الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

أزمة سيدة جبل الطير بقلم على عبدالرحيم


عبد الرحيم علي
عبد الرحيم علي
 
الأزمة قديمة لكنها متجددة، تطل برأسها لتؤرقنا من وقت إلى آخر، دون أن نصل فيها إلى حل، أو تصل هى إلى نهاية، أتحدث تحديدًا عن أزمة السيدة "إيمان صاروفيم"، المعروفة إعلاميًّا بأزمة "سيدة جبل الطير".. التى ملأت الدنيا وشغلت الناس، وتداخلت المعلومات فيها مع الآراء والتحليلات، حتى أصبحت الحالة ضبابية تمامًا، رغم أن مثل هذه الحوادث لا تحتاج إلا إلى الشفافية المطلقة، والمواجهة الحاسمة، التى لا بد أن نقدر عليها فى قادم أيام هذا الوطن، الذى ندخل به جميعًا عصرًا جديدًا، نصنعه بأيدينا.
كانت أزمة "إيمان صاروفيم" على وشك أن تعصف بالوطن.
بدأت حكايتها بحالة اختفاء من منزلها بإحدى قرى محافظة المنيا منذ الثالث من شهر سبتمبر الجارى، على الفور وربما دون بحث أو سؤال، سارع زوجها باتهام أحد أفراد قريتهم من المسلمين بخطفها، إنها الصيغة الأسهل التى يلجأ إليها من يجد نفسه فى هذا الموقف، وكانت النتيجة طبيعية، صدامات عنيفة بين المسلمين والأقباط جعلت المحافظة على شفا الاشتعال، وكان لا بد أن تقتحم أجهزة الأمن قلب الأزمة حتى لا تتحول إلى كارثة متكاملة.
توالت الأحداث فى أزمة جبل الطير، حتى وصلنا إلى تصريح أدلى به السيد اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، قال فيه إن السيدة إيمان تزوجت من مسلم بعد أن أشهرت إسلامها.
لم يكن التصريح دقيقًا بما يكفى، فبعد عودتها يوم الجمعة الماضى إلى أسرتها، تثبت أنها لم تسلم، رغم أن هناك محاولات من البعض لجعل إسلامها حقيقة مؤكدة، وهى محاولات فيها من التدليس والتضليل ما يكفى لأن نرفض أى رواية من الروايات التى تتبنى فكرة إسلامها من الأساس.
لماذا تسرّع وزير الداخلية وأدلى بهذا التصريح؟
الإجابة الواضحة والقاطعة أن هذا هو ما دأبت عليه وزارة الداخلية فى التعامل مع الأحداث الطائفية، خصوصًا حالات ما يتم الاتفاق عليه والترويج له على أنه خطف للسيدات والبنات، حيث يحيل التفسير الأمنى الأمر كله إلى علاقة بين مسلم ومسيحية تنتهى بهروبها معه، دون إدراك أن هناك جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية.
لقد دفعتنى هذه القضية الشائكة رغم أنها معادة ومكررة ولا جديد فيها على الإطلاق إلى أن أفتح الملف الذى يخشى الجميع من الاقتراب منه على الرغم من كونه أحد الملفات التى يخطط أعداء الوطن للولوج من خلالها إلى الداخل، فى محاولة لتمزيقه وإضعافه، تمهيدًا لتدخل خارجى يقضى على ما تبقى من وحدة هذا الوطن واستقلاله.
يعرف المتربصون بهذا الوطن أن النسيج المصرى الواحد بين مسلمى مصر وأقباطها عصىٌّ على التمزق، فرغم كل المحاولات الخارجية سواء كانت داخلية أو خارجية لإفساد هذه العلاقة فإنها ظلت صامدة ومتماسكة، وهو ما يجعل المتآمرين يجددون تخطيطهم بليل لصنع فتن أو على أقل تقدير نفخ النار فى أحداث عابرة ومكررة، لتصوير الأمر على أن الأقباط يتعرضون لاضطهاد، أو أنهم يفتقدون أمنهم وأمانهم.
سأكون معكم كعادتى صريحًا وواضحًا.. سأضع أمامكم أصل الحكاية، لعل وعسى أن نصل فيها إلى نهاية بعد أن طالت فصولها وامتدت توابعها.

عن الحقائق القديمة ما زالت صالحة لإثارة الدهشة

بدأت مأساة الأقباط الحقيقية مع بداية حكم الرئيس الراحل أنور السادات، الذي بدأه بالتصالح الشهير مع جماعة الإخوان المسلمين، والقطيعة الكبرى مع رجال ورموز الحقبة الناصرية، تمهيدًا للانقلاب الكبير على كل موروثات حقبة الرئيس جمال عبدالناصر.
 وكانت حادثة كنيسة الخانكة بداية تحويل ملف الأقباط والفتنة الطائفية برمته إلى جهاز مباحث أمن الدولة، الذي لم يكن مؤهلا، ولا يزال، لمعالجة هذا النوع من القضايا والمشكلات الحساسة.
 وجاءت أحداث الزاوية الحمراء 1980 لتمثل أول اختبار لتعامل جهاز مباحث أمن الدولة مع تلك المشكلة، فقد وقف الرئيس السادات، في مشهد مسرحي، يشرح ما كتبه له إبانها وزير داخليته النبوى إسماعيل، مشددا على أن المسألة لا تعدو خناقة بين أسرة مسلمة وأسرة مسيحية حول قطرات من الماء العفن سقطت من شرفة إحداهن على غسيل الأخرى، الأمر الذي تسبَّب في شكلة تدخل على أثرها جيران الطرفين لتتسع مداها في النهاية وتطال مواطنين كُثرًا.
كان الأمر بالطبع أبعد من هذا بكثير، والمفارقة أن أحداث الزاوية الحمراء كانت بروفة نهائية لاستعراض القوة قامت بها جماعات العنف الدينى في مصر قبيل اغتيال السادات، ففي محاولة لتحدى أجهزة الأمن واختبار القوة، جاءت إلى القاهرة مجموعة كبيرة من قادة الجماعة الإسلامية في الصعيد لإشعال تلك الأحداث تحت دعوى منع إقامة كنيسة على قطعة أرض فضاء بالحى، ووصل بهم التحدى إلى طلب تغيير ضابط مباحث مسيحى كان يعمل بالمصادفة رئيسا لمباحث الشرابية، وتمت الاستجابة لطلبهم على الفور ونقل الضابط المسيحى، لكنهم على الرغم من ذلك أشعلوا الأحداث التي راح ضحيتها سبعة عشر مواطنا بينهم مواطن مسلم، بالإضافة إلى حرق ونهب ممتلكات عديدة للأقباط ولبعض المسلمين على السواء.
وكما تفعل أجهزة الأمن في كل حادث، واستمرارا لسياسة البعد عن وجع الدماغ، قامت بالقبض على بعض البلطجية المسجلين خطرًا وقدمتهم على أنهم أبطال الأحداث وتم إغلاق الملف.
كان هذا الاستعراض للقوة من قبل الجماعة الإسلامية هو الأخير قبل العرض العسكرى في السادس من أكتوبر 81، والذى تم فيه اغتيال السادات، والمفارقة هنا أنه لو تم اكتشاف تلك المجموعة، وعرض الأمر بصورته الصحيحة على الرئيس في حينه، لتم تجنب وإحباط محاولة اغتياله في العرض العسكرى في أكتوبر عام 1981. وعلى نفس المنوال نسجت أجهزة الأمن في كل الحوادث التي تعرض لها الأقباط، ففي السادس عشر من يونيو عام 1981 توجه أربعة ملثمين يقودهم على الشريف، عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية، إلى نجع حمادى بقنا، حيث قاموا بقتل ستة من كبار تجار الذهب الأقباط وسرقة محتويات محلاتهم -وهى المحتويات التي تم تمويل حادث مقتل السادات واغتيالات أسيوط التالية له بها- ووفق الرؤية الأمنية صاحبة الحق في التعامل مع هذا الملف.. تم تعذيب عدد من المسجلين خطرًا "سرقات" للاعتراف بارتكاب الجريمة، ثم تم وضعهم في المعتقلات وأغلق الملف كالعادة، إلى أن تم اكتشاف اللعبة عقب اغتيال السادات، وفى أثناء التحقيق مع المتهمين، الغريب أن الضابط المسئول عن هذه القضية ظل يترقى في سلم الوظيفة حتى رتبة اللواء وهو داخل جهاز مباحث أمن الدولة.
لم يختلف الأمر كثيرًا في تسعينيات القرن الماضى عندما ارتفعت موجة العنف لتطال الجميع، واتخذت الجماعة الإسلامية المصرية المسلحة، الأقباط رهينة لإجبار النظام على الرضوخ لطلباتهم، وبعيدا عن الاضطهاد الذي رأيناه بأم أعيننا للأقباط في حقبتى الثمانينيات والتسعينيات في المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، والذى وصل إلى حد تطبيق الحدود عليهم في مسجد الرحمن بأرض المولد بالمنيا على مرأى ومسمع من أجهزة الأمن، وكذا تعليق الرءوس على أعمدة الإنارة بعد عمليات القتل، كما حدث بين عامى 1992 و1994 في أبوقرقاص بالمنيا، فإن الاعتداءات على الأقباط بلغت ذروة لم تبلغها من قبل في تلك المرحلة التي شهدت مقتل أكثر من مائة قبطى في حوادث متفرقة، وظل الأمن كعادته يصف هذه الحوادث المنظمة بأنها حوادث فردية يقوم بها بعض الموتورين غير صحيحى العقيدة، ووصل الأمر بمدير أمن أسيوط اللواء مجدى البسيونى إلى أن وصف مذبحة عزبة الأقباط بأسيوط في فبراير عام 1996 -والتى راح ضحيتها ثمانية من الأقباط- بحادث عشوائي، واكتفى النظام بحفلات التقبيل بين الشيوخ والقساوسة عقب كل حادثة، خصوصا عندما تكون عنيفة كحادثة اقتحام كنيسة مارى جرجس بأبوقرقاص في فبراير عام 1997 وإطلاق النار على المصلين من الخلف، وهى الحادثة التي خلفت ثلاثة عشر قتيلا.
وانتهى الأمر باحتفال واسع ضم مشايخ وقساوسة من الجانبين، وحضره محافظ المنيا آنذاك اللواء عبدالحميد بدوى، وألقيت عدة كلمات من الشيوخ والآباء والكهنة عبرت عن مكنون الود بين الأقباط والمسلمين.
كنت قبلها بسنوات قد غطيت أحداث أبوقرقاص عام 1990 التي تم خلالها حرق مبان وسيارات مملوكة للأقباط في المدينة تحت دعوى قيام مجموعة من الشباب القبطى بتحريض فتيات مسلمات على القيام بأفعال فاضحة -وهى الدعوى التي تطورت بعد عشر سنوات لتصبح على أيدى كتاب كبار إجبارهم على التنصير- كان أصحاب تلك الدعوى في ذلك الزمن البعيد هم قادة الجماعة الإسلامية بالمنيا، وعندما فضحنا التقصير الأمنى آنذاك، رد مدير أمن المنيا إبان الأحداث اللواء ماهر حسن في رسالة نشرتها "الأهالى" في حينها متهمًا اللواء عبدالحليم موسى بأنه السبب وراء تلك الأحداث، وفجر الرجل مفاجأة عندما أكد، في الرسالة التي بعث بها إلى "الأهالى"، أن الوزير رفض القبض على الشباب الذين طلبت النيابة التحفظ عليهم حتى أدوا ما عليهم من مهام وأحرقوا البلدة، وأضاف أن الوزير طلب منه أن ينفذ قرار النقل تلبية لرغبة جهات سياسية عليا، على أن يتم تعويضه فيما بعد باعتباره كبش فداء، ولم يقف الأمر عند هذا الحد في التعامل الأمنى مع تلك الظاهرة الخطيرة، فعندما ذهبنا إلى صنبو لتغطية المذبحة التي راح ضحيتها أربعة عشر قبطيا، فوجئنا بالأمن يقوم بحماية هؤلاء الناس ويحول إليهم شكاوى المواطنين، وحصلنا في ذلك الحين على شكوى لمواطن وقع عليها رئيس مباحث ديروط بالقول: الشيخ عرفة للتصرف، وعرفة هذا كان أميرًا للجماعة الإسلامية التي أشعلت الأحداث بصنبو.
كان اللواء عبدالحليم موسى، وزير الداخلية، يحلو له وصف الأحداث على أنها صراع عائلى بين عائلتين لا علاقة له بالتطرف أو الطائفية، وقد شن وقتها هجومًا شخصيًّا علينا، متهمًا إيانا بإثارة الفتنة، لأننا نطلق على ذلك الحادث البسيط لفظ المذبحة.
دير المحرق ودميانة وعزبة الأقباط وعزبة داوود والتمساحية:
كل هذه الأسماء السابق الإشارة إليها قرى وأديرة شهدت مذابح بشعة ضد الأقباط بين عامى 1994 و1997 راح ضحيتها العشرات، وظلت الدولة تتعامل مع المسألة بنفس الأسلوب، لا طائفية في الأحداث، أحداث فردية، لا متهمين يقدمون إلى المحاكم ولا أحكام. مأساة حقيقية أن تضيع هيبة القانون في بلد يباهى الأمم بحضارته التي تعود إلى سبعة آلاف عام، بلد يسمح ببناء الخمارات وكازينوهات القمار، وملاهى الرقص والعربدة لتجار الفشة والكرشة، ويفكر ألف مرة قبل الإقدام على منح قرار ببناء دار عبادة للمسيحيين! لقد تكشف لى فى أثناء سنوات متابعتى لهذا الملف، والتى وصلت إلى ما يقرب من ربع قرن حتى الآن، أن معظم أسباب الفتنة تأتى من عدم السماح ببناء الكنائس، والبعض الآخر من التراخى في تطبيق القانون على الجميع واحترام هيبة الدولة، إذ كيف يفهم أن يسمح لقاصر أن تتزوج لمجرد أنها مسيحية أحبت شابًّا مسلمًا وتريد الارتباط به، وكيف يسمح لقانون في مصر بتعيين وصى على تلك القاصر بخلاف أهلها للسماح لها بتغيير الديانة، وماذا لو تم هذا مع فتاة مسلمة، إنها مشكلة تطبيق قانون وإعماله على رقاب الجميع دون اعتبارات سياسية أو دينية.
بناء الكنائس والتحولات الجوهرية:
في العديسات بالأقصر والعياط بالجيزة ومنقطين بسمالوط ومدن أخرى عديدة في ربوع مصر المحروسة راح مسلمون عاديون يحرقون كنائس يتعبد فيها الأقباط لسنوات، لا لشىء إلا لورود شائعة بأن الأقباط في طريقهم إلى ترميمها أو بناء جدرانها التي تهدمت دون إذن أو تصريح من الدولة، والسؤال هنا كيف تحول هؤلاء البسطاء من المسلمين إلى متطرفين؟ إن هذه الأفعال كانت، ولحقب عديدة، مقصورة على فئة من الإرهابيين لهم مطالب سياسية معينة.. فماذا حدث؟ الغريب أنه لا يوجد أحد يطرح هذا السؤال ولا يوجد من يسعى بجدية للإجابة عنه، وبعيدا عن السؤال الذي طرحناه فإننا نرى الحل أبسط من أن يظل دهرًا كاملا حتى يتم تطبيقه واللجوء إليه، وهو ليس بسيطًا وفقط وإنما أيضًا في متناول سلطات الدولة التي تملك الحق وحدها في السماح ببناء وترميم الكنائس وحماية المتعبدين بها، ولكن يبدو لى أن البعض يريد وضع هذا الملف -دائما- على سطح صفيح ساخن للمناورة به حينًا وللضغط به حينًا آخر، وللتلويح به في أحايين كثيرة، ولكن ما لا يدركه هؤلاء أو ربما يدركونه ويفعلون ما يفعلون عن عمد، أن هذا الملف لا يجب أن يدخل حلبة الاحتراب السياسى مهما كانت الأسباب والدوافع، وإنما يجب وضعه في قلب اهتمامات الدولة بشكل عام، ورئيسها بشكل خاص، باعتباره أخطر وأهم ملف في مصر، خصوصًا ونحن ندرك أن جهات عديدة تقف بالمرصاد منتظرة وقوعنا في الخطأ وتتمنى في داخلها أن يأتى الخطأ من هذا الاتجاه..
الأقباط مطالبهم محددة وواضحة، وقد كشفت عنها جميع الأحداث والمشكلات التي مرت بالبلاد طوال العقود الخمسة الماضية: إيجاد حل سهل ومريح لبناء دور العبادة الخاصة بهم، والبحث عن حلول عملية لمشكلة تمثيلهم السياسي، وإزالة الاحتقان الطائفى بإيجاد قانون ينص على احترام المعتقدات وتحريم إثارة الفتنة والتحريض عليها، وأخيرًا إعمال القانون وحماية نساء الأقباط، والقاصرات منهم خاصة، من عمليات الخطف المنظم، التي تتم تحت ستار غرام الأفاعى بين مسلم ومسيحية، ذلك الغرام الذي لا يسمح سوى أن يكون طرفاه فتاة مسيحية وشابًّا مسلمًا، ولا يسمح بالعكس أبدًا.
هذه الإجراءات كفيلة بإزالة الاحتقان الحالى ووضع حد لحوادث العنف المتكرر سواء ضد الأقباط، أو بين الأقباط والمسلمين.
أما على المدى البعيد فمطلوب وضع تصور لقانون موحد لدور العبادة، مسلمة كانت أم مسيحية، والعمل على تمثيل مناسب، أقره دستور ثورة 30 يونيو للأقباط، في البرلمان، هذا بالإضافة إلى إنشاء مجلس أعلى للوحدة الوطنية، يضم حكماء من المجتمع المدنى من الجانبين، يكون له حق التدخل السريع واقتراح إجراءات محددة لعلاج الظواهر المسببة للاحتقان الطائفى، وبهذا نكون قد عبرنا بمصر إلى بر الأمان، أما الحديث عن فتيات مسيحيات لا هم لهن سوى الوقوع في غرام شباب مسلم وإشهار إسلامهن فهذا غير مقبول، لا عقلاً ولا خُلقًا.

ليست هناك تعليقات: