الجمعة، 29 يونيو، 2012

من اسعاد يونس للرئيس الجديد





٢٩/ ٦/ ٢٠١٢


بقلم إسعاد يونس
■ من حقى كمواطنة أن أرسل رسالة إلى السيد الرئيس المدنى المنتخب قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية بيوم واحد وقبل أن أدخل فى الصمت الرئاسى الذى فرضته على نفسى لمدة مائة يوم..
■ السيد الرئيس.. أعلم أنه قد وُجهت إليك مئات الرسائل.. وربما الآلاف.. تبارك لك وتحذرك وتهددك بأن العين مفنجلة والحسّابة بتحسب.. كل واحد أراد أن يذكرك بأن فوزك لم يكن ساحقا ماحقا مكتسحا.. ولكنه كان بفارق عدد هزيل من الأصوات التى للحقيقة لا يمكن احتسابها إلا من واقع أنها أيدتك عنداً فى آخرين ونكاية بهم، كما كان الحال على الجانب الآخر.. وأن عددا يتجاوز الخمسة ملايين مصوت ليسوا من فصيل الإسلاميين ولكنهم من المصوتين المدنيين الثوريين الليبراليين الذين يصدقون تأكيداتك على الدولة المدنية.. وأنهم أعلنوا أنهم سيضعون بطاقات انتخابهم فى الصندوق ليخرجوا من اللجنة متوجهين مباشرة إلى صفوف المعارضة.. ولكنهم فى النهاية ساهموا فى وصولك للكرسى.. وإذا لم يرضوا عن الأداء فسيكونون أول من سيقف ضدك..
■ وأنا لا أود أن أضيف إليهم تهديدا أو وعيدا.. فقد زاد الأمر عن حده وتحول من وجهة نظرى إلى نوع من التحرش الكريه برجل بدا فى خطابه الأول طيبا مسالما ساعيا لرضاء الناس.. ذكر من ذكر وأغفل من أغفل.. ليست هذه القضية.. فالرسالة فى مجملها واضحة.. أن أعطونى الفرصة فأنا لست بخيركم.. ولكنى سأحاول قدر جهدى..
■ وعليه فإننى أنضم لهؤلاء الصامتين المراقبين منذ الآن.. ولا تعليق لى على أدائكم حتى نلتقى بعد المائة يوم.. إلا أننى أتمنى منكم وعليكم أن تبددوا حالة الكآبة والرعب والحزن الذى حل بكل المصريين قاطبة عدا هؤلاء الذين يناصرون مذهبك الإخوانى أو السلفى والذين مثّلوا ربع الأصوات الناخبة فقط.. فلا أخفيك سيدى الرئيس أن لحظة إعلان النتيجة مثلما ارتبطت بصرخة الفرحة التى خرجت من التحرير ارتبطت فى اللحظة ذاتها بصرخة ذعر على كل الجوانب الأخرى.. وهى الأغلبية فى هذا البلد.. ومنذ هذه اللحظة وهؤلاء الحزانى يعيشون فى كابوس مخيف.. حسرة على البلد وما وصل إليه من عبث وفوضى.. حسرة على الماضى الجميل فى بعض أجزائه والقبيح فى أجزاء أخرى على مدى ثلاثين عاما.. والذى عندما قمنا بالثورة كنا طامعين فى تغيير القبيح منه إلى الأفضل.. إلا أن كل شىء ذهب.. جميله وقبيحه.. وبتنا فى بلد فقد كل مميزاته وجمالياته وحضارته واقتصاده.. وتماسكه.. كأن هذه الثورة كانت مجرد حلم جميل انتهى بفعل اليقظة على واقع أليم قبيح متخلف.. لم يبق منها إلا من يهتف هنا ويصخب هناك كأضغاث الأحلام وذكراها.. أما الباقى فحصيلته مواطن مهزوز لا يدرى بأى أرض يموت.. يتجول فى الطرقات جائعا باحثا عن أى جسد ينشب فيه أظافره ويغرس فيه أنيابه.. أصبحنا شعباً لعابه دم وأنفاسه فحيح وحنجرته مبحوحة من العواء.. فإذا ما فقدت ذاكرته ملامح الماضى ونظر أمامه.. لا يشعر إلا بالخوف وعدم الأمان.. يساهم فى هذا بشدة بعض من ذلك الجمع الذى يحيط بك.. والذى يعتقد أنه بنجاحك فى الانتخابات أصبح كل فرد فيه رئيس جمهورية مصر ومالك مفاتيح إدارتها.. وخرج يصرّح ويخطب ويدلى ببيانات.. ويقضى نهاره وليله دائرا سائحا من منصة لأخرى ومن برنامج لآخر.. يلقون بقذائف صغيرة من الإرهاب الفكرى إذا جمعتها كونت قنبلة نووية تعصف بالبلد.. ويلعنون الإعلام فى كل كتاب وهم وقوده الأول والأخير.. يجلسون إلى المضيف ليشكروه بكل التقدير والاحترام، مؤكدين أنه لولا نزاهته الإعلامية ما وافقوا على الظهور معه ويلعنون الباقين.. ثم بعد ربع ساعة تجدهم فى البرنامج الذى تم لعنه منذ دقائق لتتكرر مظاهرة الاحترام والتقدير وهكذا..
■ وإذا سألت أحدهم بأى صفة تصرح وتقول هذا؟.. تقفز إلى ذاكرتك سعاد حسنى وهى تغنى أغنية «خالى البيه».. فكلهم يشعر أنه السبب فى وصولك وكأنه ولى أمرك والمسؤول عنك والمتحدث باسمك..
■ يساهم أيضا فى هذا الذعر شعور الجموع الرافضة لتيارك بأن هذه النتيجة تسببت فى نشر نوع متجدد من الإرهاب فى الشارع وأعطت فصيلا بعينه الجرأة على التعدى على الناس وتهديدهم بصفتهم أصبحوا أعضاء فى الفصيل الحاكم.. خلط آخر للمفاهيم وفوضى يعضدها غياب الوعى والأمن مرة أخرى.. وعدم وجود قوانين رادعة للتحرش العنصرى والتعدى اللفظى والجسدى.. مما بدأ يحفز الناس على الرد بالمثل دفاعا عن أنفسهم حيث لا ملجأ لهم إلا ذلك ويهدد بحرب شوارع تعيد إلينا سمات الفوضى التى كنا على وشك التخلص منها والإحساس بالأمان..
■ أضف إلى ذلك شعور الناس بأن تشكيل الوزارة الجديدة سيتم بنفس منهج المغالبة وعدم اختيار الكوادر الحقيقية دون النظر فى توجهها السياسى أو العقائدى.. وإعطاء الوعود للأحزاب بأن هذا له حقيبتان وذاك أربع حقائب وكأنها تركة مرة أخرى.. وقلق العامة الشديد على وزارة الداخلية مثلا.. تخوفا من إدارتها بمنطق انتقائى انتقامى لن تنزل عصاه إلا على أبدان البشر.. وهنا سيكون الخلاف شديداً والصدام متوقعاً..
■ وحيث إنك صرت مصريا خالصا.. تنتمى لحزب سياسى ولا ترأسه.. ولا تنتمى لجماعة إسلامية غير معلنة ولم يعد لها سلطان عليك.. فبيدك سيدى أن تحجم هؤلاء الذين لا يفعلون أكثر من الإساءة إليك.. فالتهديد مثلا بنتف ريش من لم يؤيدوك هو عبث لا يقدم ولا يؤخر ولا يفعل أكثر من الإساءة إليك وحشد روح الكراهية من جديد.. والتصريح بأن معارضيك يمكنهم أن يذهبوا طلقاء أحراراً يشى بأن من أطلقه كان ينوى اعتقال وحبس اثنى عشر مليون ناخب صوتوا لغيرك!!.. وظهور ألف مندوب عنك فى البرامج هو عبث من نوع آخر.. نحن لا ترأسنا جمعية تعاونية.. نحن يرأسنا رئيس واحد الآن.. وإذا كنا نحن معارضيك بجموع الأغلبية الحقيقية التى ذكرتها نجمع أنفسنا حاليا لمؤازرتك وإعطائك الفرصة لكى تعمل فى هدوء.. فإن من سيعكر هذا الصفو هم هؤلاء الأتباع.. نحن نريد فقط أن نستعيد بلدنا الذى فقدناه كما كان وهو أضعف الإيمان.. ونرفض بكل شدة أن نترحم على المخلوع حتى لو كانت الظواهر توحى بذلك.. فقد كانت الثورة قرارنا منذ اليوم الأول حتى النهاية.. انضم من انضم إليها.. ولحق بقطارها من لحق.. هى عقيدتنا وهدفنا ومستقبل أولادنا..
■ أعانك الله يا سيدى على مهمتك الثقيلة.. فإن أحسنت نحن لك قلبا وقالبا.. وإن لم تحب مصر الوطن العظيم وتنحز إليه وتجعله تاجاً على رأس الدنيا وماسة ترصع مدنيتها.. كان لنا معك حديث آخر.. ربنا معاك..
المصرى اليوم

ليست هناك تعليقات: