الجمعة، 28 يونيو، 2013

كتاب لمحمد حبيب عن صعود مرسي للرئاسة

محمد حبيبمحمد حبيب
«الإخوان المسلمون.. بين الصعود والرئاسة وتآكل المشروعية».. الكتاب الثانى لــ«محمد حبيب»، النائب الأول السابق لمرشد «الإخوان»، والذى تنفرد «الوطن» بنشره قبل الطبع، يحكى فيه «حبيب» عن محمد مرسى الذى عرفه وكان سبباً لصعوده فى التنظيم الإخوانى. فـ«مرسى» الذى عرفه «حبيب» كان فظاً غليظاً على إخوانه النواب الذين تولى قيادتهم فى برلمان 2005 حتى شكاه رفقاؤه كما أنه كاد أن يُفشل المبادرة التى أطلقها التنظيم للوفاق مع القوى والأحزاب السياسية بسبب تهوره وضيق صدره. ويروى «حبيب» بعض الحكايات الصادمة عن «مرسى». ويأتى «حبيب» للفصل الأخطر فى الكتاب عندما تحدث عن المؤامرة التى تسيطر على عقل «مرسى» ووجدانه ويلمّح إلى أن عقول البعض فى الجماعة تقع فريسة التخابر والتجسس حتى تعشق ذلك، ثم يتوقع «حبيب» أن يكون أحد أجهزة المخابرات المعادية قد سرب لـ«مرسى» بعض الحكايات الممزوجة بالغموض عن مؤامرة المعارضة ضده فصدقها.
كان يُضيق الخناق على إخوانه النواب بالمجلس.. وكاد يتسبب فى فشل الحوار مع الأحزاب بسبب «التهور»
أول فصول هذا الكتاب حمل عنوان «مرسى كما عرفته»، ويتحدث فيه «حبيب» فى البداية عن أنه لم يكن يعرفه إلا بعد خروجه من سجن مزرعة طرة عام 2005، وكانت الجماعة آنذاك تتهيأ لخوض انتخابات مجلس الشعب فى أكتوبر من نفس العام.. قدّمت الجماعة فى تلك الانتخابات حوالى ٧٥ مرشحاً، نجح منهم ١٧ نائباً فقط، كان الدكتور محمد مرسى أحدهم.
ويكشف «حبيب» عن أنه كان سبباً فى صعود «مرسى» بعد فوزه ضمن الـ17 إخوانياً فى انتخابات 2000 البرلمانية، بعد أن طرح اسمه على المجموعة، لكى يتولى رئيساً للكتلة، ففزعوا من طرح الاسم لكنهم ظنوا أن هذا هو رأى مكتب الإرشاد، فوافقوا على الفور. ويضيف، قائلاً: «فى أول اجتماع لمكتب إرشاد الجماعة، تم إسناد الإشراف على الكتلة البرلمانية التى تضم الـ١٧ نائبا إلىّ، وذلك بسبب أنى كنت عضواً سابقاً فى البرلمان ولدىّ خبرة فى هذا الميدان، كما أننى كنت مشرفاً فى الوقت ذاته، على قسم المهنيين التابع للجماعة.. وكان علينا أن نختار واحداً من أعضاء الكتلة، ليكون مسئولاً عن الأعضاء، من حيث التنسيق والتعاون فيما بينهم، فضلاً عن ضبط الأداء خلال وجودهم داخل البرلمان.. كان المفترض التشاور فى هذه المسألة مع أعضاء مكتب الإرشاد، لأنه فى النهاية صاحب القرار فى الاختيار، حيث إن هؤلاء النواب يتكلمون داخل البرلمان وخارجه باسم الجماعة.. إلا أن الذى حدث أن اتصل بى الدكتور محمد على بشر، عضو مكتب الإرشاد، وكان مسجوناً بذات التهمة، وطرح علىّ اختيار الدكتور مرسى كمسئول، على اعتبار معرفته به أيام أن كانا فى أمريكا.. ولأنى كنت أثق فى الدكتور بشر، فقد تكلّمت مع أعضاء الكتلة الـ١٧ مجتمعين حول استطلاع رأيهم فى الدكتور محمد مرسى.. كان طرح الاسم مفاجئاً لهم، خصوصاً أن هذه هى المرة الأولى التى يدخل فيها الدكتور مرسى البرلمان، ولا سابق خبرة له به.. فإذا ما وضعنا فى الاعتبار أنه كان ضمن الكتلة البرلمانية أعضاء سابقون فى البرلمان، لأدركنا مدى المفاجأة التى وقعت عليهم.. غير أن أعضاء الكتلة تصوّروا أن طرحى اسم الدكتور مرسى إنما هو تعبير عن رؤية مكتب الإرشاد.. ولأن الأخير له منزلته ومكانته فى قلوب الإخوان، فقد قبلوا الأمر ورضوا به».
أشرف على موقع «إخوان أون لاين» باللغة الإنجليزية.. ولكن فوجئنا بأن أداءه كان ضعيفاً ودون المستوى
ويكمل «حبيب» تبعات هذه القرار: «فى اجتماع مكتب الإرشاد التالى، برئاسة مصطفى مشهور، المرشد العام، طرحت ما جرى مع أعضاء الكتلة، فإذا بمأمون الهضيبى، نائب المرشد، يستشيط غضباً ويوجّه حديثه لى قائلاً: كيف يا دكتور تقوم بهذا الإجراء وأنت تعلم أن ثمة قواعد وأصولاً يجب أن تتبع فى الاختيار؟ قلت: معك حق.. وأعتذر لخطئى.. حاول المأمون أن يسترسل، فأوقفه مشهور، قائلاً: كفاك يا مأمون.. لقد اعترف الرجل بخطئه واعتذر، ونعتبر الأمر منتهياً.. لقد كان رأى المأمون هو الصواب، فالشورى فى هذه المسألة وفى غيرها فيها الخير، كل الخير.. ربما كان الرجل وآخرون من أعضاء المكتب يرون من هو أولى وأفضل من الدكتور مرسى بتولى المسئولية فى هذا المكان.. عموماً».
الكتاتني
ويكشف «حبيب» عن أن الدكتور مرسى كان «يضيّق الخناق على بعض إخوانه.. ونسى أنه يتعامل مع إخوة كبار، يمثلون نواباً للشعب.. وقد شكا لى بعضهم من ذلك.. والحقيقة أن عدداً منهم كانوا يعانون من حالة انفلات».
وأشار فى كتابه إلى شدة «مرسى» فى التعامل مع الآخرين، خصوصاً من التيارات والأحزاب المعارضة فيقول: «فى مايو عام ٢٠٠٤، بدأت أفكر فى إنشاء ما أطلقنا عليه «لجنة الخمسين للإصلاح السياسى»، تتكوّن من ممثلين عن الأحزاب الموجودة آنذاك.. كان الهدف هو كسر طوق العزلة التى تحاول السلطة فرضه على جماعة الإخوان، علاوة على توحيد صف المعارضة فى مواجهة السلطة القمعية والمستبدة.. وللإنصاف كان مهدى عاكف، المرشد العام آنذاك، يدفع فى هذا الاتجاه ويتبناه بقوة. بينما الآخرون من أعضاء المكتب يرونه مضيعة للوقت ولا طائل من ورائه».
ويكمل: «اخترنا لجنة من الإخوان للقيام بهذه المهمة الثقيلة، تضمنت د. محمد حبيب، أحمد سيف الإسلام حسن البنا، د. محمد مرسى، على فتح الباب، ومحمد عبدالقدوس».
يتابع: «كانت الجولة الأولى مع حزب الوفد». ويسترسل: «وبخلاف جو التوافق والحميمية الذى بدا فى الجولتين الأولى والثانية، كان المناخ الذى ساد الجولة الثالثة مع حزب التجمع مشحوناً بقدر غير قليل من التوتر والانفعال، وكان ذلك متوقعاً.. وحرص د. رفعت السعيد (رئيس الحزب) فى هذا اللقاء أن يحشد عدداً كبيراً من اللجنة المركزية للحزب، حتى يعطى انطباعاً بأن موقف جميع أعضاء الحزب هو نفس موقفه العدائى من جماعة الإخوان، وليس كما يُشاع أن ثمة انقساماً داخل الحزب حول هذا الموضوع.. وعرضنا فكرتنا، وبدلاً من إبداء الرأى حولها، إذ بأعضاء الحزب يوجّهون سيلاً من الهجوم ضد الجماعة بأنهم أناس لا يوفون بعهودهم، كما أن مواقفهم من الأقباط والمرأة فيها عنصرية وتمييز بين أبناء الوطن، بما يخل بمبدأ المواطنة، وأن الإخوان لديهم مشكلة مع الدولة المدنية.. إلخ، وأنه قبل الحديث فى موضوع (لجنة الخمسين للإصلاح السياسى)، لا بد من الحديث فى هذه القضايا أولاً، حتى يتسنى لهم كحزب أن يحدّدوا موقفهم، إما أن يتعاونوا معنا أو يظلوا على موقفهم الرافض».
ويصف «حبيب» رد فعل «مرسى» على هجوم قادة التجمع قائلاً: «هنا لاحظت أن د. مرسى الذى كان جالساً إلى جوارى، بدأ يزمجر ويتحفّز للرد على الهجوم بهجوم مثله وأشد.. سارعت فهمست فى أذنه قائلاً: انتبه.. هم يريدون قلب الطاولة وإفشال اللقاء.. ومن ثم علينا ألا نحقق هدفهم.. فاهدأ قليلاً.
فى هذه الآونة، توفى 3 أعضاء من مكتب الإرشاد.. كان علينا أن نختار 3 آخرين، دعماً للمكتب.. وقد وقع اختيارنا على الأساتذة: صبرى عرفة الكومى (محافظة الدقهلية)، د. محمد مرسى (محافظة الشرقية)، د. محمود حسين (محافظة أسيوط).
وينتقل «حبيب» إلى مرحلة صعود جديدة لـ«مرسى» بعد اختياره «مشرفاً على القسم السياسى، الذى كان يضم 3 وحدات هى: الوحدة السياسية، الوحدة الإعلامية، الوحدة الاقتصادية، على اعتبار أن هذه الوحدات مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً، وتؤثر كل واحدة منها فى الوحدتين الأخريين.. وقد نالت الوحدة السياسية نصيباً لا بأس به، بخلاف الوحدتين الإعلامية والاقتصادية.. وقد شارك الدكتور مرسى فى وضع المحور السياسى فى برنامج خطة الجماعة.. كما شاركنى فى الإشراف على الكتلة البرلمانية التى تضم الـ٨٨ نائباً».
أما مرحلة الصعود الجديد، فكانت فى اتجاه التنظيم الدولى، يقول «حبيب»: «حين اعتُقل المهندس خيرت أواخر عام ٢٠٠٦، أسند للدكتور مرسى جزءاً من الاتصال بالإخوان فى الخارج.. وقد تم هذا دون علم المكتب ودون علمى، رغم أنى كنت النائب الأول للمرشد.. وقد أخبرنى د. مرسى أن الأستاذ عاكف هو الذى استدعاه فى منزله وكلّفه بذلك.. وحين قلت له سوف ألتقى الأستاذ عاكف وأتحدث معه فى هذا الخصوص، لأنه استلاب لسلطة مكتب الإرشاد.. حينئذ رجانى د. مرسى ألا أفعل، لأن ذلك يُعرّضه لحرج شديد.. وفعلاً لم أتحدث مع الأستاذ عاكف.. قلت فى نفسى هذه بتلك، فقد اخترت د. مرسى ليكون مسئولاً للكتلة البرلمانية عام ٢٠٠٠، دون استشارة مكتب الإرشاد.. وها هو الأستاذ عاكف يختاره لمهمة الاتصال بالإخوان فى الخارج عام ٢٠٠٧، دون استشارة مكتب الإرشاد.. غير أنه كان هناك فرق بينى وبين الأستاذ عاكف، فقد أحطت المكتب علماً بما كان منى، لكن الأستاذ عاكف -للأسف- لم يفعل (!)».
اتفق و«الكتاتنى» مع عمر سليمان على الانسحاب من ميدان الثورة مقابل «مشروعية الإخوان».. ولكن شباب «الجماعة» رفضوا
وعن تقييمه لإشراف «مرسى» على القسم الإعلامى فى التنظيم، يقول «حبيب»: «أشرف د. مرسى بشكل مباشر على موقع إخوان أون لاين، وموقع الإخوان باللغة الإنجليزية.. وللأسف، كان أداء الموقعين ضعيفاً ودون المستوى المتوقّع بكثير.. كما أسند إليه أيضاً فى منتصف عام ٢٠٠٩، مسئولية إخوان القاهرة، وذلك لسبب سوف أتحدث عنه تفصيلاً فى كتابى القادم الذى اخترت له عنوان (الإخوان والحق المر)».
ويقفز «حبيب» إلى مرحلة «الثورة»، ويؤكد أن التنظيم لم يعط أوامره لأعضائه بالمشاركة فى الثورة، وإن لم يمنع شبابه من النزول: «أسهم مجموعة من شباب الإخوان مع غيرهم فى التحضير لتظاهرة ٢٥ يناير.. كان أقصى ما تطمح إليه النفوس، إيقاف العمل بقانون الطوارئ.. وإن كان ممكناً، إقالة وزير الداخلية.. وفى يوم ٢٥ يناير، خرج للمشاركة فى التظاهر ما بين ٢٥٠٠ و٣٠٠٠ شاب من الإخوان، لكن على مسئوليتهم الخاصة.. صحيح أنه لم تصدر إليهم تعليمات أو توجيهات بالمشاركة، لكنهم لم يمنعوا.. وفى جمعة الغضب وما بعدها، صدرت تعليمات قيادة الجماعة بالمشاركة، ونالهم ما نال الجميع..».
وعن كسر الإخوان للإجماع الوطنى فى عدم التفاوض إلا بعد رحيل «مبارك»، يتحدث «حبيب»: «ذهب الدكتور مرسى والدكتور سعد الكتاتنى، مع ممثلى الأحزاب وبعض الشخصيات العامة والرموز الوطنية، لحضور الحوار الذى دعا إليه اللواء عمر سليمان، نائب الرئيس مبارك، فى ذلك الوقت، مخالفين بذلك ما تم الاتفاق عليه مع رفاق الثورة أنه (لا حوار إلا بعد الرحيل).. قيل إنه طلب من مرسى والكتاتنى أن يتم سحب الشباب من ميدان التحرير، فى مقابل مشروعية الجماعة والإفراج عن الأخوين خيرت الشاطر وحسن مالك.. لكن الشباب فى الميدان رفضوا ذلك.. ومن جهتها، لم تُصر قيادة الجماعة، ولم تحاول إرغام الشباب على الانسحاب».
عبد المنعم أبو الفتوحعبد المنعم أبو الفتوح
يقول «حبيب»: «بعد أن أعلن أبوالفتوح عن ترشحه لرئاسة الجمهورية، سألنى كثير من الشباب عن رأيى فى ذلك، فكان ردى هو عدم الموافقة على الترشُّح، ، وأن رأى شورى الجماعة هو الصواب أو الأصوب، وإن كنت أرى أهلية الرجل للمنصب».
محمد حبيب
ويسترسل: «كثر اللغط بين أفراد الجماعة، خصوصاً فى المستويات القاعدية من التنظيم، وتساءلوا: كيف لقامة مثل أبوالفتوح تخالف قرار شورى الجماعة، ولا يتم اتخاذ أى موقف ضده؟! إزاء ذلك، قيل -والعهدة على الراوى- إن قيادة الجماعة قامت بإرسال وفد من اثنين أو ثلاثة من الإخوان إليه لإثنائه عن عزمه، لكن الوفد لم يوفّق فى مهمته.. وقد أرسلت شخصياً إلى الدكتور بديع أوصيه بأن يذهب ومعه بعض من إخوانه فى زيارة ودية إلى الدكتور أبوالفتوح، ومراجعته فى أمر الترشُّح، وأنا واثق أنه سيستجيب، لكن تلك الخطوة -للأسف- لم تتم.. وحتى تبدو قيادة الجماعة أمام قواعدها بالحسم والحزم اللازمين، وأنه لا يوجد أحد، مهما طالت قامته فوق المساءلة، انتهى المجلس بعد مناقشة الأمر إلى اتخاذ قراره بفصل أبوالفتوح من الجماعة».
«أبوالفتوح» لم يرتكب خطأً أخلاقياً حتى يتم فصله.. والجماعة دفعت بـ«الشاطر» حتى تتخلص منه
ويصدم «حبيب» قراءه عندما يُشدد على أنه لم تكن «قيادة الجماعة تريد لأبوالفتوح أن ينجح فى انتخابات الرئاسة بأى شكل» ثم يُعدّد لذلك أسباباً، منها: أ) كان معنى نجاح الرجل أن يحدث تصادم بينهم وبينه لا محالة.. فأبوالفتوح كان ينادى علناً بضرورة تقنين أوضاع الجماعة وإخضاع كل شئونها للقانون، من حيث الهياكل الإدارية والتنظيمية، والأنشطة المختلفة، والتمويل وطرق إنفاقه، وإن من حق الرأى العام أن يعرف كل شىء عن الجماعة، وإنها ليست ملكاً لأفرادها، بل ملك للأمة كلها. ب) كان معنى نجاح أبوالفتوح خطأ قرار مجلس شورى الجماعة، وصواب موقفه، وبالتالى اهتزاز صورة قيادات الجماعة فى نظر أفرادها. ج) وكان معنى نجاح أبوالفتوح حدوث انشقاقات داخل صفوف الجماعة، واحتمال خروج أعداد غير قليلة من التنظيم.
شعرت قيادات التنظيم بالخطر من ترشُّح أبوالفتوح وأحست أيضاً بأنها فى مأزق أمام دخول التيار السلفى إلى حلبة الحياة السياسية والحزبية.. وهى تعلم أن التيار السلفى ليست لديه أى خبرة فى العمل السياسى، لكنها تعلم من ناحية أخرى مدى الشعبية التى يتمتع بها، وأنه من الممكن أن يتصدّر المشهد السياسى، وهذا بالطبع سوف يكون له أثره على مستقبل العمل السياسى والدعوى.. لذا كان لا بد لقيادة الجماعة أن تحسم أمرها، فقررت إعلان ترشُّح شخصية ذات توجه إسلامى لانتخابات الرئاسة، لكن ليس من داخل التنظيم.
عند تلك المرحلة، قرّرت قيادة الجماعة ترشيح أحد أفرادها، وهو المهندس خيرت الشاطر، خصوصاً بعد أن أعلن حازم صلاح أبوإسماعيل عن ترشُّحه.. وحسب ما أعلنته إحدى بنات خيرت الشاطر على صفحة التواصل الاجتماعى الخاص بها، أن هذا الترشّح جاء نتيجة اتصال المشير طنطاوى بوالدها.
الصدام بين الإخوان و«أبوالفتوح» كان سيقع لا محالة لو أصبح رئيساً
وعلى أثر الإعلان عن هذا الترشُّح، أعلنت فى منتهى الوضوح أن هذا الأمر يُعتبر خطأً استراتيجياً، وأنه سوف يُكلف الجماعة والوطن غالياً.. وقد حدث ما حذّرت منه فعلاً. وأضاف: وقد علمت أن مجلس شورى الجماعة فى جلسته الأولى لم يكن موافقاً على الترشُّح.. فكان أن تأجلت الجلسة بضعة أيام إلى جلسة أخرى.. وما بين الجلستين، قام مكتب الإرشاد بممارسة الضغط على أعضاء المجلس لتغيير رأيهم.. وقد حدث فعلاً، إذ جاءت نتيجة التصويت بموافقة ٥٦ عضواً مقابل رفض ٥٢ عضواً.. وهذا يدل على أن ما يقرب من نصف أعضاء مجلس الشورى كانوا مدركين لحجم التحديات الداخلية والخارجية التى يمكن أن تواجه الجماعة حال فوز مرشحها فى انتخابات الرئاسة. وساعتها تصوّر «حبيب» أن السماح بنزول خيرت الشاطر فى هذا التوقيت، للترشُّح فى مواجهة حازم أبوإسماعيل، كان لتفتيت الأصوات، حتى يفوز المرشح الذى يراهن عليه المجلس العسكرى.. وتكتمل الصورة مع ترشُّح اللواء عمر سليمان لانتخابات الرئاسة، مع أنه سبق أن أعلن رفضه الفكرة، ثم يتبين بعد ذلك أن عدد التوكيلات التى قدّمها كان ينقصها ٣١ توكيلاً، وهو ما يعنى عدم استيفاء العدد الضرورى للترشُّح، وبالتالى خروجه من المنافسة، وكأن الرجل قد دخل ميدان الترشح -قصداً- لكى يخرج ومعه الإخوان خيرت الشاطر وحازم أبوإسماعيل، وبعد أن تأكد للجماعة أن المهندس خيرت الشاطر على وشك الخروج من المنافسة، دفعت بالدكتور محمد مرسى مرشحاً احتياطياً له.. وقد أثار ذلك زوبعة من السخرية والنكات اللاذعة على مستوى المجتمع المصرى، فيما أطلق عليه آنذاك بالمرشح «الاستبن».. وللإنصاف تحرك الإخوان بهمة ونشاط شديدين، حيث أقيمت مؤتمرات حاشدة فى مواقع كثيرة من مصر.. وقد قدّم الدكتور مرسى برنامجه (مشروع النهضة) الذى سبق أن أعلن عنه المهندس الشاطر، وكيف أنه استعان فى إعداده وصياغته بآلاف من الخبراء والعلماء (!)
مظاهرة تأييد لشباب الجماعة أمام المقرمظاهرة تأييد لشباب الجماعة أمام المقر
فى مقدمة كتابه، يؤكد «حبيب» أن الثورة «ليست فى فكر ولا منهج ولا أدبيات الإخوان».. وما قاله حسن البنا، الإمام المؤسس للجماعة، خير شاهد ودليل.. ثم يضع جزءا من رسالة المؤتمر الخامس، وهى من أهم رسائل البنا لتنظيمه، ليؤكد صحة مقولته، والتى ذكر فيها: «أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة فى مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر فى إصلاح عاجل وسريع لحل هذه المشاكل، فسيؤدى ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان، ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التى تتعقد بمرور الزمن، ويستفحل أمرها بمضى الأيام إلا نذير من هذه النذر».
ويتناول «حبيب» الأسباب التى أدت إلى عدم تطور التنظيم مما أدى إلى «عدم استطاعة الجماعة عقد اجتماع مجلس شوراها العام، أهم وأخطر أجهزتها، وتحويل كافة سلطاته وصلاحياته لمكتب الإرشاد»، وبذلك لم تكن هناك رقابة ولا محاسبة على أعمال المكتب، بل كان للمكتب صلاحية تحديد التوجهات والسياسات العامة للجماعة واتخاذ جميع القرارات المصيرية دون رقيب أو حسيب.
محمد حبيب
ويضيف سببا آخر لما سماه «التأثير السلبى على الأفراد وثقافتهم ونضج وعيهم وفهمهم للحيلولة دون لقاء قيادة الجماعة بأفراد الصف، بسبب محاصرة هذه القيادة من ناحية، ومخافة دهم أماكن اللقاءات من قبل أجهزة مباحث أمن الدولة من ناحية أخرى، وهو ما أثر سلبا على تربية الأفراد وثقافتهم ونضج وعيهم وفهمهم».
ويستطرد: «تضاؤل حجم المعلومات المتاحة للرأى العام عن الجماعة، خصوصاً فيما يتعلق بالبناء والنشاط الداخلى لها، مخافة استغلال ذلك من قبل الأجهزة الأمنية فى توجيه مزيد من الضربات»، ويشير إلى أن «تأجيل أى مقترحات أو مناقشات متعلقة بتطوير أداء عمل الجماعة، من حيث الشورى وتغيير اللوائح والنظم ووضع معايير بخصوص انتخابات القيادات.. إلخ، حوّل جسم الجماعة إلى كتلة شبه صماء حرمت أفرادها القدرة على الابتكار والإبداع فى أى مجال.
ويضيف: «تقزيم آمال وأحلام الجماعة، قيادة وأفرادا، بحيث صارت طموحاتهم محدودة ومتواضعة، وبالتالى كان وصولهم إلى الحكم فى هذه المرحلة ضربا من الخيال».
ويرسل «حبيب» رسالة مفتوحة للإخوان ويقول: «من الملاحظ أن الهجوم على الإخوان بلغ حدا غير مسبوق.. أسمع عبارات شديدة وقاسية تتردد على ألسنة الكثيرين، إعلاميين وغير إعلاميين.. شيوخا وشبابا.. فأتألم وأتوجع.. فبرغم خروجى من الجماعة فإن عاطفتى تظل معها، وأتمنى اليوم الذى أراها فيه وقد حققت ما تصبو إليه من الآمال والأحلام.. لقد قضيت بها حوالى 43 عاما، هى أحلى سنوات عمرى، ويعز علىّ أن أراها على هذا النحو.. انتقدتها بدافع من حبى لها.. وكنت أحيانا أقسو عليها، رغبة فى أن تصوب طريقة تفكيرها وسياساتها وممارساتها، على اعتبار أن الخير الذى يتحقق على يديها هو خير للوطن، قبل أن يكون خيرا لها.. لقد كنت واعيا بحجم التحدى الذى يواجه الإخوان داخليا وخارجيا.. حذرت من حجم التنازلات التى سوف يضطر الإخوان لتقديمها حال وصولهم إلى السلطة.. وقد حدث.. مع ذلك كنت مضطرا لإعلان وقوفى، بل ضرورة وقوف الجماعة الوطنية، إلى جوار الدكتور مرسى وهو يخوض معركة الإعادة مع الفريق أحمد شفيق.. وعلى النقيض ممن أعلنوا ندمهم على ذلك، أنا لست نادما، بل إن عاد التاريخ سوف أتخذ نفس الموقف دون تردد.. فى رأيى، أداء الدكتور مرسى دون المستوى.. أصاب فى أمور وأخطأ فى أمور كثيرة.. أعطى وعودا وحنث فيها.. خسر الكثير.. وخسرت معه الجماعة أكثر».
«الإرشاد» أجل تطوير الجماعة وحوّلها إلى كتلة شبه صماء حرمت أبناءها من القدرة على الابتكار والإبداع
ويتابع: «كان اختيار مرسى لحكومة د.هشام قنديل غير موفق، فهى حكومة متواضعة، محدودة القدرات، وفاقدة للحلم والخيال والطموح.. أعتقد أن الإبقاء على هذه الحكومة بعد كل هذه الإخفاقات والمصائب والكوارث سوف يغرى من يأتى بعد ذلك بأن يكونوا على نفس القدر من العجز والفشل والإهمال واللامبالاة.. لذا أقول للدكتور مرسى: احزم أمرك وأقل رئيس وزرائك، واختر من هو أولى بالقيادة، خاصة أن مصر ملأى بأصحاب القدرات والكفاءات.. نحن فى حاجة إلى حكومة إدارة أزمات، حتى ولو لمدة شهرين.. أرجو أن يكون واضحا أنك المسئول أمام الشعب عن كل ما يقع، ولا تنس أنه سقط فى عهدك خلال سبعة أشهر 65 شهيدا!!».
ويضيف: «عموم الإخوان يثقون فى قياداتهم، وهذا ليس عيبا فى حد ذاته، لكن العيب فى تأييدهم المطلق لكل ما يصدر عنهم من تصريحات ومواقف، رغم التناقض البيّن والصارخ بينها.. يتضح هذا للناس.. إذا قالت القيادات شيئا، قال عموم الإخوان: آمين.. وإذا قيل عكسه بعد يوم أو بعض يوم، قالوا: آمين.. التبرير هو سيد الموقف.. أيها الإخوان دافعوا عما تقوله قياداتكم، لكن بوعى وتبصر.. ناقشوها وحاسبوها وسائلوها.. استمعوا إلى ما يقوله منتقدوكم ومخالفوكم، فليس كل ما يقولونه خطأ، كما أن كل ما تقوله قياداتكم ليس صوابا.. إن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها، كما جاء فى الحديث.. ينسى هؤلاء الإخوان أنهم أصبحوا فى السلطة الآن.. فما عاد هناك تضييق، أو ملاحقة، أو مطاردة.. ما عادت هناك سجون تنتظرهم، أو محاكمات عسكرية تنصب لهم، أو حرب على الأرزاق تجتاحهم.. وبالتالى لا بد أن تتسع الصدور للنقد، وإن كان جارحا.. كما نطالب المعارضين أو الرافضين بالكف عن الشتائم والسخائم، وإن كان بعض الإخوان للأسف يقعون فى ذلك، فقد نسوا قوله تعالى: «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن».
الثورة ليست فى فكر الإخوان والعيب فى التأييد المطلق للجماعة
ويتابع فى رسالته: «المجموعة الموجودة الآن فى قيادة الجماعة لم تعد مناسبة.. لا بد من اختيار غيرها.. الظروف والأجواء الآن تحتاج لنوعيات أخرى تناسب طبيعة المرحلة.. كما أن نظم ولوائح الجماعة لم تعد ملائمة.. الهياكل الإدارية والتنظيمية واللجان النوعية والفنية يجب أن تتطور لتلاحق متغيرات العصر.. كما أنه آن الأوان لتوفق الجماعة أوضاعها لتكون جمعية مسجلة.. الدور التربوى والدعوى والاهتمام بالشأن العام لا تقل أهمية عن العمل الحزبى.. لا بد من فصل حقيقى بين الحزب والجمعية.. ولا بد أيضاً من عدم التدخل فى عمل الرئيس.. لا بد.. فهذا التدخل سبّب إرباكا وارتباكا شديدين».
وفى ندائه الأخير: «أيها الإخوان.. لطالما نادينا ونادى غيرنا بضرورة شراكة وطنية حقيقية.. ما زالت الفرصة سانحة، فلا تدعوها تفلت من بين أيديكم.. يجب أن نقر ونعترف بأن العبء أكبر بكثير جدا من الإخوان، ومن التيار الإسلامى بكل فصائله.. وها أنتم ترون ما يجرى ويقع من مصائب وكوارث.. نريد أن تتحول الشراكة إلى واقع حقيقى على الأرض.. والمسئولية فى ذلك تقع على الجميع، لكنها تقع بدرجة أكبر على التيار الإسلامى، والإخوان بالذات».
الرئيس محمد مرسيالرئيس محمد مرسي
وفى فصل بعنوان «حديث المؤامرة» يتحدث «حبيب» عن أن الدكتور مرسى تعلل بأن السبب الذى دفعه لإصدار إعلانه الدستورى هو وجود «مؤامرة».. لكن «حبيب» يحاول أن يفند تلك المزاعم ويحللها من واقع علمه بأعماق الشخصية الإخوانية.
محمد حبيب
يقول «حبيب»: «الحقيقة أن نظرية المؤامرة لها من الشواهد والأدلة فى القديم والحديث ما يؤكد صحتها ويبرهن على وجودها، سواء على مستوى الدول أو التنظيمات داخل الدول، أو حتى على مستوى الأفراد.. لكن ليس كل ما يحدث حولنا يتم وفق هذه النظرية، فكثيرا ما تقع أحداث، كبيرة أو صغيرة، وليس هناك من خطط أو دبر لها.. أحيانا تجرى وقائع قد لا نجد لها تفسيرا أو تأويلا، ثم نكتشف بعد ذلك أنها جرت بسبب خطأ أو قصور أو عجز ما.. ولدى الأمم الحية أسلوبها المعتمد فى التعامل مع الأحداث، خاصة الكبيرة منها، فهى تضع أمامها كل الاحتمالات للتعرف على الأسباب الحقيقية التى أدت إلى وقوع هذا الحدث أو ذاك، وقد تنجح أو لا.. أما الأمم المتخلفة، فإنها عادة ما تتجه مباشرة إلى نظرية المؤامرة، كى تبرئ ساحتها وتخلى مسئوليتها عما وقع.. فما أسهل تعليق الأخطاء والعجز والفشل على شماعة المؤامرة».
ويلمح «حبيب» إلى ما هو خطير ومهم حيث قال: «إن الحديث عن المؤامرات مثير.. وهو مسألة حيوية لمن يعشق أجواء المخابرات والظلام والتجسس والمغامرات.. هو عالم عجيب وغريب.. لكن له أهله وناسه.. وهؤلاء يجدون لذة قصوى فى البحث عن المعلومات والحكايات التى ترضى غرورهم وخيالاتهم.. وفى الغالب الأعم تبحث أجهزة الاستخبارات المعادية عن هذه النوعية من البشر، فتقوم بتسريب حكايات إليهم ممزوجة بقدر من الغموض والسرية حتى تحدث تأثيرها المرجو وتحقق هدفها المنشود.. ونحن هنا فى مصر مولعون بكل ما له علاقة بالأسرار، فقد عشنا دهرا طويلا كنا فيه أسرى لهذا الجو السرى الملىء بالطلاسم والألغاز، لا نعرف كيف نحكم؟ ولا من الذى يصدر الأوامر والتوجيهات؟ ولماذا يعين فلان فى هذا الموقع أو ذاك؟ ولماذا تم اختيار هذا الرجل بالذات كى يترأس الوزارة؟ ولماذا وكيف قبض على هؤلاء وزج بهم فى السجون؟ وغير ذلك كثير.
لماذا لا يتم القبض على مدبرى المؤامرات؟ والكلام عن تورط صباحى والبرادعى «سفه»
ثم يسترسل: «فى الآونة الأخيرة، تكلم بعض الإخوان عن مؤامرة حيكت فصولها بليل، شاركت فيها عناصر محلية وإقليمية بهدف إسقاط الدكتور مرسى أو إرباكه، ثم الإطاحة به، وبالتالى إحلال النظام القديم بكل قبحه ودمامته محله.. وأن هذه المؤامرة هى التى حدت بالرئيس لأن يصدر قراراته العجيبة التى أثارت الدنيا ولم تقعدها.. من المتوقع أن يكون الحديث عن المؤامرة قصد به إيجاد تبرير لهذه القرارات.. ولا أدرى لماذا لم يتم الكشف عن خيوط هذه المؤامرة حتى الآن؟ ولماذا لم يتم إلقاء القبض على مدبريها والتحقيق معهم؟ قد يقال نحن نريد الانتظار حتى يقع الصيد كله فى الشباك، وحتى لا يفلت من الجريمة أحد.. والمنطقى أن الإمساك بخيط واحد يمكن أن يجر بقية الخيوط، لكن يبدو أنه لا توجد مؤامرة أو حتى شبه مؤامرة.. لقد سمعت أحدهم يقول إن البرادعى وصباحى وبقية رموز جبهة الإنقاذ على صلة بالخلية المتآمرة، وهذا كلام أقل ما يقال فيه إنه سفه، فلا يشكك أحد فى وطنية هؤلاء.. وأغرب ما قيل هو أن المؤامرة كانت تتضمن احتلال قصر الاتحادية يوم الأربعاء الدامى (5 ديسمبر)، وتنصيب مجلس رئاسى يتولى أمور البلاد.. وما نعرفه أن المجموعة التى كانت معتصمة أمام قصر الاتحادية لا تتجاوز عشرات الأفراد، بينما كان المتظاهرون فى الليلة السابقة بعشرات إن لم يكن بمئات الألوف، فلماذا لم تتم عملية الاحتلال ساعتئذ؟! ثم أين الحرس الجمهورى؟ وأين قوات الأمن؟ يا قوم: أرجو أن نحترم عقولنا».
مرسى مع طنطاوى وعنانمرسى مع طنطاوى وعنان
يرى «حبيب» أن المسار الذى سار فيه التنظيم بعد سقوط «مبارك» لم يكن سليماً: «كانت تلك اللحظات الفارقة فى تاريخ مصر مناسبة وملائمة للغاية لكى يتشكل مجلس رئاسى يدير شئون البلاد، ثم هيئة تأسيسية لكتابة دستور يعبر عن هذا التوافق العظيم.. لكن رفاق الثورة ارتكبوا خطأ العمر.. وسلموا الثورة للمجلس العسكرى على طبق من فضة».
محمد حبيب
ويحلل طبيعة المجلس العسكرى وثقافته التى تقترب من ثقافة «الإخوان» فى السمع والطاعة والتراتيب التنظيمية: «فالعسكرى بثقافته وطبيعة تركيبته، لا يمكن أن يكون ثوريا.. أسلوب حياته لا ينسجم مع طبيعة الثورات.. الضبط والربط والتسلسل القيادى جينات متغلغلة فى تكوينه الذهنى والنفسى والعصبى والوجدانى.. كانت هناك مشكلة ملحة تؤرقه وتؤرق الشعب المصرى، وهى التوريث.. وجاءت الثورة لتطيح بالوريث وأحلامه.. وانتهت المشكلة.. فليبق النظام إذن».
ويكمل: «لكن المجلس العسكرى فى حاجة إلى غطاء شعبى وسياسى يتناغم معه.. فوجد غايته فى التيار الإسلامى، وفى القلب منه الإخوان.. فالأخير يخضع لنفس ثقافة السمع والطاعة، لكن ممزوجة بشورى، طبقا لطبيعته المدنية، ومنهجه المحافظ غير الثورى.. ثم هو يبحث فى الوقت ذاته عن مؤسسة عسكرية قوية، لها سمعتها وهيبتها وتاريخها، تستطيع أن تبسط هيمنتها على البلاد، وتستطيع أيضاً أن تواجه أى عنف أو بلطجة تابعة لداخلية وحزب نظام مبارك.. والتقت الرغبتان.. لكن على حساب ألق الثورة ووهجها».
رفقاء الثورة ارتكبوا «خطأ العمر» بإجراء الانتخابات قبل وضع الدستور
ويرى «حبيب» أن أول هذه التفاهمات كان مسألة التعديلات الدستورية.. تسع مواد للاستفتاء عليها، حتى يتمكن المجلس العسكرى من بسط هيمنته بشكل شرعى على البلاد.. وثار جدل كبير.. كان السؤال المطروح: تعديلات أى دستور؟ الدستور الذى أسقطته الثورة وصار جثة هامدة؟! وهل يجوز إجراء عملية جراحية لجسد ميت؟! لكن المجلس العسكرى والإخوان كان لهما رأى آخر، وهو أننا نريد خلال ستة أشهر إجراء انتخابات برلمانية، لتبدأ عملية الاستقرار!! ومن الغريب والعجيب استحضار المادة الثانية من الدستور قبل وأثناء عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والتى لم تكن مطروحة أصلا ضمن المواد التسع.. لكن الأمر كان واضحا وهو محاولة استثارة البسطاء من الناس للإقبال على الاستفتاء بـ«نعم»، وكأننا فى معركة من أجل العقيدة!!»
ويتطرق إلى انقلاب «العسكرى» على نتيجة الاستفتاء فأصدر فى ٣٠ مارس ٢٠١١ «إعلانا دستوريا من ٦٣ مادة، متضمنة المواد التسع التى تم الاستفتاء عليها.. كان هذا الإعلان انقلابا حقيقيا على الاستفتاء.. إذ لم يتم الاستفتاء عليه، ولم يؤخذ رأى الشعب فى نظام الحكم الذى تضمنه، ولا مجلس الشورى الذى فرضه، ولا نسبة الـ٥٠٪ عمال وفلاحين التى أصر على الاحتفاظ بها.. لقد تم ذلك للأسف برضا أو بصمت التيار الإسلامى كله».
«الإخوان» وجدت فى «العسكر» قوة لبسط سيطرتها على البلاد و«العسكرى» كان يبحث عن الظهير الشعبى
ويكمل: «وكما صمت التيار الإسلامى عن الإعلان الدستورى، صمت أيضاً عن الانتهاكات البشعة والجرائم التى ارتكبت فى عهد المجلس العسكرى، مثل كشوف العذرية، ومذبحة ماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، واستاد بورسعيد، ومحمد محمود، والعباسية».
ويتابع «حبيب»: كانت نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات الرئاسة مفاجئة بكل المقاييس.. فقد جاء الدكتور مرسى فى المرتبة الأولى، يليه الفريق شفيق بفارق ضئيل.. وجاء حمدين صباحى فى المرتبة الثالثة، فأبوالفتوح، ثم عمرو موسى فى المرتبة الخامسة بنسبة أصوات قليلة غير متوقعة.. حاز الدكتور مرسى على ما يزيد على ٥ ملايين صوت، وهو ما يمثل ٥٠٪ مما حصل عليه الإخوان من الأصوات فى الانتخابات النيابية قبل حوالى ٦ أشهر، الأمر الذى دل بوضوح على تراجع شعبية الإخوان، ربما بسبب الأداء السيئ لنوابهم فى مجلس الشعب الذى تم حله بعد ذلك.
آثار هجوم الإخوان على معتصمى الاتحادية «صورة أرشيفية»آثار هجوم الإخوان على معتصمى الاتحادية «صورة أرشيفية»
وفى فصل آخر عُنون بـ«تآكل الشرعية» يضم أهم الأحداث التى جرت خلال الأشهر الخمسة الثانية من حكم الدكتور مرسى، أى منذ إصدار الإعلان الدستورى فى 21 نوفمبر 2012 حتى آخر أبريل 2013.
محمد حبيب
ويرى «حبيب» هذا الإعلان «فيصلا بين عهدين فى حياة الدكتور مرسى، بل علامة فارقة فى تاريخ الحياة السياسية المصرية.. فقد اندلعت التظاهرات بأعداد هائلة أعادت إلينا أجواء 25 يناير، واجتمع الفرقاء من الليبراليين والقوميين واليساريين على صعيد واحد فيما سمى بـ «جبهة الإنقاذ» ضد الدكتور مرسى، تطالب برحيله، وبدا الانقسام الحاد فى المجتمع، والاحتراب الأهلى، ومظاهر العنف والقتل وانتهاكات حقوق الإنسان من تعذيب وحشى حتى الموت واغتصاب لعشرات الشباب فى معسكرات الأمن، فضلا عن التعرية والسحل على هامش التظاهرات، والتحرش الجنسى ومحاولات الاغتصاب الجماعى الممنهج والمنظم.. ناهينا عن الدخول فى خصومة شديدة مع القضاة والإعلام، والقوى الثورية.. ونظرة على المشهد كله تعطينا تقويما كاشفا وواضحا عن فقدان الثقة فى الدكتور محمد مرسى، وسقوط هيبته وضعف قدرته على إدارة شئون البلاد، فضلا عن تدنى شعبية جماعة الإخوان إلى درجة غير مسبوقة.. سوف نرى من خلال هذا الفصل أيضاً إلى أى مدى تآكلت شرعية الدكتور مرسى فى فترة محدودة للغاية، لدرجة يتوقع معها البعض عدم استكمال الرجل لمدته، بينما يطالب البعض الآخر بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة (!)
ويسترسل «حبيب»: .. فقد اجتمع الفرقاء من الليبراليين والقوميين واليساريين فى خندق واحد وشكلوا «جبهة إنقاذ» فى مواجهة الرئيس مرسى الذى بدا على حد وصف الدكتور البرادعى بأنه «الحاكم بأمر الله» فالقرارات التى اشتمل عليها الإعلان هى قرارات ديكتاتورية بامتياز.
ويتأمل «حبيب» ما سمّاه مجزرة «الاتحادية»: ما الذى يمكن أن يفعله الحمق والغباء السياسى والافتقار إلى الحكمة، وما الذى يمكن أن يفعله غرور القوة والسلطة؟!
مجزرة الاتحادية تعنى غرور السلطة وتكشف عن حمق وغباء.. والخاسر الأكبر هم الإسلاميون الذين فقدوا شعبيتهم
ويرى أنه «بات لدينا تاريخ فى المجازر والمذابح البشرية مرتبط بالأماكن.. فهذه مذبحة ماسبيرو، وتلك مجزرة محمد محمود، وهذه مذبحة مجلس الوزراء.. الخ. نحن الآن أمام مجزرة جديدة يمكن أن نطلق عليها مجزرة قصر الاتحادية، لأن الكل منهزم؛ الرئاسة، والأحزاب جميعا، والقوى السياسية والوطنية.. لكن إن شئنا الدقة نقول إن المنهزم الأول هو رئيس الدولة والإخوان وبقية الفصائل الإسلامية الأخرى التى دعت إلى الوجود مساء ٥ ديسمبر. لقد كانت خسارة هؤلاء فادحة.. خصمت من رصيدهم لدى الشارع المصرى كثيرا.
ويحذر «حبيب» من أن ما يجرى على الساحة الآن ينذر بخراب ودمار، لكن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الدكتور مرسى، وعليه أن ينزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان.. قائلا: إن الشعب المصرى يمكن أن يتسامح فى أشياء كثيرة، لكنه لا يتسامح فى الدم الذى أريق والتعذيب الذى جرى.. وإذا كنا نعتبر مبارك مسئولا عن قتل ١٢٠٠ متظاهر وإصابة أكثر من ١٠ آلاف جريح ومصاب خلال الثمانية عشر يوما الأولى من عمر الثورة، والمجلس العسكرى مسئولا عما وقع بعد ذلك حتى تسليم السلطة فى ٣٠ يونيو ٢٠١٢، فإن الدكتور مرسى مسئول أيضاً عن الدماء التى سالت والأرواح التى فاضت فى «محمد محمود» الثالثة، ودمنهور، وقصر الاتحادية.

ليست هناك تعليقات: