السبت، 26 فبراير، 2011

الأقباط والعلمانيون في مواجهة المادة الثانية من الدستور المصري

تدور الكثير من المناقشات الآن في مصر حول المادة الثانية من الدستور المصري لعام 1971 والتى نصت على أن " الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع.
ثم تم تعديلها عام 1980 لتنص في صيغتها النهائية على أن:
الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع. (1). وحتى نضع النقط فوق الحروف بخصوص هذه المادة ، لابد أن نفرق بين الغرض منها- أي لماذا وضعت ، وبين فاعليتها الدستورية الحقيقية .
هذه المادة وضعها العسكري المتطرف "أنور السادات" كنوع من النفاق السياسي (2) للجماعات الإسلامية ، ولترسخ نوعا من الطائفية والتفرقة الدينية ، وكان غرضه الأساسي منها هو إلهاء عامة الشعب المصري عن المادة 77 من الدستور التي رسخت حكما دكتاتوريا لا ينتهي للرئيس المصري (3).
------------------
هذه المادة السيئة السمعة والطائفية المغزى تتكون من فقرتين
الفقرة الأولى :" الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية"
والفقرة الثانية :"مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع"

أما الفقرة الأولى فقد وجدت في بعض الدساتير المصرية القديمة مثل دستور 1923 (4) ودستور 1936 (5) ، ثم اختفت تماما من الدستور المصري عام 1956 بعد الإنقلاب العسكري الذي قام به عبد الناصر وشركاه ، فلم يكن وجودها أيام الملكية عائقا سياسيا للحريات والحركات والأحزاب السياسية في المملكة المصرية ولا هاجسا ينافي التعددية الحزبية والعلمانية والمدنية . بل كان الأقباط كأقلية دينية وقتها مشاركين في الحياة السياسية وبقوة في فترة العصر الملكي ... حيث بلغ عدد الأقباط الممثلين في البرلمان المصري 27 قبطيا من 264 عضوا عام 1942 ... أي حوالي 10% من عدد الأعضاء
مقارنة بـ 6 أقباط فقط (6) من مجموع 454 عضو في مجلس الشعب المصري عام 2000 م ... أي حوالي 1.3 % من عدد الأعضاء .

عدم تأثير الفقرة الأولى في العصور الملكية يمكن إرجاعه إلى عوامل عدة :
أولها : وجود الإنجليز في مصر مما خفف وطأة الضغط الإسلامي .
والعامل الثاني : هو أن هذه المادة بلا مضمون حقيقي ، فما معنى "الإسلام دين الدولة" ؟
لا معنى للنص على الإطلاق ... لأن الدولة شخصية اعتبارية وليست حقيقية ، فلا الدولة يمكن أن تصوم أو تصلي أو تحج أو تتلو الشهادتين أو تزكي ، لأنها ليست شخصا حقيقيا يمكن أن يؤمن بدين أو عقيدة معينة ... وبالتالي فالفقرة لا تأثير حقيقي لها على الدستور أو القانون أو الأقليات ... وهي أيضا نوع من الهراء اللغوي الذي لا ينبغي أن يستهلك تفكير الأقليات الدينية في مصر كثيرا وأولهم الأقباط .
أما العامل الثالث الذي جعل هذه الفقرة بلا تأثير حقيقي : أن كل دساتير ما قبل إنقلاب 1952 كانت تحوي فقرة هامة نصها " حرية الاعتقاد مطلقة" (7)، وهي التي جعلت الحرية الدينية في أكمل مستواها ، حتى أن عميد الأدب العربي طه حسين تجرأ أن يكتب كتابه المعضلة "في الشعر الجاهلي" ، واستطاع الشيخ "على عبد الرازق" أن يكتب كتابه الرائع "الإسلام وأصول الحكم" (8) ، بل وأمكن لشخص ملحد مثل اسماعيل أدهم أن يكتب كتابه القوي "لماذا أنا ملحد؟"
من كل هذا نستخلص أن الفقرة الأولى بنصها " الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية " ليست ذات قيمة ، وهي آخر ما يمكن أن نصارع عليه سياسيا من أجل العلمانية والمدنية . الأفضل أن تلغى تماما حتى تبقى المدنية والعلمانية بلا شوائب ، ولكن بقاءها لن يؤثر -في وجهة نظري- على الحريات ، فلو نضج الشعب المصري وعلم انها فقرة مثيرة للسخرية ولا قيمة لها ، لأمكن إزالتها بكل سهولة ... أما لو استمر الشعب المصري في مرحلة الوصاية السياسية لفترة أطول ، فبقاءها سيكون من أجل الإلهاء ومراضاة الدهماء والنفاق السياسي.

------------------
أما الفقرة الثانية من المادة الثانية في الدستور المصري الحالي فهي سبب كل المشاكل
وتنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع"
هذا هو الاختراع الذي أضافه العسكري المتطرف السادات ، والذي حاول به دغدغة مشاعر الاخوان والجماعات الإسلامية المتطرفة ... وبسببها عانى الأقباط والبهائيون والعلمانيون وكل الأقليات .
أسباب المعاناة من هذه الفقرة الخاصة بالشريعة الإسلامية (9) كثيرة ومنها:

1- السبب الأول: أنها من الناحية القانونية مبهمة ، فما هي مبادئ الشريعة الإسلامية ؟ وهل هناك كتاب واحد في الفقه الإسلامي يحدد مبادئ الشريعة الإسلامية ؟
لا ... لا يوجد ، لأن محمد صلعم لم يؤسس أي سلطة تشريعية واضحة قبل وفاته ، ولم تقم أي مؤسسة إسلامية بعده لتقنن التشريع الإسلامي ، فكان التشريع الإسلامي رهنا لاجتهادات أفراد ، ولهذا انبثقت المذاهب الفقهية المختلفة عن اراء أفراد يسمونهم علماء ، مثل الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي عند أهل السنة ، ويقابله الفقه الجعفري و مذهب الخوارج والفقه الزيدي عند أهل الشيعة ... والاختلافات بينهم قد تتسع إلى درجة الاختلاف بين الأديان وليس طوائف لدين واحد ... فالمذهب الحنفي (10) مثلا يعتمد بالاساس على استنباط الأحكام والتشريعات بالاستحسان والقياس على القرآن فيما لا يوجد له نص قرآني ، ورفض أتباعه استعمال الكثير من الأحاديث المحمدية لأنها في عرف أصحاب هذا المذهب معظمها ظنية الثبوت (11) والكثير منها يتعارض على النص القرآني . وعلى النقيض من هذا المذهب الحنبلي (12) الذي تطرف في قبول الأحاديث المحمدية حتى أن ابن حنبل له مسند أحاديث كامل باسمه جمع فيه أكثر من 40 ألف حديث . فيا ترى ايها هو المذهب الرباني ، وأيها يمثل حكم الشريعة ... ؟

2- السبب الثاني : أن "مبادئ الشريعة الإسلامية" مصطلح هلامي مطاطي قد يتسع ليشمل عقوبات غير إنسانية مثل رجم الزاني وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر ، كما يحدث في ايران والسعودية وحديثا في السودان وقبلا في حكم طالبان الأفغاني ، وقد يضيق ليختفي منه تماما جميع الحدود والعقوبات الجسدية (13) لمخالفتها لأبسط حقوق الإنسان والذوق العام في عالمنا المعاصر، كما هو الوضع في سوريا ومصر والأردن وغيرهم .
وعلى الرغم من مطاطيتها إلا أن وجود هذه الفقرة الهلامية في الدستور المصري وسيلة لفتح الباب على مصراعيه للتأويل ، فهي تضع المواطن المصري رهينة للشيخ المسلم و القاضي المتطرف.
وإليكم الأمثلة :
+ تحت ذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية المطاطة تم الحكم بالتفرقة بين المرحوم د. حامد نصر أبو زيد وزوجته ، لأن بعض الشيوخ أفتوا بكفره وردته ، ولأنه لا يجوز زواج المسلمة من رجل كافر.
+ وتحت نفس الذريعة تم المطالبة بتطبيق حد الحرابة (14) على المذيعة هالة سرحان لعرضها ما ظنوه مسيئا للإسلام في أحد برامجها الحوارية .
+ وتحت نفس البند تم منع أطفال الأقباط من حضانة امهاتهم ، لأن الأب قد تحول إلى الإسلام ... ولأنه لا ولاية لكافر على مسلم ، فلا يجوز لأم كافرة أن ترعى أولادها المسلمين على الرغم انهم لم يختاروا الإسلام طواعية.
+ وتم تهديد- وفي بعض الأحيان تنفيذ التهديد - كل شخص مسلم يرغب في ترك الإسلام بحد الردة ، كما قتل أحدهم الكاتب اللامع فرج فودة لأن أحد الشيوخ قد حكم بكفره وردته ، لأنه نادى بالعلمانية وفضح التاريخ الأسود للخلفاء المسلمين .
+ وبسبب وهم الشريعة تم منع المتحولين إلى المسيحية من تغيير هويتهم الدينية في بطاقات الهوية.
+ وبسبب هذه المادة تم تحريم التبني كعمل إنساني وتم القبض على بعض الأقباط الذين حاولوا تبني أطفال من ملاجئ أيتام قبطية ...
+ وبسبب هذه الشريعة الوهمية لم يتم الحكم على أي قاتل للأقباط بالاعدام (15)، لأنه قاتل الذمي والكافر لا يوجد له حد أو عقوبة ، بينما حد القتل يطبق فقط على قاتل المسلم ، وأبسط دليل على هذا أن المتهمين في قتل الأقباط في مجزرة نجع حمادي لم يتم الحكم بالاعدام إلا على واحد منهم فقط ، وذلك لأنه تسبب في قتل حارس الكنيسة المسلم ، أما شركاءه فقد حكم لهم بالبراءة ... لأن ايديهم تلوثت بدماء الأقباط فقط .
+ وبسبب هذه الشريعة يُحرم أصحاب الكفاءات من الأقباط والبهائيين  وغيرهم من الأقليات
ومن النساء من تقلد المناصب السياسية والتشريعة والتنفيذية الكبيرة في الدولة المصرية ، لأن البعض يتشدق بأن الشريعة الإسلامية تنص على أنه لا ولاية لذمي على مسلم وأن الرجال قوامون على النساء ...
من الناحية الدستورية إذن فقرة الشريعة الإسلامية مطاطة لا تضيف وضوحا قانونيا ، بل تتحول إلى ذريعة للتفرقة بين أبناء الوطن الواحد ... وتسلب الأقليات أبسط الحريات الإنسانية المعترف بها.

3- السبب الثالث أن بعض العامة من جهلة المسلمين يظنون أن الشريعة الإسلامية هي أكمل تشريع ،ولهذا ينبغي فرضها قسرا على المسلم وغير المسلم ، ولأنها شريعة كاملة لا يجوز تغييرها أو تعديلها أو إلغائها . وبهذا يحرمون البشر من تقرير مصيرهم وحريتهم بأنفسهم ويصبحون رهن مشايخ التخلف والظلام . ولكن الشريعة الإسلامية الوهمية أبعد ما تكون عن الكمال ، فالشريعة الإسلامية المأخوذة من القرآن والسنة لا تكفي ولا تكتمل ولا تفي بمتطلبات كل عصر ، فالعقوبات (الحدود) المتفق عليها عند معظم -وليس كل- أئمة الفقه الإسلامي هي خمس ، القتل والسرقة والزنا وشرب الخمر والقذف ، وأما ما خلا هذا ففيه اختلافات كثيرة وينقصه الكثير من التشريعات وأبعد ما يكون عن الكمال .
فعلى سبيل المثال في التشريع الإسلامي لا وجود لأي بنود أو أحكام عن جرائم الاختلاس أو الرشوة أو إهدار المال العام ، بل على النقيض فحكم السارق بقطع يده – وهو غير إنساني بالمرة- لا يمكن تطبيقه على المختلس من أموال الدولة (16) ... فكيف يكون تشريعا كاملا ويقطع يد سارق بيضة أو ربع دينار ... بينما لا وجود لأي عقوبة على المختلس والناهب ؟
وفي التشريع الإسلامي لا وجود ايضا لأحكام في جرائم التزوير ، أو تجارة المخدرات .
وحتى في الأحكام المشهورة مثل حكم الزنا يشتد الخلاف ، فمذاهب الشيعة تحكم على الزاني بالجلد طبقا لما هو موجود في القرآن (17) بينما تحكم عليه معظم مذاهب السنة بالرجم لأنهم يؤكدون على أن حد الرجم كان نصا في القرآن وحُذف (18) وظل العمل به ...
وهنا تتضح الصورة الساخرة لوهم الشريعة ... فهل يحكمون بما جاء في النص القرآني صراحة –أي جلد الزاني؟ او بما أكله الداجن- أي رجم الزاني ؟ والفرق شاسع بين حياة الإنسان أو موته !!
بل وما أدرانا إن كان هناك الكثير من النصوص التشريعية القرآنية التي أكلها الداجن كما أكدت عائشة على أكل آيات رضاع الكبير أيضا (18) ؟ وهل هذا التخبط من كمال التشريع ؟
وفي حكم القتل أيضا نرى الكثير من اللا عدالة ، ففي أغلب المذاهب الفقهية للسنة والشيعة يُقتل قاتل المسلم ، ولا يُقتل قاتل غير المسلم كالذمي أو الكافر (19) ، فهل دماء المسلمين من الدم الملكي الأزرق ، ودماء الأخرين رخيصة لا قيمة لها ؟
هل هذا ما يدعونه بعدالة التشريع الإسلامي وكماله ؟
وهل يمكن أن يستقر حال غير المسلمين ويأمنون على أنفسهم في بلاد تحكمها الشريعة الإسلامية ودماءهم رخيصة في عيون المشرع المسلم ، ورهن تأويله وتفسيره لنصوص متعارضة بين القرآن والسنة ؟

4- السبب الرابع: أن البعض من دهماء المسلمين يظنون أن الشريعة الإسلامية ربانية المصدر ولهذا وجب العمل بها ، وفرضها على رقاب العباد جميعا ، وبالتالي قفلوا باب الأمل في تشريع عصري ملائم للحياة والحرية والمواطنة . أما ربانية الشريعة فهي اسطورة أخرى ، لأنه لا وجود لما يسمى بشريعة إلهية أو ربانية مكتوبة بحبر وورق على وجه هذه الأرض في زماننا هذا ، وبالأولى الشريعة الإسلامية التي قد تبدو ربانية في عيون المسلم ، ولكنها ليست كذلك في عيون القبطي أو اليهودي أو البهائي أو الملحد ، فمن يحكم بربانيتها ؟ ومن يمكنه أن يفرض اعتقاد المسلم على غير المسلم ؟
ثم أن هذه الاسطورة تتداعى عند اول فحص دقيق ، فما هو رباني إصطلاحا لابد أن يكون ثابت ويقيني ، أما مصادر الشريعة التي اختلفت وتعددت بين المذاهب الفقهية الإسلامية عند السنة والشيعة على السواء لا هي ثابتة ولا هي يقينية ، وتتضمن هذه المصادر القرآن والسنة (الأحاديث) المحمدية والاجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة (20)
أما الأجماع (21) فلم يتفقوا على تعريف له ، بل أن الإمام ابن حنبل – أحد ائمة الفقه الأربعة عند السنة – أقر بأن من ادعى الاجماع فهو كاذب (22) ، وحتى لو اتفقوا ، فالاجماع في النهاية هو اجماع آراء بشرية ، ويشير بقوة لعدم كفاية القرآن والسنة لتشريع كامل ... لابد من تكملته بأراء البشر واتفاقهم ...
وأما القياس (23) فهو أيضا من صناعة البشر وتقريرهم العقلي واجتهادهم ، وهو أيضا يشير إلى غياب نص قرآني أو سنة للحكم الصريح مما يدفع بالمشرع المسلم إلى قياس الأحكام الجديدة على نص قرآني أو حديث بأمر مشابه .
وأما الاستحسان والمصلحة فواضح من ألفاظهما انهما ايضا محاولات بشرية -لا ربانية -لتغليب المصلحة البشرية فيما لا نص فيه ، بل وفي بعض الأحيان تعطيل نصوص قرآنية لما فيه مصلحة العباد كما ألغى عمر حد السرقة في عام المجاعة ، وكما ألغى عمر ايضا إعطاء الأموال والعطايا للمؤلفة قلوبهم (24) لأنها تشريع واضح بالرشوة ، وهذا أيضا لا جدال فيه أنه بشري ولا يمثل أي مصدرا ربانيا .
أما القرآن : والذي يعتمدون عليه كمصدر أولى للتشريع ... ويظنونه ربانيا ، فهذا يواجه مشكلتين كبيرتين
الاولى :هو وجود الناسخ والمنسوخ في نصوص القرآن ... والذي يحدد الناسخ من المنسوخ هم بشر يختلفون ، بل أن بعض المسلمين وآخرهم الدكتور محمد عمارة أنكر تماما وجود الناسخ والمنسوخ في خلاف صريح مع مئات من كتب الفقه الإسلامي ... فلو افترضنا وجود الناسخ والمنسوخ ... فما هو النص الذي يحدد التشريع ؟
هل هو النص الناسخ أم المنسوخ وكلاهما رباني المصدر بحسب الفكر الإسلامي ؟
وإذا جاز نسخ ما هو رباني في فترة 23 سنة أيام محمد صلعم لتغير الظروف والتطور ، فكيف يمكن أن نطبق نصوص القرن السابع الميلادي على نصوص القرن ال21 ... ألا يجوز نسخها هي أيضا بحكم التغير والتبدل في شئون الخلق والمصالح ؟ (25)
وماذا عن النصوص التي سقطت من القرآن وأكلتها الحيوانات وظل العمل بها ؟ هل هي في حكم المنسوخ ولا قيمة لها ، أم أنها ملزمة تشريعيا ...
فحتى النص الذي يظنونه ربانيا تغير وتبدل مع تغير الظروف -كما يدعون- بالناسخ والمنسوخ ... وهذا يفتح الباب أمام إسقاط كل النص القرآني إذا تغيرت الظروف والمجتمعات .

أما المشكلة الثانية في القرآن: أن معظم نصوص القرآن من المتشابهات (26)، أي قابلة للتأويل والمطاطية ، فلو كان النص رباني –طبقا لعقيدة المسلم – فتحويله من نص غامض إلي تشريع واضح هو عمل بشري يلزمه تفسير وتأويل ، مما يجعل نصوص التشريع قائمة على اجتهادات البشر وليس على أفكار إلهية مزعومة ...
فلو كان المسلم يظن أن قرآنه ربانيا ، وهو ليس ربانيا كما يعتقد المسيحي واليهودي والملحد ، فهو كذلك للمسلم طالما ظل نصا بين ضفتي القرآن دون تأويل أو إضافة بشرية أو تبرير أو تفسير ، أما لو تدخل فيه العقل البشري ليستنبط تشريعا ، فهو لم يعد ربانيا بل بشريا خالصا .

أما السنة المحمدية من أحاديث وروايات ... فهي المصدر الثاني في الأهمية للتشريع بعد القرآن ، وهذه مختلف فيها ، فلا الشيعة يوافقون على ما جاء من أحاديث في كتب السنة التسعة المشهورة ، ولا السنة يوافقون على ما جاء في كتاب الكافي من أحاديث وروايات يعترف بها الشيعة .. واهل السنة يختلفون فيما بينهم في الصحيح والضعيف والمرسل والحسن ... وما يتفقوا عليه من أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم ، اغلبها أحاديث ظنية الثبوت لأنها أحاديث أحاد كما يقولون (27) ولو ظهرت احاديث قليلة قطعية الثبوت (28) فهي ظنية الدلالة غامضة المعنى (29) ، ومن هنا أقر أهل السنة بأن : القرآن وإن كان قطعي الثبوت، فأكثره ظني الدلالة، والسنة أكثرها ظني الدلالة ظني الثبوت، فمن اشترط للاحتجاج بالأدلة أن تكون قطعية الثبوت والدلالة، فقد رد معظم الشريعة، وناقض إجماع الأمة. (30)
وكأن الوسيلة الوحيدة لتقوم الشريعة على القرآن والسنة هو الاحتكام للظنون واللا يقين المتغلغل في كل من القرآن والسنة . فالنص القرآني ملئ بالمتشابهات الغير مفهومة والغير قاطعة - أي ظني الدلالة ، وناسخه ينسخ منسوخه ، والسنة مليئة بالأحاديث اللا يقينية في معناها وفي نسبتها إلى محمد (31). والاجماع او القياس أو المصلحة من اجتهادات البشر ... كلها مصادر تشريعية بشرية لا ربانية فيها ، ومحاولة تصويرها على أنها ربانية هو محاولة يقودها مشايخ يحاولون التحكم في مصائر البشر باسم الله ... فيشرعون ويفتون ويأولون ويفسرون ، وعامة الدهماء من المسلمين مغيبين كالقطيع بلا عقول. فأين هي هذه الشريعة الربانية المزعومة ؟
لقد حاول الدكتور يحيى الجمل –استاذ القانون الدستوري - توضيح أن بند "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" في الدستور المصري قد تم تحديده بواسطة المحكمة الدستورية العليا في مصر ، على أنه الاحكام قطعية الثبوت والدلالة فقط (2) ، ولم يدرك أنه بهذا خالفت المحكمة الدستورية العليا رأي أغلب مشايخ الأمة الاسلامية وألغت معظم الشريعة الإسلامية كما يعتقد بها رجال الدين الإسلامي .
اي أن التخبط يمتد حتى في ماهية الشريعة الإسلامية : هل هي النصوص اليقينية في أصلها ومعناها ، أم هي كل النصوص الظنية التي تملأ كتب السنة والشيعة والأباضية وغيرها ....؟
---------------------
هذه الأمثلة والاعتراضات التي سقتها ، ليس إلا لتوضيح خواء الشريعة الإسلامية ، ووهم لفظة "مبادئ الشريعة الإسلامية" ، وكثرة مشاكلها والاختلاف حولها ، ومطاطية تطبيقها ، وبشريتها وعدم احترامها لآدمية الإنسان أو حريته ، كلها عوامل تجعلها آخر ما يمكن أن ينادي بتطبيقه أي إنسان عاقل به يحيا في القرن ال21

أخيرا أتفق مع القائلين بأن مناقشة المادة الثانية من الدستور ينبغي تأجيلها حتى انتخاب مجلسي الشعب والشورى (32) ، عندها يمكن طرح دستور جديد نقي من شوائب الدكتاتورية الدينية . لهذا أدعو كل الأقباط والأقليات والعلمانيين في مصر إلى الاستعداد إلى سجال فكري ودستوري قوي في المرحلة القادمة ، يمكن فيه أن نتنازل -ولو مؤقتا- للأغلبية المسلمة المغيبة عن الفقرة الأولى من المادة الثانية في الدستور بأن " الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية" ... ولكننا لن نستسلم إلى عودة القهر الديني مرة أخري ، ولن نرضى ببقاء الفقرة الثانية "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع"
فطعم الحرية مازال في حلوقنا ، وحريتنا كبشر تتحقق بأن نحطم وهم الشريعة الإسلامية وجذورها الاستبدادية ، حتى نتخلص من أخر بذور الاستبداد والقهر ، وفي فناء الاستبداد الديني بداية الحياة والحرية للإنسان ، عندها سوف يأتي عصر جديد تُحترم فيه آدمية الإنسان المصري بلا تفرقة أو عنصرية أو استعلاء من الأغلبية المغيبة في مواجهة أقلية عددية واعية تحمل معها شعلة الفكر والحق والحرية .
----------------
الهوامش والمراجع
(1) بإضافة الألف واللام لكلمتي "مصدر" و "رئيسي"
(2) كما قال د. يحيى الجمل في لقاء في القاهرة اليوم
راجع التسجيل من هنا : http://blip.tv/file/4814835
(3) وتنص على: " مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى. "
(4) المادة 145
(5) المادة 138
(6) منهم 3 بالتعيين من رئيس الجمهورية
(7) المادة 12 من دستور 1923 ، ومن دستور 1930 ، فلما جاء دستور 1956 الناصري ، حوى المادة 43 والتي تنص على أن :
" حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمى الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات الفرعية فى مصر، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافى الآداب."
وبإضافة هذا التحديد والتحجيم على المادة فقدت إطلاقها وقوتها وهيبتها وصارت خاضعة للعادات والنظام العام وهما مصطلحان مبهمان
(8) الذي نفى فيه العلاقة بين الإسلام وحتمية الخلافة الإسلامية
(9) هي القانون الإسلامي الذي يختص بالمعاملات ولا علاقة لها بالعبادات مثل الصوم أو الصلاة أو الزكاة أو الحج .
(10) نسبة إلى الامام أبي حنيفة النعمان ت 150 هـ
(11) لا يمكن التأكد من ثبوت قولها أو مرجعتيها إلى محمد
(12) نسبه إلى أحمد بن حنبل ت 227هـ
(13) ما يسمى بتعطيل الحدود
(14) عملا بالنص القرآني : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33
(15) سواء في أحداث الزاويةالحمراء أو الكشح الأولى والثانية أو نجع حمادى او غيرها
(16) المختلس والمنتهب والخائن غير السارق : ولهذا لا يعتبر الخائن ، ولا المنتهب ، ولا المختلس ، سارقا ، ولا يجب على واحد منهم القطع ، وإن وجب التعزير (فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 2 ص 487)... والتعزير هو عقوبة مفتوحة بالضرب أو الجلد أو القطع أو الرجم أو الصلب أو أي عقوبة يحددها القاضي لعدم وجود عقوبة صريحة في التشريع الإسلامي ... فأين الكمال ؟
(17) {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2
(18) حيث تشير تؤكد عائشة أن آية الرجم كان في صحيفة تحت السرير فاكلتها الداجن :
عن عائشة أم المؤمنين قالت : لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سرير فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها (رواها ابن حزم عن القاسم بن محمد وعمرة في المحلى ج11 ص 235- وحكمها صحيح)
(19) قال بهذا الرأي الشافعية والحنابلة وبعض المالكية والظاهرية والإمامية وقد بنوه على ما جاء في صحيح البخاري : عن أبو جحيفة السوائي سألت عليا رضي الله عنه : هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ؟ وقال ابن عيينة مرة : ما ليس عند الناس ؟ فقال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما عندنا إلا ما في القرآن ، إلا فهما يعطي رجل في كتابه ، وما في الصحيفة . قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر .
ولم يقل به المذهب الحنفي ، في الأغلب لاعتبارهم هذا الحديث من أحاديث الآحاد ، وانه يعارض القرآن في قوله (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ... فمن نتبع إذن
المذهب الحنفي وادلته القرآنية أم بقية المذاهب بأدلتهم من السنة ؟
مثال آخر على تخبط الشريعة !!
(20) وتعني الحكم بالمصلحة الغير مقيدة بنص عند عدم توفر نص ديني
(21) البعض يفسره بأنه إجماع علماء الدين الإسلامي على حكم ما في عصر من العصور والبعض يحدد عدد المتفقين والبعض ينكره من الأساس.
(22) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب ، من ادعى الإجماع فهو كاذب . راجع كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية ص 25
(23) محاولة استنباط الاحكام التشريعية لأمر محدث قياسا على أمر منصوص عليه في قرآن أو سنة
(24) حيث جاء في القرآن : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة60 وعلى أساسها كان محمد يعطى الاموال لبعض المسلمين حتى يشترى ولاءهم لهم وللإسلام - راجع كتاب أحكام القرآن للجصاص ج3 حول تعطيل الاحكام في عصر الفاروق
(25) لو تحجج البعض بأن النسخ لابد أن يحدث بأمر رباني ، نرد عليه بأن معظم النصوص المنسوخة لم ينزل لها تصريحا واضحا بالنسخ ، ولم يشهد محمد بنسخها ،وإنما تم استنتاج النسخ لوجود نصوص متعارضة . بل أن الصحابة نسخوا نصوص قرآنية مثل نص المؤلفة قلوبهم التي نسخ حكمه عمر بن الخطاب .
(26) كما جاء في القرآن {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }آل عمران7
(27) أي جاءت مروية عن طريق صحابي واحد فقط ، وهو بشر يخطئ ويصيب ... من لا يضمن صحة الحديث وصحة نسبه إلى محمد ، لهذا يقولون ظني الثبوت ... والمذهب الحنفي يؤيد بشدة هذا الفكر .
(28) جاءت روايتها عن طريق أكثر من صحابي واحد
(29) تفسيرها يمكن تأويله بعدة طريق
(30) راجع هذه الفتوى من أكبر موقع للفتاوى على الانترنت

(31) بل أنه حتى في يومنا هذا ظهر الكثير من الطاعنين في صحيح البخاري ومسلم لتعارضهما البين مع نصوص القرآن.
(32) ولهذا وجب على الأقباط وكل الأقليات مع العلمانيين في مصر التركيز على الاعداد السريع لهذه الانتخابات القادمة حتى يضمنوا تمثيلا داخل البرلمان المصري

الأقباط الأحرار

ليست هناك تعليقات: