الجمعة، 27 أغسطس، 2010

مصر كلها على السرير

أراد العملاق ـ طبقا للأسطورة اليونانية القديمة ـ أن يخضع أهل مدينته لرغبته وإرادته، صنع سريرا من الحديد ووضعه في عرض الطريق، وكلما مر عليه أحد حمله ليضعه على سريره، فإذا كان الجسد أقصر مدد في أوصال صاحبه ولا يتوقف حتى لو تخلعت، وإذا كان الجسد أطول قطع أوصال صاحبه، غير ملتفت لصرخات ضحاياه، فالمهم عنده أن يصبح الجميع على مقاس السرير.
اهتم من تشغلهم الأساطير بالإشارة إلى اسم العملاق اليونانى ـ اسمه بروكروست ـ لكنى لم أهتم باسمه،بقدر ما اهتممت بما فلعه،ليس لأنه أسطورى،ولكن لأنه واقعى جدا.
فلو اطلع بروكروست على حادثات الشارع المصرى الآن لوجد نفسه مجرد مبتدئ فى فن إخضاع الآخرين لرغبته وإرادته وقوانينه،فقد وضع النظام المواطنيين على سريره،مدد أوصال بعضهم وقطع أرجل بعضهم،ليتناسبوا مع المقاس الذى حدده،أما النظام المصرى فقد جعل مصر كلها على السرير الذى حدد مقاسه بدقة،وهو مقاس يتناسب مع مصالحه ورؤيته ليس فى الحكم فقط،ولكن فى الحياة أيضا.
من الظلم أن نقول أن النظام الحالى (الرئيس مبارك 1981 وحتى الآن) هو صاحب السبق فى صنع السرير ،وتظبيط المصريين عليه،فهو نظام تابع ليس إلا،فقد بدأها نظام الرئيس جمال عبد الناصر (1954- 1970) ، وكان التجلى الأعظم والأعلى لهذه الفلسفة هو بناء ما أطلقوا عليه المساكن الشعبية، وهى مساكن تتشابه فى كل شئ، ليس إلا بلوكات حجرية لها نفس التصميم.
وأذكر أنني في بداية استقراري في القاهرة كنت أتردد على أقاربي في حي الأميرية، وفى كل مرة أدخل بلوك على وجه الخطأ، ولا أكتشف ذلك إلا قبل أن أضغط على جرس الباب بلحظة، فلم يكن هناك أى شئ يميز بلوك أقاربى عن الآخرين،إلا اللافتة الموجودة على الباب،فالمساكن الشعبية لم تكن مجرد مبانى صماء،ولكنها كانت إنعكاسا لفلسفة حكم كاملة.
أراد عبد الناصر أن يكون المصريون على مقاس واحد،لا يخرجون عنه أو عليه،وهى طريقة يستطيع من خلالها أن يصيغهم كما يريد،وأن يوجههم إلى حيث يشاء دون أن يعترض أحد.
وحتى عندما أراد الرئيس السادات (1970 – 1981) أن يفتت نظام الحكم الواحد إلى منابر ثم أحزاب،وجد أن هناك تمردا من نوعا ما،جر عليه هذا التوع الأذى وألحق به الضرر ،فجمع وفى ضربة واحدة أكثر من 1536 مواطنا من مختلف ألوان الطيف السياسى،ووضعهم فى السجن،فيما أطلق عليه إعتقالات سبتمبر 1981.
لم يكن معتقل السادات سجنا بقدر ما كان "سرير بروكروست"،فقد أراد الرئيس أن يمدد القصير ويقطع الطويل،حتى يخضع الجميع له،لكن الأقدار لم تمكنه من أن يفعل ما أراده،فقد نصبت له سريرها الخاص،وأنهت حياته فى حادث المنصة الشهير.
ما فشل فيه الرئيس السادات،نحج فيه الرئيس مبارك تماما،فرغم أنه أوجد حالة من التنوع الهائلة فى المجتمع المصرى،وهى حالة لا ينكرها إلا جاحد،إلا أن أحدا وسط هذا الصخب الهائل من التنوع لم يخرج عن قاعدة السرير الشهيرة حتى لو تخيل أنه فعل ذلك بالفعل،فكلما أراد أحد أن يتمرد أو يعلن صوتا مختلفا،تجد النظام يحاصره ويجلسه على سريره الحديدى ،ليتعامل معه على الفور.
الفارق الأكبر والأعظم فى نظام الرئيس مبارك،أنه نفذ نظرية السرير دون عنف.
الأمثلة كثيرة وآخرها ما حدث مع البابا شنودة عندما اعترض على حكم المحكمة الإدارية العليا بإلزامه بإصدار تصاريح الزواج الثانى للحاصلين على حكم بالطلاق من المحكمة،أفسح النظام للبابا أن يعترض وأن يتمرد،وفى الوقت المناسب لوح له بقانون جديد،يمكن ألا يخرج كثيرا عن القانون القديم،لكنها حيلة لإنهاء التوتر أو على الأقل ترحيله وتأجيله،فليس للبابا أن يرتدى مسوح المناضلين والأبطال على حساب النظام،فبمجرد أن لوح الرئيس بحله للأزمة خرج البابا ليثنى على أبوة الرئيس لكل المصريين.
خرجت الجماعات الإسلامية من السجن بعد أن أنامها النظام على السرير باسم المراجعات الفقهية،وأصبحت الأحزاب السياسية كائنات هشة أو وحوش مروضة بإسم الصفقات والمصالح والتعيين فى مجلس الشورى،وأصبحت الصحف جارية بلاط بالعطايا والإعلانات،وتحولت النخبة فى كل مكان إلى خدم من خلال التلويح بالترقيات والمناصب،ثم خضع الجميع بعد أن أصبحت التقارير الأمنية مسطلة على رقاب الجميع.
لا أحد نجا من النوم على سرير النظام فى مصر،للدرجة التى أصبح يقال فيها، أن من لم يذهب إلى النظام ، لم يفعل ذلك فقط لأنه لم يدعه أحد،وأن لم يبع نفسه للنظام،لم يفعل ذلك فقط، لأنه لم يجد أحدا يشتر منه.
ولذلك فإن كل الحركات الإحتجاجية التى تملأ الشارع المصرى الآن،يمكن فى لحظة واحدة أن يدخلها النظام إلى "سرير بروكروست"،وفى لحظة نجدها خاضعة لا تقوى على شئ،فهو نظام يتقن فن الحكم ،ومن فجره أنه يتركنا ونحن على السرير نحلم بتغييره...فقط نحلم دون أن نقدر على شئ.


للمزيد مصر على السرير

ليست هناك تعليقات: