنصار كل دولة على رجل الشارع لكسب صوته.
التقى "الأقباط متحدون" بأحد اقطاب العلمانيين في مصر، وهو الدكتور "سيد القمني" والذي خصص الكثير من كتاباته ومؤلفاته لتفنيد أفكار جماعات الإسلام السياسي.
حصل "القمني" على الدكتوراة في تاريخ علم الاجتماع الديني من جامعة "كاليفورنيا الجنوبية"، معظم أعماله الأكاديمية تناولت مناطق شائكة في التاريخ الإسلامي، ومن أشهر كتبه؛ "أهل الدين"، و"الديمقراطية والجماعات الإسلامية"، "رؤية من الداخل" و"الإسلاميات والإسرائيليات"، و"حروب دولة الرسول"، و"قصة الخلق"، و"آخر أيام تل العمارنة"، وصدر له مؤخرا كتاب "انتكاسة المسلمين إلى الوثنية".
تم تهديده بالقتل من قبل جماعة "الجهاد"، إن لم يكف عن الكتابة ويعلن توبته عن كل ما كتب، الأمر الذي جعله يتوقف عن الكتابة لعدة سنوات، خاصة بعد اغتيال "فرج فودة".. لكنه قرر العودة لمعاركه الفكرية مرة أخرى.


* بداية كيف يرى الدكتور القمني ثورة 25 يناير بعد مرور ستة أشهر على قيامها؟ - بحكم معرفتي بتاريخ الثورات، أعلم أن الثورة لا تتحقق في يوم وليلة، بل تأخذ سنوات، لذا نقول نحن قد ابتدأنا الثورة فلازلنا في مرحلة (أ) ولن تنتقل إلى مرحلة (ب) إلا عندما نرى ما حدث زمن ثورة 1919، عندما خلعت "هدى شعراوي" الحجاب، وخلعته بعدها كل نساء المسلمين في مصر، ولكنه عاد مرة أخرى مصحوبًا بالنقاب، مع الهزيمة النفسية والحضارية للمسلمين.
والثورات تأخذ سنوات لإرساء قيمها، فمثلًا في "بولندا" الدولة الشيوعية - والتي ليس بها "فيروس الإسلام السياسي" - استمروا ستة سنوات حتى نجحت ثورتهم، رغم أنهم مهيئون لقيام دولة مدنية، والثورة الفرنسية استمرت ثلاثون عامًا ولم تحقق غاية مبادئها الأعظم إلا بعد 200 سنة؛ ولكن في مصر ليس لدينا وقت في ظل سرعة الأحداث العالمية أن نستهلك الزمن في بلادة رتيبة، لأن ذلك سيعني انتكاسة شديدة، فنحن نتحرك ببطء شديد قياسًا على حركة العالم، فكنت أتوقع بعد تحية العالم للثورة المصرية، أن نخطو بسرعة نحو التغيير، ولكني لمحت تباطؤًا مؤسفًا، ربما بعضه عن قصد من المجلس العسكري القائم بإدارة البلاد، والحكومة، فهناك علامات استفهام حول بقاء الرئيس دون محاكمة حقيقية غير هزلية، إلي الاّن، فلا يوجد رئيس جمهورية يُعزل ثم يجلس بقصره ينعم بحياة الملوك، ويده ملوثة بدم شعبه.. فأين محكمة الثورة ونقول المدنية وليست العسكرية؟

* هل تري سلبيات طفت على الساحة بعد الثورة؟- السلبيات تجلت في أخذ بعض المشايخ الاسلاميين لدور الدولة، فعندما يُروَج بأن الذي أحرق كنيسة إمبابة بلطجية فهذا كذب. فلدينا الفيديوهات التي تثبت أنهم سلفيون، فلماذا لم يتم القبض عليهم ومحاكمتهم؟ ولماذا يذهب "محمد حسان" ليحل أزمة كنيسة صول؟! فهل هذا تصرف حكومة مسئولة أمام ثورة عظيمة؟
إضافة إلى الإعلانات التجارية التي استغلت اسم مصر وثورتها وشهدائها في الترويج لسلع تجارية، فهؤلاء المعلنون أهانوا مصر ويجب محاكمتهم للحفاظ على قيمة وشرف الثورة من الامتهان.
واختيار المجلس العسكري لـ"طارق البشري"، و"صبحي صالح" في لجنة تعديل الدستور، أمر يطرح التساؤلات ويضع علامات الاستفهام، ويشي بتوافق بين الأخوان المسلمين والمجلس العسكري.


* ولكن ما مصلحة المجلس العسكري في ذلك؟- النظام السابق كان حريصًا على وجود التيارات الدينية وعلى رأسها الأخوان، لاستثمارهم في سياساته الخارجية أحيانًا، ولشغل الشارع المصري أحيانًا أخرى، وتبرير استمرار قانون الطوارئ أحيانا ثالثة، فلو لم توجد هذه الجماعات لخلقها النظام خلقًا، كما خلق أمن الدولة السلفيين كبدائل أسوأ محليًا وعالميًا في حال مقارنتها بالنظام الذي كان قائمًا، كي يظل القمع مُبررا لهم و لغيرهم، وجعلهم البديل الجاهز الذي رتبه النظام السابق لينتقم به في حال حدوث ثورة شعبية ضده، أو في حال حدوث مشاكل في سياسته الخارجية مع الغرب.
النظام السابق استطاع إهدار كل القيم المصرية، مثل قيمة العمل، واحترام الوطن، وعَلَم مصر، والسلام الوطني، وذلك بداية من التعليم الابتدائي، لذا يتخرج الطالب وهو فاقد لهذه القيم، وعندما يتقدم طالب لكلية الشرطة مثلًا، فإن قبوله يتم عن طريق دفع الرشاوي أو المحسوبية، فماذا تنتظر من هؤلاء بعد تخرجهم !!.. ما أريد أن أقوله أن بعض القيادات أصبحت مؤدلجة بأفكار النظام السابق، وأيضًا من الواضح أن هناك توافق أيديولوجي بينهم وبين الأخوان والسلفيين.

* هبت رياح الثورة المصرية على المنطقة العربية وهو ما يسمي بالربيع العربي.. كيف تري رياح التغيير تلك؟
- أخشي أن يتحول الربيع العربي إلي شيء قاتم، ولكن مؤقت وإلى حين، لأن البديل القائم في الشارع هو الإسلام السياسي، بعد أن تم سحق كل التيارات الوطنية والمفاعيل السياسية التي كانت تزخر بها المنطقة، وبخاصة "مصر" قبل حكم العسكر، كما أن "ليبيا" و"اليمن" و"سوريا" و"مصر" و"العراق" و"الجزائر"، كلها مناطق ثائرة على الفساد والدكتاتورية، ولكن الخوف أن تكون الثورة من أجل إقامة نظام صالح من عند الله، والحل السماوي هو المنتظر، فإن ذلك سيُحدث حروبًا أهلية بين الطوائف، ومعارك بين الشعوب لا يُستهان بها، ولن يستقر الأمر إلا بعد سنوات، اللهم إلا إذا فاجئتنا مصر بمعجزاتها، وتمكن أنصار الدولة المدنية من نشر الوعي الوطني الكافي للتصدي لتيار عبَدة النصوص وموتى التاريخ.

* وما الخطر من قيام أنظمة إسلامية علي سُدة الحكم في المنطقة؟ج: ستحدث تصفيات داخلية أولًا بين كل أصحب مذهب والمذاهب الأخرى، وبين كل أصحاب دين والأديان الأخرى، وسيادة طائفة دون غيرها، مما يُحدث خللًا مجتمعيًا جذريًا مع ضياع مفهوم المواطنة. والمثير للقرف أن تجد التيارات الإسلامية قبل الثورة تصر على سُنيتها في عدم الخروج على الإمام و لو كان فاسدا ظالمًا فاجرًا، ثم إذا بها - وخاصة السلفييون - يصبحون من الثوريين، ولم يُغامر الأخوان بنزول المظاهرات إلا بعد أن تحولت الانتفاضة إلى ثورة حقيقية، وهم أول من جلسوا مع "عمر سليمان"، ثم مع "شفيق"، ثم مع المجلس العسكري بالمخالفة للإجماع الثوري، ثم كانوا ضمن أعضاء اللجنة التي اختارها المجلس العسكري لتعديل دستور 71 الذي هو عبارة عن "سمك لبن تمر هندي"!.
أما الطامة الحقيقية فكانت في كم الاستهانة بالثورة، وبالمواطنة في نوعية اختيار الشخصيات، فشخص مثل القاضي "أحمد مكي" الذي أصدر حكمه ضدي بالكُفر والتزوير وضرورة سحب جائزة الدولة التقديرية مني دون أن يُحاكمني، في تصريحاته المعلنة للإعلام، وأصبح موقفه رديئًا بعد الحكم الذي أصدرته محكمة جنوب القاهرة بمدى شرفي في الكلمة والمواقف، وأدانت من قذفني وكفرني واتهمني بالتزوير، فهل يصلح "مكي" ليكون مؤتمنًا على دستور لشعب بكامله بينما لم يكلف خاطره للتحري قبل الحُكم على شخصي الضعيف؟
أما اختيارهم لـ"صبحي صالح" فهو يشي بأنهم يعتقدون بغباء المصريين، وعدم قدرتهم على التمييز أو الفهم، وهي سمة ديكتاتورية كثيرًا ما دمرت بدلا من أن تُصلح.

* أفهم من ذلك أنك تخشى على مصر من قيام نظام إسلامي بقيادة الأخوان المسلمين؟- بالعكس أنا متفائل، لسببين: الأول أن التيار العلماني موجود في مصر قبل الثورة، ومتجذر في الوجدان المصري منذ 1919، وإبان حُكم نظام المخلوع، لم يكُن ممكنًا عمل أي تصالح بين التيار الليبرالي وبين نظام المخلوع، وقد دفع الشهيد "فرج فودة" دمه تعميدًا لوجود ليبرالية مصرية وليدة لكنها عفية وقوية بجيناتها، ولم يكن في الأفق المنظور أي إشارة لتحرك شعبي واسع كما حدث في ثورتنا العظيم في 25 يناير، كل ما كنا نستطيعه هو الحصول على أوراق من هذا النظام بالضغط الأدبي والفكري، والصراع الثقافي، وأعتقد أننا تمكنا من تحقيق القليل من الكثير الذي كنا نتمناه في مواجهتنا للنظام و للإسلام السياسي معًا، حتى تمكنا من أخذ جائزة الدولة التقديرية من فم أسد لعين، وهو ما كان يعني الاعتراف بوجود تيار علماني ليبرالي مصري قوي، بدليل أن مبادئ هذا التيار كانت هي مبادئ ثورة 25 يناير، فكان شرطُها الأول والذي انبنت عليه بقية المطالب هو دولة مدنية لا عسكرية و لا دينية، ولا زال الثوار يصرون على الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة، وأنهم قادرون على المواجهة إذا تم اغتيال أيًا من هذه المبادئ في أي توافقات سياسية، وميدان التحرير موجود، وشبابنا لن يغفل لحظة.
إبان النظام السابق حصلت على جائزة الدولة التقديرية، والتي أخذتها من فم الأسد، فدولة مبارك لم تعترف بنا نهائيًا بل كانت تحاربنا وتحبس البعض وتسمح بقتل البعض بحادث سيارة أو فيروس مجهول، ورغم أن العام الماضي كان عامًا أسودًا، حيث توفى مفكرون ليبراليون قرابة خمس أعلام، فإن الثورة أظهرت أن لدينا الألوف الذين يتحدثون عن الدولة المدنية بملء الفم، ودون مهابة للأصنام التاريخية، فما زرعناه بالأمس نراه ونحصده اليوم.
وأيضا الليبرالية تقوم على العلم الذي لا يرجع للوراء، وبالتالي هي إلى الأمام حتى لو كانت ببطء، وأصبح لها رجالها وشبابها الحاملين لوائها، ومستعدين للموت في سبيلها، من أجل مصر ومستقبل أبنائهم فيها، وليس من أجل الجنة والنار، والسبب الثاني غباء التيارات الإسلامية، ولك فقط أن تستمع الي الشيخ "الحويني"، أو "حسين يعقوب"، أو "محمد حسان"؛ لتكتشف ذلك بشديد البساطة، فلا زال هؤلاء يعيشون زمنًا لا نعرفه ولا نعيشه، زمن الخيمة والبيداء والخيل والبعير، رغم أنهم وللعجب؛ يركبون المرسيدس!!.

ولكن تأثير هؤلاء الشيوخ على الشارع المصري في ظل جهل وأمية وتشدد ديني أكبر من تأثير الليبراليين؟أعلم ذلك؛ ولكن هؤلاء الأميين أصبحوا الآن يفرزون ويكتشفون زيف مزاعم بعض الشيوخ، ويتسائلون من أين أتى هؤلاء الشيوخ بتلك الأموال والسيارات الفارهة والفيلات التي بها أنتيكات تكفي لإطعام قرى بأكملها؛ فالناس بدأت تكتشف حقيقة ذوي اللحى وأين انتماءاتهم، وأن فقراء مصر أبعد مايكونوا عن تفكيرهم.
لذا أمامنا ربما عشرة سنوات لو حكم السلفيون أو الأخوان. وهذه أقصى مدة يحكمون فيها، ولن يعودوا إليها مرة أخرى، لأن مصر تنضج الآن لتقيم دولتها الحرة الكريمة.
أتذكر قبل الثورة بليلة واحدة، كنت مع أصدقائي ولم نتوقع ما سيحدث، قلت لهم ستتحول مصر لدولة مدنية، وأراهن على شباب الإنترنت وغباء الإسلاميين ولكن ليس قبل عدة سنوات، وفوجئنا في اليوم التالي بالثورة. فدائمًا كنت أقول لأصدقائي "مصر تحتاج معجزة"، يقولون لي "زمن المعجزات انتهى"، ولكن لم أكن أرى ذلك فلازالت المعجزات تتوالى، فما فعلة "بن لادن" هو معجزة، حيث أنه أيقظ الغرب وعرفه بمدى خطورة الإرهاب الديني الذي كان يدعمه من قبل، وما يحدث الآن في مختلف البلاد العربية هو معجزة، لكنها معجزات تصنعها الشعوب وتفاعلات الأحداث.
حوار: مايكل فارس

ليست هناك تعليقات: