الأحد، 18 نوفمبر، 2012

«أروى» أين دموعك يا بابا مرسى.. ؟! ه




 
 مجدى الجلاد

كانت الأجنحة البيضاء ترفرف فى السماء.. اصطفت الملائكة من «مزلقان الموت» إلى أبواب الجنة.. يتساءل الأطفال: هل تأخرنا قليلاً؟ وكان صوت قلوبهم البريئة يردد: إن جرس الرحيل يدق فى السماء السابعة.. كان الصغار يلملمون أشلاءهم من فوق القضبان.. قال لهم ملاك بصوت حنون: «هيا يا أبنائى.. لا وقت لدينا»! أمسك تلميذ بكراسته الملطخة بالدماء ونظر إلى الملاك باستعطاف: «عايز آخدها معايا.. فيه درس نفسى أحفظه».. التقط الملاك الكراسة، فوجدها مفتوحة على درس «الثورة».. تفحص الملاك الطفل وسأله: «أى ثورة؟!».. فأجابه: «ثورة يناير».. كان نفسى أعرفها.. أحفظها.. أصل إحنا فى الصعيد ما نعرفش حاجة عنها.. أهلنا قالوا لنا إنهم فى «مصر» شالوا رئيس وحطوا رئيس.. افتكرنا إن حاجات كتير هتتصلح.. عارف إحنا بنركب الأتوبيس ده كل يوم.. وبنعدى على المزلقان ده كل يوم.. كنا بنلعب ونحكى ومش خايفين من القطر.. عارف ليه؟ لأنهم فهمونا إن دم الناس هيكون غالى بعد الثورة.. كنت باسمعهم فى التليفزيون وهمه بيقولوا إن زمن الموت المجانى انتهى، وإن دم الصعايدة وكل المصريين مش هيكون رخيص.. من لحظات كنا بنلعب فى الأتوبيس.. مش واخدين خوانة.. إزاى نخاف وإحنا شايفين بابا مرسى بيصلى الفجر ويدعيلنا.. وبابا قنديل يبكى إمبارح على طفل شهيد فى غزة؟! بكى «الملاك» حتى أغرقت دموعه بر الصعيد.. حمل الطفل وكراسته على جناحه الأيمن وحلّق نحو السماء.. غطى الملائكة بأجنحتهم وأشلاء وكراريس الأطفال على قرص الشمس.. تساقطت الأمطار على أسيوط.. كانت الزخات الرقيقة تحمل ماءً طهوراً ودماءً زكية فاحمرت الأرض وابتلت الأشجار بدم الصغار.. نظر طفل رقيق من أعلى، ثم همس فى أذن الملاك: «تصدق إن بلدنا جميلة قوى.. شايف النيل فارش جناحه إزاى، وكأن مصر كلها فى حضنه.. عارف كان نفسى أطلع مهندس زراعى.. أبويا بيزرع قيراطين أرض، ومديون للبنك الزراعى.. لا إحنا بناكل من الزرع، ولا بيعه بيكفى مصاريف الدراسة.. علشان كده أبويا دخلنى المدرسة وخرّج إخواتى البنات.. كان نفسى أزرع أرض أبويا وأهلى بالعلم»..! تحشرج صوت الملاك وهو يضم الطفل إلى صدره بقوة.. قال له: «نحن فى السماء نعرف بلدكم أكثر منكم.. نسأل بعضنا البعض: لماذا لم يحكم مصر رجل يحبها.. لا نعرف حكمة الله عز وجل، ولكننا نعرف أن الموت لكم رحمة.. هنا فى السماء؛ لا ظلم، لا قهر، لا مصالح، ولا قسوة.. شهداؤكم كثيرون، ستراهم جميعاً بعد قليل.. من ماتوا فى حروب سيناء، مع من احترقوا فى قطار العياط، ومن غرقوا فى «العبّارة»، ومن فقدوا حياتهم فى «ثورتكم»، ومن سبقوكم فى قطار الفيوم قبل أيام..! اقترب «قطار الشهداء» من السماء.. هتفت الطفلة «أروى» التى تدلت خصلة ناعمة من شعرها على جناح «الملاك»: اسمعوا يا أصحابى وشوفوا.. هتفوا جميعاً: «نشوف إيه ونسمع إيه يا أروى؟».. فأجابت: «بابا قنديل رايح المستشفى يطمن علينا.. وبابا مرسى بيتكلم فى التليفزيون».. ضحك طفل فى أولى ابتدائى: «يطمن على مين يا بنتى.. همه لسه بيلموا لحمنا فى ملايات السرير».. وسألتها طفلة ببراءة صافية: «يا أروى.. هوه بابا مرسى بكى علينا؟!».. فنظرت «أروى» إلى الأسفل ودققت النظر، وقالت: «لأ.. بس هوه بيقول إن فيه تعويضات لأهالينا»، فهتف طفل وهو يكاد يسقط من فوق جناح «الملاك»: «كام يا أروى.. دى فرصة حلوة إن أبويا يعمل عملية القلب لأختى، أصلها راحت معهد القلب، وقالوا لها تعالى بعد سنة، والدكتور قال إنها هتموت لو انتظرت المعهد».. أنصتت «أروى» لبيان الرئيس وقالت بصوت محبط: «الكلمة خلصت ومفيش كلام عن المبلغ»! صرخ طفل آخر: «يبقى تلت تلاف جنيه زى كل اللى راحوا قبل كده».. فصرخ الطفل الملهوف: «مش هيكفوا العملية».. فردت «أروى»: تلت تلاف جنيه إيه يا ابنى انته وهوه.. المبلغ ده تمن الشهيد الكبير.. إحنا عيال.. ده يبقى نعمة لو دفعوا فى الواحد فينا 500 جنيه..!!
 

ليست هناك تعليقات: