الثلاثاء، 9 أغسطس، 2016

بين المواطنة والطائفة ..... الدكتور عماد جاد

تبنى العلاقة بين المواطن والدولة فى النظم السياسية الحديثة على عقد اجتماعى ممثلاً فى الدستور، تحدد مواده طبيعة النظام السياسى وحقوق وواجبات المواطن، وتجرى ترجمة هذه المواد فى قوانين تصدر عن البرلمان، أياً كان مسماه، لتقضى بموجبها السلطة القضائية وتفصل فى القضايا المطروحة أمامها، ثم تتلقف السلطة التنفيذية ما يصدر من أحكام قضائية لتقوم بتنفيذها.
تنص دساتير الدول الديمقراطية المدنية الحديثة على المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وعلى المساواة بغض النظر عن الجنس، الدين، العرق، المكانة الاجتماعية، فكل من يحمل جنسية البلد المعنى له كامل حقوق المواطنة، وعليه كافة الواجبات المفروضة على المواطنين، وهو أمام القانون متساوٍ مع غيره من المواطنين، وأيضاً لا تمييز بين المواطنين بسبب اللون، الجنس، الدين، الطائفة والمكانة الاجتماعية.
ولا يخرج دستور بلادنا الصادر عام ٢٠١٤ عن الخط العام لدساتير الدول الديمقراطية المدنية الحديثة، فقد نص فى المادة الأولى على قيمة المواطنة وأن النظام يقوم على أساس المواطنة، وفى المادة التاسعة نص على عدم جواز التمييز بين المواطنين، وفى المادة الثالثة والخمسين على المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات. هذا من ناحية النصوص الدستورية، لكن الممارسة على أرض الواقع مغايرة تماماً، كما أن أجهزة ومؤسسات الدولة بنت سياساتها وفق رؤى تمييزية حادة بين المواطنين على أساس الجنس، الدين، الطائفة والمكانة الاجتماعية. وفيما يخص التمييز على أساس الدين بدا واضحاً أن مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة تمت هيكلتها بطريقة تمييزية ضد الأقباط، فهناك أجهزة حساسة فى الدولة لا يوجد فيها أقباط، وتتسم رؤية القائمين عليها تجاه الأقباط بالتبسيط المخل والتعميم المعيب، وهناك قطاعات داخل هذه الأجهزة بنيت على أساس الانحياز الدينى (إدارة مكافحة التمييز بالأمن الوطنى). ويأتى كل ذلك انطلاقاً من رؤية تتعامل مع الأقباط باعتبارهم طائفة أو ملة يجرى اختزالهم فى ملف يوضع بيد الأمن، ويعبر عنهم كبير الطائفة، يجرى الاتصال به وترتيب الأمر معه، ووفق رؤية محددة يجرى استقطاب بعض من رموز هذه الطائفة من أصحاب «نفسية الذمى» كى يقوم بالترويج لمقولات من نوع كله تمام، نحصل على حقوق المواطنة بالكامل، لا يوجد تمييز ولا تفرقة، نعيش أزهى عصورنا مع الحاكم الفلانى، كل ذلك لقاء مكاسب شخصية من تلك التى تدخل فى دائرة «ربح العالم».
والقضية لا تتوقف عند حدود النظام وأجهزة السلطة، بل تتجاوز ذلك لتعبر عن ثقافة مجتمعية ونشير هنا الصياغة المادة ٢٣٥ من الدستور القائم والتى تتحدث عن إصدار قانون بناء وإصلاح وترميم الكنائس، فقد تبنت لجنة الخمسين التى عدلت الدستور أن تخصص مادة انتقالية لإصدار قانون خاص بالكنائس، وذلك بدلاً من أن يكون القانون خاصاً بدور العبادة ككل، وهو ما تم النص عليه فى المادة ٢٣٥ فأصبح لدينا قانون لتنظيم بناء المساجد وآخر للكنائس ولا يوجد قانون للمعابد اليهودية بسبب عدم وجود يهود، وبما أن الدستور يحدد للمواطنين الأديان المسموح لهم اعتناقها وهى الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام) فلا مجال أى مواطن مصرى يعتنق عقيدة أخرى لأن تكون له دور عبادة أو يسمح له بممارسة شعائرها. والمسئولية تقع على عاتق من كتبوا الدستور أو عدلوا مواده، فبعض من الذين يلطمون الخدود اليوم على ضياع قيمة المواطنة بسبب استصدار قانون خاص بالكنائس وليس دور العبادة يتحملون مسئولية ذلك لأنهم نصوا على ذلك صراحة فى المادة ٢٣٥.
تُعتبر لجنة الخمسين التى أعدت دستور البلاد الحالى المسئول الرئيسى عن وضع أساس التمييز الدينى من خلال النصّ فى المادة (٢٣٥) على استصدار قانون لتنظيم بناء وترميم الكنائس، فقد رضخت اللجنة لموقف شيخ الأزهر الذى رفض استصدار قانون موحّد لدور العبادة، مؤكداً أنه لا مشكلة لديه بشأن بناء وترميم المساجد، وأن هناك قانوناً خاصاً ببناء المساجد، ومن ثمّ فلا مجال لقانون موحّد لدور العبادة، رضخت اللجنة سريعاً، وتنازلت عن موقف كان يمكنه التأسيس لدولة المواطنة، وكان التنازل أولى خطوات إحداث فجوات بين نصوص الدستور نفسه من ناحية، والقوانين من ناحية ثانية، والواقع الممارَس من ناحية ثالثة، فالدستور الذى ينص فى مواده على المواطنة والمساواة وعدم جواز التمييز بين المواطنين بسبب الدين، الطائفة، العرق واللغة، هو نفسه الذى ينص على عدم الاعتراف بعقائد غير الإبراهيمية، وهو نفسه الذى ينص على قانون لبناء الكنائس بمعزل عن بناء المساجد. أيضاً هناك عشرات القوانين ولوائحها التنفيذية فى مجال الأحوال الشخصية وتفاعلات البشر تُميّز بين المواطنين المصريين لاعتبارات من دين وطائفة وأصل عرقى. كذلك هناك الفجوة الكبيرة بين نصوص الدستور والواقع المعيش، خُذ على سبيل المثال التناقض الصارخ بين نص دستورى واضح وقاطع يقول بعدم جواز قيام الأحزاب السياسية على أسس دينية، طائفية، عرقية وجغرافية، ولدينا عدد من الأحزاب الدينية الخالصة، على رأسها حزب النور السلفى، ويمثله أحد عشر نائباً فى البرلمان الحالى، ورغم عشرات الدعاوى القضائية التى رُفعت من أجل حل حزب النور وغيره من الأحزاب التى تقوم على أساس دينى، فإن جميع الأحكام صدرت باستمرار هذه الأحزاب.
واليوم تستكمل الحكومة مسيرة بناء الدولة الطائفية فى البلاد، فجهّزت قانوناً لبناء الكنائس، تلاعبت ببنوده على نحو يُبقى على جوهر شروط العزبى باشا العشرة، التى تكاد تجعل بناء الكنيسة درباً من دروب المستحيل، ناورت وراوغت ودسّت كلمات تجعل القول الفصل فى بناء الكنيسة للأجهزة الأمنية وتحديداً جهاز الأمن الوطنى، عبر النص على صدور القرار من المحافظ المختص بعد الرجوع إلى الجهات المعنية، التى تعنى الأجهزة الأمنية. أيضاً حرصت الحكومة على استخدام تعبير «ممثل الطائفة» «الممثل القانونى للطائفة»، فى الإشارة إلى الطرف الذى سيتم التعامل معه من قِبَل أجهزة الدولة، وبالتالى فان المصرى المسيحى هو عضو طائفة، له من يمثله طائفياً وليس مواطناً مصرياً.
مشروع القانون الحالى لبناء وترميم الكنائس ينطوى على عشرات الألغام، ويزيد المشكلة تعقيداً، ولا يُسهم فى حلها، ولا بد من سرعة التدخُّل لإزالة ما فى نصوص القانون من ألغام حتى لا تتفاقم المشكلات، نريد قانوناً مبسّطاً يُعلى من سيادة القانون ويتعامل مع بناء الكنائس وفق مقاييس واشتراطات موضوعية تتعامل مع المصريين الأقباط، باعتبارهم مواطنين مصريين أولاً وأخيراً.

ليست هناك تعليقات: